أجيب بإيجاز: كي نتخلص من "الأطراف"، يعني من النقاط الحدية، فلا نهتم
إلا بما ضمنها.
ما يهمنا في الطبولوجيا هو دراسة الأشكال، يعني بغض النظر عن قيمها
الدقيقة.
سبق لي و أن كتبت تعريفا غبيا للطبولوجيا حين كتبت أنها علم تقشير
البرتقال، سأقدم لكم تعريفا لا يقل عنه غباء لكنه مفيد:
الطبولوجيا هي علم دراسة الأشكال بغض النظر عن قيمها الدقيقة .
دعوني أذكـّـر بما سبق لي و كتبته في مكان آخر :
لنأخذ بالونا بلاستيكيا -من النوع الذي يمكن نفخه- و لنرسم عليه شيئا
ما -مثلا لنرسم قطة.
لنقم الآن بنفخ البالون: سيتشوه رسم القطة فمثلا قد يصبح ذيلها أعرض من
رأسها، لكننا سنبقى قادرين على معرفة أن الرسم هو رسم قطة -فهو لم
يتحول ليصبح رسما لضفدعة أو لحلزونة مدغشقر العملاقة -مثلا!
أكثر من ذلك: دعنا نضغط بأصابعنا على نقاط مختلفة من البالون المنفوخ
-بشرط ألا يؤدي ذلك لانفجاره. سيزداد تشوه الرسم لكنه حتما لن يتحول
ليصبح صورة لحلزونة مدعشقر العملاقة!
لهذا نقول: إن البالون، و البالون المنفوخ، و البالون المنفوخ المعرض
لضغوط لا تتسبب بقطعه، هذه كلها "فضاءات طوبولوجية متكافئة"، بمعنى: ما
يظهر لنا بشكل قطة في أحدها سيظهر لنا بشكل قطة في الآخر.
هذا هو ما يهمنا في الطبولوجيا: أن تبقى القطة بشكل قطة. و عندها نقول
أن لدينا "تابع مستمر". نقول أنه "تابع" لأن كلمة "تابع" في الرياضيات
تعني علاقة ما بين مجموعتين بحيث أن كل نقطة من المجموعة الأولى لديها
نقطة تتبعها من المجموعة الثانية: كل نقطة من سطح البالون صارت نقطة من
سطح البالون المنفوخ، فلديها إذن نقطة تتبعها.
و تابعنا هذا مستمر، لماذا؟ ببساطة لأنه لم ينقطع! ذيل القطة الذي
رسمناه بشكل خط متصل بقي متصلا و لم ينقطع، إذن لدينا تابع مستمر.
أهمية التوابع المستمرة هي أننا نقدر أن ندرس تغيراتها الصغيرة، مثلا
نحن نقول: إذا كان الفرق بين نقطتين على ذيل القطة هو واحد مليمتر، فكم
سوف سيصبح حين ننفخ البالون؟
و هذا ما نسميه دراسة التفاضل (التفاضل يعني الفرق). و نقول: الإستمرار
شرط لازم (لكنه غير كاف - راجع الملحوظة رقم واحد) لاشتقاق التابع
(الإشتقاق هو التفاضل، يعني هو الفرق، بشكل أو بآخر)...
و أهمية دراسة الإشتقاق (التفاضل) هو أنها تسمح لنا بحل المعادلات
التفاضلية... المعادلات التفاضلية هي المعادلات التي تجمع التابع و
مشتقاته...
و لعلكم تسألون: طيب ويش حاجتنا بكل هاظا اللقش الفاظي؟
و سوف سأجيبكم بمثال تستخدمونه مدري كام مرة في اليوم، و هو يتضمن إحدى
أجمل المعادلات التفاضلية!
فأنتم تعودون لمنزلكم الواقع في بنايتكم عند الساعة العاشرة مساء،
فتضغطون على زر الضوء عند المدخل، ثم تصعدون السلم -أو تستقلون المصعد-
كي تصلوا للمنزل، ثم تدخلون للمنزل... لكنكم لا تعودون للهبوط كي
تطفئوا النور! ذلك أنكم تعلمون أنه سوف سيطفأ بنفسه من تلقاء نفسه، و
يا للعجب!
فكيف يحصل أن النور ينقطع من تلقاء نفسه؟
الجواب: بمعادلة تفاضلية!
نضع دارة كهربائية هي عبارة عن مقاومة و وشيعة و... و مدري شو إسمها
هاظي أخت الشرموطة الثالثة، يمكن إسمها مكثفة، يعني هاي إخت الشرموطة
التي لديها سعة نقيسها بالفاراد؟ المهم...
نعلم أن هذه الدارة تمثل بمعادلة تفاضلية خطية من الدرجة الثانية بحيث
أن حلها هو تابع أسي، فحين نغلق الدارة تمتلي أخت الشرموطة إياها و بما
أننا رفعنا إصبعنا عن القاطعة فهي تبدأ تتفرغ من شحنتها بشكل تابع أسي.
فإن وضعنا بعدها ما نسميه "ديود"، أو "ثنائي نصف النواقل"، هذا الأخو
الشليتة الذي يترك التيار يمر طالما أن أخت الشرموطة تقدم له مستوى
معينا من فرق الكمون، ثم يقطعه حين ينخفض عن ذلك، فنحن نعلم أنه سيترك
التيار يمر كي ينير المصابيح بتاعة السلم ثم سوف سيقطعها بعد فترة من
الزمن هي الفترة المميزة لمعادلتنا التفاضلية. و هذه الفترة نتحكم بها
عن طريق تغيير المقاومة و السعة و إلخ...
فهكذا إذن نجد أن الطنبولوجيا أقرب إليكم من حبل الوريد!!!
قد يتبع...
------------
الملحوظة رقم واحد...
من أراد أن يتسلى بحكاية الإستمرار و قابلية الإشتقاق، يمكن له أن يدرس
المثال التالي -و هو أجمل الأمثلة على الإطلاق.
قم بإنشاء تابع على شكل مثلث على المجال -1، 1
يعني التابع بتاعنا هو: تا(س) = 1 - القيمة المطلقة ل(س).
لاحظ أن هذا التابع مستمر على كل المجال و قابل للإشتقاق في كافة نقاطه
إلا في النقطة صفر، يعني عند قمته.
ثم...
على كل من نصفي المجال، قم بإنشاء تابع بشكل مثلث مشابه و بحيث يكون
ارتفاعه هو نصف ارتفاع المثلث السابق.
ثم...
على كل ربع من أرباع المجال، قم بإنشاء تابع بشكل مثلث مشابه و بحيث
يكون ارتفاعه نصف ارتفاع المثلث الثاني، يعني ربع ارتفاع المثلث
الأول...
و هكذا دواليبك...
ثم اعتبر التابع الممثل بمجموع كافة التوابع السابقة... و برهن، إذا
سمحت و إذا ما فيها إزعاج يعني:
1- هذا التابع موجود (قيمته محدودة في كافة النقاط).
2- و هو تابع مستمر على كل المجال.
3- و لكنه لا يقبل الإشتقاق و لا في أي نقطة أخت شرموطة من كل هذا
المجال إبن القحبة (السبب: لتكن النقطة أخت الشرموطة إياها، خذ أي جوار
منيك لها، سوف ستجد ضمنه أحد المثلثات الخرائية الذي يحشر قمته
كالخازوق فلا يمكننا أن نشتق التابع ).