عُلق كل النشاط الدبلوماسي الرامي لحل النزاع العربي ـ الإسرائيلي خلال النصف الثاني من عام 1972. فإسرائيل لم تكن لديها رغبة في التفاوض مع أي من جيرانها العرب، ذلك ان الهدف الأساسي لسياستها كان قائما على أساس الإبقاء على الوضع الراهن، في ما يتعلق بالأراضي على كل الجبهات، وعدم تقديم أي تنازلات من أجل السلام. ارتكز ذلك الموقف في الأساس على افتراض أن الوضع الذي كان قائما آنذاك يمكن الاستمرار فيه إلى أجل غير مسمى، لأن القوة العسكرية الإسرائيلية كانت قادرة على ردع العرب ومنعهم من خوض أي حرب. كانت مصر، بوصفها أكبر وأقوى الدول العربية نفوذا، هدفا لاستراتيجية الاستنزاف الإسرائيلية. الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر، الذي حل محل ويليام روجرز وزيرا للخارجية، توقفا عن مساعي التوسط بين الدول العربية وإسرائيل، وتبنيا اعتقاد إسرائيل في ان حالة الجمود في الشرق الأوسط تخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء، ولا تصب بأية حال في مصلحة الاتحاد السوفياتي وحلفائه العرب. حتى تجاه الاردن لم يبد القادة الإسرائيليون أي مرونة دبلوماسية أو رغبة في التوصل إلى اتفاق سلام. وتحت تأثير موشيه دايان واصلت الحكومة الإسرائيلية، التي كان يقودها حزب العمل تعزيز سيطرتها العسكرية على الضفة الغربية وبناء المزيد من المستوطنات في وادي الاردن. تواصل التعاون العملي مع السلطات الأردنية في عدد من القضايا العملية، بما في ذلك الزراعة وإدارة موارد المياه والتجارة والضرائب والمصارف والكهرباء وتوفير الخدمات الصحية وعودة اللاجئين. إلا ان الوضع كما لخصه المراقبون هو ان التعاون الفاعل بين الأردن وإسرائيل ساهم في الجمود الدبلوماسي آنذاك في منطقة الشرق الأوسط. وكان الملك حسين على قناعة بأن الفشل في كسر هذا الجمود سيؤدي إلى عدم الاستقرار والاضطراب والحرب في نهاية المطاف. وفي مطلع فبراير (شباط) 1973 وصل الملك حسين إلى واشنطن لطرح قلقه وهواجسه تجاه الوضع مع الرئيس ريتشارد نيكسون وكبار المسؤولين في دوائر صنع السياسة في الإدارة الأميركية. ووصف كيسنجر محنة الملك حسين بعمق ونوع من التعاطف: «كرر الملك حسين استعداده مجددا للتوصل إلى سلام مع إسرائيل، لكنه على الرغم من الاتصالات السرية واجه طريقا مسدودا. يجسد الملك حسين مصير المعتدلين العرب، فقد وجد نفسه محاصرا بين عجزه عن الدخول في حرب مع إسرائيل وعدم رغبته في ان تجمع بينه وبين العرب الراديكاليين قضية مشتركة. إنه على استعداد للتوصل إلى حل دبلوماسي، إلا ان إسرائيل لا ترى وجود ما يحفزها على التفاوض ما دام الملك حسين واقفا لوحده. كما ان إعادة الأراضي التي استولت عليها تبدو في نظر إسرائيل أقل أمنا من الوضع الراهن. الضفة الغربية، بما تعكسه من ارث تاريخي، من المحتمل ان تشعل جدلا عنيفا على الصعيد الداخلي في إسرائيل ـ الحزب الوطني الديني، الذي لا يستطيع الائتلاف الحالي الحكم بدونه، يعارض بقوة إعادة أي جزء من الضفة الغربية».
عندما عاد الملك حسين مجددا إلى واشنطن في 27 فبراير (شباط) أطلعه كيسنجر على المقترحات المصرية للتوصل إلى حل للنزاع. وعكس رد الملك حسين عمق ثقته في أنور السادات. كيسنجر بدوره لمس مؤشرات نهجين منفصلين من جانب القادة العرب، الذين يحول تشكيكهم في بعضهم بعضا دون التوصل إلى موقف مشترك. أنور السادات كان يستغل الفلسطينيين بهدف الاعتراض على خطوات الأردن، فيما عمل الملك حسين على إثارة مخاوف واشنطن من تعنت سوفياتي لإبطاء التوصل إلى سلام بين مصر وإسرائيل. الملك حسين، الذي كان في ذلك الوقت يقف لوحده بين القادة العرب، كان على استعداد لطرح شروط محددة للسلام. ففي لقائه الثاني مع كيسنجر سلمه ورقة حدد فيها العناصر التي كان قد طرحها في البداية: «الأردن على استعداد للتفاوض بصورة مباشرة مع إسرائيل بشأن الضفة الغربية. ستكون هناك تعديلات على الحدود شريطة إعادة قطاع غزة. إذا استعاد الاردن سيادته، فمن الممكن السماح بإقامة نقاط عسكرية إسرائيلية على طول نهر الأردن، وربما حتى مستوطنات إسرائيلية، شريطة ان تكون جيوبا معزولة على أراض أردنية». وقال الملك موضحا لكيسنجر أن تلك المقترحات كانت قد طرحت مباشرة على إسرائيل لكنها رفضتها. ورأى كيسنجر ان ثمة حاجة إلى طرح مقترح أميركي وليس مقترحا أردنيا مرة أخرى. عكست تلك الورقة، في واقع الأمر، تحسنا في الشروط الأردنية. ففي لقاء سري له مع موشيه دايان في 29 يونيو (حزيران) 1972، استبعد الملك حسين إقامة قواعد ومستوطنات إسرائيلية على الأراضي الأردنية، في ما وافق الملك حسين، حسبما جاء في الورقة التي قدمها إلى كيسنجر، بوجود مستوطنات ونقاط عسكرية إسرائيلية. تلت زيارة الملك حسين إلى واشنطن زيارة لغولدا مائير، التي التقت الرئيس نيكسون في 1 مارس (آذار) 1973 وأعلنت ان الوضع بالنسبة لإسرائيل «لم يحدث ان كان بتلك الايجابية». وعلى حد قولها، فإن حالة الجمود أسلم بالنسبة لإسرائيل لأن العرب لم يكن في يدهم خيار عسكري. قبلت واشنطن ما ذهبت إليه غولدا مائير وسرّعت الولايات المتحدة من مساعدتها الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل. لم يصدر الأميركيون مقترحا عقب زيارة الملك حسين، ولم تفض محادثاته مع كيسنجر إلى شيء. الغرور والإعجاب الذاتي اللذان أبدتهما غولدا مائير في واشنطن عكسا موقفها تجاه الأردن. فقد التقت الملك حسين سرا في إسرائيل في 9 مايو (أيار) 1973، في وقت كانت تدور فيه مناوشات بين الجيش اللبناني وقوات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان. كانت هناك أيضا مؤشرات مبكرة على إجراء كل من مصر وسورية استعدادات لعمل عسكري ضد إسرائيل. وكان الملك حسين قد أرسل تحذيرات إلى واشنطن بشأن استعدادات عسكرية سورية ومصرية أكثر جدية من أن تعتبر مجرد مناورات. وفي ذلك اللقاء طلب الملك حسين من غولدا مائير وقف تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق أراضي الأردن لدى عودتها من مهام الاستطلاع فوق سورية، إلا انها رفضت طلب الملك حسين رفضا قاطعا، وقالت في هذا السياق ان تهديدات سورية بشن هجوم على إسرائيل يجعل من المستحيل تلبيتها لطلب الملك حسين. عقد لقاء آخر في 6 أغسطس (آب)، لكنه اقتصر بصورة رئيسية على قضايا اقتصادية، مثل تشجيع إسرائيل على الاستثمار في الاردن والتعاون الأردني ـ الإسرائيلي في استغلال الموارد المعدنية في البحر الميت، فضلا عن الإجراءات اللازمة لتخفيف مشكلة النقص في المساكن في العاصمة الأردنية والتنمية الزراعية في وادي الاردن. باختصار، لم تعد التسوية السلمية في جداول أعمال اللقاءات الثنائية على مستوى عال. التعنت الدبلوماسي الإسرائيلي والتهديدات العربية بشن حرب جعلت الملك حسين في وضع لا يحسد عليه. فهو لا يريد تكرار الخطأ الذي ارتكبه في حرب يونيو (حزيران) 1967 بالسماح للقادة العرب باستدراج بلده إلى حرب مع إسرائيل لم يكن على استعداد لخوضها. المشاركة في حرب أخرى كانت تتطلب منه بالضرورة الاتصال مع قادة دول المواجهة الأخرى، إلا أن مصر وسورية قطعتا علاقاتهما الدبلوماسية مع الأردن. وفي مطلع ديسمبر (كانون الأول) 1972 أرسل الملك حسين زيد الرفاعي في مهمة سرية للقاء الرئيس أنور السادات في القاهرة، حيث استمر اجتماعهما لمدة ست ساعات، وكان السادات صريحا في ذلك اللقاء وقال مخاطبا الرفاعي: «أدرك انني لست طرزان. أعرف جيدا مقدراتي. أنا لا أجيد الحرب الخاطفة. الإسرائيليون يجيدون الحرب الخاطفة. سأخوض حربا بهدف إعادة تنشيط الوضع السياسي وليس التحرير العسكري. سأشن حربا محدودة أعبر فيها قناة السويس واؤمن فيها موقعا محصنا وأتوقف، ثم أطلب من مجلس الأمن المناشدة بوقف إطلاق النار. هذه الإستراتيجية ستضمن لي انتصارا وتقلل الخسائر وتؤدي إلى تنشيط عملية السلام مجددا».
أشار الرفاعي خلال الاجتماع إلى مخاطر تلك الإستراتيجية، إلا ان حديثه لم يكن مقنعا. ومن الناحية الأخرى، رحب السادات باقتراح الرفاعي زيارة للملك حسين إلى القاهرة للقائه ووضع شروطا لذلك، لكنه عاد وتغاضى عنها ووجه الدعوة إلى الملك حسين لزيارة القاهرة والمشاركة معه والرئيس السوري حافظ الأسد في قمة مصرية ـ سورية ـ أردنية لمدة ثلاثة أيام في القاهرة تبدأ في 10 سبتمبر (أيلول) 1973. تضمن جدول أعمال تلك القمة تسوية الخلافات بين الدول الثلاث وتنسيق إستراتيجيتها العسكرية ـ السياسية وإعادة العلاقات الدبلوماسية. أقر الملك حسين بأن إسرائيل إذا رفضت الانسحاب من الأراضي المحتلة، فإن ذلك لا يترك للعرب خيارا سوى تحريرها من خلال العمل العسكري، لكنه شدد على ان الحرب تتطلب استعدادا كافيا وتأييدا من جانب الدول العربية المنتجة للنفط. وعلق السادات من جانبه قائلا: ان دول المواجهة وحدها هي المسؤولة عن تحرير أراضيها. وضع السادات بعد ذلك موضوع الحرب جانبا وطرح مسألة منظمة التحرير الفلسطينية ولمح إلى أن الأردن يجب أن يسمح بعودة المنظمات الفلسطينية كمقابل لإعادة العلاقات الدبلوماسية. رفض الملك حسين بشدة وهدد بمغادرة القاهرة، وتراجع السادات ووافق على إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الاردن فورا. تظاهر الأسد بأنه في حاجة إلى التشاور مع زملائه، وبعد بضعة أيام أعلنت سورية إعادة العلاقات الرسمية مع الاردن. وهكذا بدت القمة في نظر الملك حسين بمثابة انتصار، فالحرب نوقشت كخيار محتمل ولكن فقط بعد إجراء الاستعدادت اللازمة، وكل ما كان متوقعا من الأردن هو ان تردع أي هجمات إسرائيلية على الخطوط الخلفية للقوات السورية عبر الأردن. أعيدت العلاقات الدبلوماسية مع الاردن، ولم يخضع الملك حسين لشروط السادات. لم يدرك الملك حسين خلال ذلك الوقت ان أنور السادات وحافظ الأسد عقدا خلال وجوده في القاهرة إبان تلك الزيارة اجتماعا سريا لوضع اللمسات الأخيرة لخطة حرب مشتركة ضد إسرائيل. وما لم يدركه الأسد هو ان السادات كانت لديه خطته الخاصة للحرب. وبعد انتهاء الحرب قال الأسد لزيد الرفاعي ان السادات خدعه. فالزعيمان وافقا على شن حرب لتحرير الأراضي المحتلة، إلا ان السادات كان يخطط لحرب محدودة بغرض إعادة تنشيط العملية السياسية. وطبقا للخطة المشتركة، من المفترض ان يدخل الجيش السوري المعركة لتحرير كل مرتفعات الجولان، فيما كانت خطة السادات للحرب تهدف إلى عبور قناة السويس والتوقف، بدلا من شن هجوم على الجيش الإسرائيلي في سيناء والتقدم باتجاه ممري الجدي ومتلا. وفي وقت لاحق قال الأسد إن الخطة المصرية مكّنت إسرائيل من تركيز كل قوتها ضد سورية. تأكيدات الملك حسين على عدم إبلاغه خلال قمة القاهرة بخطة الحرب يدعمها ما جاء في مذكرات أبو إياد (صلاح خلف). فقد أورد أبو إياد في مذكراته ان ياسر عرفات وفاروق القدومي عرفا من السادات في 9 سبتمبر (أيلول) 1973 بشأن الحرب الوشيكة ضد إسرائيل، فيما لم يبلغ الملك حسين، الذي وصل إلى القاهرة في 10 سبتمبر، أي شيء بشأن هذه الحرب. فقد أكد لهما السادات انه لا يعتزم أن ينبس ببنت شفة للملك حسين بشأن الحرب. وقال السادات ان الغرض الأساسي لتلك القمة، التي جمعت السادات والأسد والملك حسين، هو إعادة العلاقات مع الاردن بغرض إيجاد الظروف المناسبة على «الجبهة الشرقية» خلال الحرب المقبلة. اجتماع الملك حسين السري التالي مع غولدا مائير انعقد بتل أبيب في 25 سبتمبر 1973، وبعد أقل من ثلاثة أسابيع شنت كل من مصر وإسرائيل هجوما منسقا بعناية ضد الجيش الإسرائيلي في سيناء ومرتفعات الجولان. التقارب في التواريخ بين قمة القاهرة بين الملك حسين والسادات الأسد ولقاء الملك حسين مع غولدا مائير، ثم اندلاع حرب أكتوبر، أثار الكثير من الشكوك في أن الملك حسين توجه للقاء غولدا مائير لتبليغها تحذيرا مسبقا من هجوم مصري ـ سوري وشيك. هذه الادعاءات جعلت من لقاء الملك حسين مع الجانب الإسرائيلي في 25 سبتمبر الأكثر إثارة للجدل أكثر من أي من لقاءاته المتعددة الأخرى مع القادة الإسرائيليين. كان الملك حسين ينفى عادة هذه اللقاءات، لكنه إذا تعرض إلى ضغوط فلربما قال ان تلك الاتصالات المباشرة كانت ضرورية من اجل الدفاع عن بلده، وان لم يحدث ان تخلى عن شبر من الأراضي العربية لإسرائيل. من الناحية الأخرى، إذا كشف الملك حسين النقاب للإسرائيليين عن خطط العرب السرية للحرب، ربما أصبح خائنا للقضية العربية، لذا لا بد ان يكون هناك تحليل بعناية لذلك اللقاء الذي سبق حرب أكتوبر. فقد جرى ترتيب اللقاء قبل فترة وجيزة من انعقاده بناء على طلب من الملك حسين في 23 سبتمبر. المشاركون الرئيسيون في اللقاء كانوا الملك حسين وزيد الرفاعي، الذي أصبح رئيسا للحكومة في مايو (أيار) 1973، والجنرال فتحي أبو طالب، مدير الاستخبارات العسكرية الأردنية، ومن الجانب الإسرائيلي غولدا مائير وموردخاي غازيت، المدير العام لمكتب رئيس الوزراء. قاد الملك حسين مروحيته الخاصة من منزله في الشونة وهبط بها في الجانب الإسرائيلي من البحر الميت على مقربة من منطقة كهوف قمران. وأقلت مروحية تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي الملك حسين ومرافقيه إلى أطراف تل أبيب، حيث استقلوا سيارات تابعة لجهاز الأمن العام (الشاباك) لاستكمال بقية الرحلة. جرى الاجتماع في المقر الرئيسي للموساد في هيرتسيليا شمال تل أبيب. اجتماع الملك حسين والرفاعي وغولدا مائير وغازيت جرى تصويره سرا، وتم بثه عبر دائرة تلفزيونية مغلقة إلى غرفة أخرى في المبنى كان بها السكرتير العسكري لغولدا مائير وثلاثة من كبار ضباط الاستخبارات. وفي ذلك الوقت اجتمع الجنرال فتحي أبو طالب في غرفة أخرى مع الكولونيل أهارون لافران من الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وزافي زامير مدير الموساد. استهل الملك حسين الاجتماع بوصف لاجتماع قمة القاهرة من 10 إلى 12 سبتمبر مع السادات والأسد، وأثنى بصورة عامة خلال حديثه على تهذيب ولطف السادات، لكنه كان متحفظا في حديثه عن الأسد. وأكد الملك حسين ان الأسد والسادات على حد سواء ليسا على استعداد لاستمرار حالة اللاحرب واللاسلم، وأضاف انه يشاركهما الرأي في هذا الجانب، لكنه أعرب عن أمله في منع اندلاع الحرب. وفي هذا السياق قال الملك حسين ان السادات والأسد طلبا معرفة رأيه تجاه تشيط الجبهة الشرقية، ورد عليهما قائلا: «دعوني وشأني».
سألت غولدا مائير الملك حسين حول نيته السماح بعودة الفدائيين إلى الاردن، ورد قائلا انه يعتزم السماح لمنظمة التحرير الفلسطينية وتنظيمات أخرى للفدائيين بفتح مكاتب في الاردن، لكنه أكد انه لن يسمح لهم بالقيام بعمليات عسكرية أو إرهابية انطلاقا من أراضي الاردن. عقب انتهاء الحديث حول هذا الجانب انتقلت غولدا مائير في حديثها مع الملك حسين إلى مناقشة الأسلحة السوفياتية التي بدأت تتدفق إلى مصر وسورية. في تلك النقطة تحدث الملك حسين بصورة أكثر تحديدا: الملك حسين: تلقينا معلومات من مصدر حساس جدا جدا في سورية سبق ان تلقينا منه معلومات وأرسلناها في السابق، ان كل الوحدات التي كان من المفترض ان تكون في عمليات تدريب ومستعدة للمشاركة في هذا العمل العسكري السوري، خلال اليومين السابقين تقريبا، باتت الآن في وضع يسمح لها بالهجوم مجددا. كان من المفترض ان يكون ذلك جزءا من الخطة، باستثناء تعديلات ثانوية ـ من المفترض أيضا ان تكون الفرقة الثالثة مسؤولة عن أي تحرك إسرائيلي محتمل عبر الأردن. يتضمن ذلك طائراتهم وصواريخهم وكل شيء آخر في الجبهة، خلال هذه المرحلة. كل ذلك أصبح الآن تحت غطاء التدريب لكنه يتماشى مع المعلومات التي تلقيناها في السابق. هذه هي أوضاع ما قبل الانقضاض، وكل الوحدات الآن في هذا الوضع. بصرف النظر عما إذا كان ذلك يعني أي شيء، لا أحد يعلم ما يجري. ولكن لدي شكوكي. عموما، ليس هناك تأكيد لأي شيء. يجب ان نأخذ هذه الأشياء كحقائق. غولدا مائير: هل يمكن ان يفهم من ذلك ان السوريين يمكن ان يشرعوا في أي شيء من دون تعاون كامل مع المصريين؟ الملك حسين: لا اعتقد ذلك. اعتقد انهما سيتعاونان. بصرف النظر عما إذا يمكن اعتبار ما قاله الملك حسين تحذيرا من اندلاع حرب، فإن ما أدلى به كان موضع جدل في الجانب الإسرائيلي. فالملك حسين لم يتحدث عن خطة حرب عربية، وإنما تحدث حول الوضع على الجبهة السورية، وأشار إلى مصر فقط في سياق الرد على أسئلة طرحت عليه من الجانب الإسرائيلي. لم يقل ان مصر كانت تخطط لشن هجوم على إسرائيل، لكنه أشار إلى ان سورية كانت على استعداد للهجوم من دون إجراء المزيد من الاستعدادات. منتقدو غولدا مائير في إسرائيل قالوا من جانبهم انه كان بوسعها توجيه أسئلة أكثر للملك حسين، إلا ان الملك حسين لم يكن في ذلك السياق أسير حرب تحت الاستجواب، بل كان رأس دولة صديقا جاء إلى إسرائيل بمبادرة منه لأنه كان يشعر بقلق، وأراد أن يطرح مخاوفه مع واحد من الأطراف ذات الصلة بالنزاع. يضاف إلى ذلك ان اتهام غولدا مائير بأنها لم تكترث بالتحذيرات التي عبر عنها الملك حسين كان اتهامات لا أساس لها من الصحة. فقد اتصلت فور انتهاء ذلك اللقاء بوزير الدفاع موشيه دايان في منزله وأبلغته بما سمعت من الملك حسين. كما ان دايان من جانبه عقد اجتماعين في اليوم التالي لتقييم المعلومات التي أدلى به الملك حسين، فضلا عن المعلومات التي كانت لديهم مسبقا. الملك حسين أكد من جانبه انه فوجئ تماما باندلاع الحرب وانه ابلغ باندلاعها عندما كان وزوجته الراحلة عالية على متن دراجة نارية في ضواحي عمان. وقال ان سيارة أمن ظهرت خلفهما وأشار سائقها له بالتوقف مستخدما الأضواء الأمامية للسيارة ليبلغه باندلاع الحرب. وأكد أيضا ان لا فكرة لديه مطلقا بحدوث عمل عسكري بذلك المستوى وفي ذلك الوقت بالذات. اما زيد الرفاعي، فقد أصر على استحالة ان يكون الملك حسين قد ابلغ الإسرائيليين بالحرب مسبقا، وذلك لثلاثة أسباب. أولا، لا يمكن ان يخون الملك حسين القضية العربية من أجل الإسرائيليين أو من أجل أي طرف آخر. ثانيا، وجهت الدعوة للملك حسين للمشاركة في قمة القاهرة مع السادات والأسد بغرض إعادة العلاقات الدبلوماسية وليس للمشاركة في التخطيط للحرب. ثالثا، نفى الرفاعي ان تكون لدى الاردن في ذلك الوقت معلومات تجهلها أجهزة الاستخبارات الأخرى. جاء الهجوم يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 مفاجئا تماما لإسرائيل، الأمر الذي ساعد العرب على تحقيق انتصارات عسكرية مؤثرة، خلال الأيام الأولى عقب اندلاع القتال. فالجيش المصري عبر قناة السويس واستولى على خط بار ـ ليف بمحاذاة القناة وتقدم عشرين كيلومترا داخل سيناء وألحق خسائر كبيرة في صفوف القوات الإسرائيلية وقواتها الجوية والمدرعة. كما شن الجيش السوري هجوما مدرعا مكثفا وفاعلا على مرتفعات الجولان. الأمر الرئيسي الذي كان يشغل ذهن الملك حسين عقب اندلاع الحرب كان حماية الاردن. إلا ان مستوى الاستعداد المتدني لقوات الدفاع الإسرائيلية، التي كانت تحتفظ بـ70 دبابة فقط متمركزة على طول الجبهة الشرقية، كان عاملا محفزا للأردن للانخراط في المعركة. إزاء ذلك انقسم مستشارو الملك حسين، فالرفاعي وعامر خماش، الرئيس السابق لهيئة الأركان، عارضا دخول الاردن الحرب، فيما رأى السكرتير الخاص للملك، وعدد من قادة الجيش ان على الاردن دخول الحرب. يضاف إلى ذلك ان عددا من أعضاء الحكومة كان يرى انه على الاردن الا يبقى خارج معركة يخوضها أشقاؤه العرب لتحرير الأراضي المحتلة. كان هناك تأييد شعبي عربي للمشاركة في ما وصفت بأنها معركة مصير، فقد طلب الملك فيصل من الملك حسين السماح للواء السعودي المرابط في الاردن بالانتقال إلى سورية. رفض الملك حسين في بداية الأمر، لكنه عاد وتراجع عن رفضه. منظمة التحرير الفلسطينية كانت تريد أيضا ان تكون جزءا من المعركة وبدأت الضغط على الملك حسين بهدف السماح لآلاف الفدائيين بالعبور من الاردن إلى داخل إسرائيل لتنفيذ عمليات تخريبية، إلا الملك حسين رفض ذلك الطلب وقال ان ذلك سيكون بمثابة فتح الاردن جبهة ثالثة ضد إسرائيل من داخل أراضيه. عند ذلك أجرى أبو إياد اتصالا بالسادات طالبا منه التدخل لمصلحة منظمة التحرير الفلسطينية، غير ان السادات كان يشك في دخول الملك حسين المعركة إلا إذا ضعف موقف إسرائيل تماما في الحرب على نحو يجعلها غير قادرة على تشكيل خطر على الأردن. كان الملك حسين يرغب في ان يفعل شيئا إلى جانب أشقائه العرب ويدعم جارته سورية ولكن من دون ان يترتب على ذلك هجوم إسرائيلي يستهدف الاردن. فكّر الملك حسين في إرسال لواء أردني مدرع إلى سورية، لكنه كان يريد أن تقبل إسرائيل ذلك أو تعطيه ضمانا على الأقل بعدم استخدام هذه الخطوة ذريعة لشن هجوم على الاردن. وفي هذا الشأن كتب كيسنجر في مذكراته: «لا يحدث إلا في الشرق الأوسط ان يطلب طرف في نزاع مسلح من خصمه الموافقة على المشاركة في حرب ضده».
أجاز مجلس الأمن في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 قراره رقم 338، مناشدا أطراف النزاع بوقف الحرب والشروع في مفاوضات مباشرة بهدف التوصل إلى تسوية للنزاع على أساس القرار 242. قبلت إسرائيل ومصر والأردن فورا، إلا ان سورية وافقت بعد ذلك بوقت قصير، بغرض إبداء احتجاجها على عدم التشاور معها. لم يكن الملك حسين موافقا فحسب، بل متلهفا للمشاركة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بهدف استعادة السيادة الأردنية على الضفة الغربية، لكنه خُذل من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. وقام كيسنجر بأول زيارة له إلى منطقة الشرق الأوسط للتمهيد لعقد مؤتمر دولي عقب تنفيذ وقف إطلاق النار، ووصل إلى عمان في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) في نهاية جولة له في عواصم دول المنطقة. استقبل الملك حسين كيسنجر وطرح له موقفه بصورة واضحة، ولخصه في ان الاردن الدولة العربية الأكثر تأثرا بالنزاع من ناحية الأراضي ومن الناحية السكانية أيضا، مؤكدا ان واجبه هو استعادة الضفة الغربية مع تعديلات طفيفة من الجانبين، كما أكد الملك حسين لكيسنجر أيضا انه لا يستطيع التخلي عن مسؤوليته عن الأجزاء الخاصة بالمسلمين والمسيحيين في القدس. وكان كيسنجر قد أعرب عن أسفه، حسبما جاء في مذكراته، في ان يكون «أفضل الأصدقاء العرب للولايات المتحدة في تلك المرحلة على هامش عملية السلام»، إلا ان خطوات كيسنجر تشير إلى انه كان يتعامل بوجهين، فقد كان متواطئا مع مصر وإسرائيل بهدف تهميش الأردن. كان الملك حسين يشعر بقلق واضح إزاء احتمال إهمال مصالحه في المسألة الفلسطينية خلال عملية السلام التي كانت تهيمن عليها الولايات المتحدة. إلا ان كيسنجر أبلغه بأن أفضل السبل لحماية هذه المصالح ان يصبح الاردن عضوا مؤسسا في «مؤتمر جنيف للسلام»، ذلك ان هذه الخطوة كانت ستجعله متحدثا باسم الفلسطينيين، على حد اقتراح كيسنجر. وافق الملك حسين على المشاركة في المؤتمر، على أمل ان يؤدي إلى تسوية شاملة للنزاع على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338. وكان غرض كيسنجر ينحصر على وجه التحديد في استمرار وقف إطلاق النار والفصل بين القوات وتمكين مصر وإسرائيل من التوصل إلى تسوية ثنائية. كان يدرك كيسنجر جيدا ان مشاركة الاردن تستوجب التفاوض حول الضفة الغربية والقدس، عاجلا أو آجلا، وهما قضيتان كان كيسنجر يعمل على تفاديهما. افتتح المؤتمر في جنيف في 21 ديسمبر (كانون الأول) بصورة رسمية، تحت رعاية الأمم المتحدة وبمشاركة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وترأس جلسة الافتتاح كورت فالدهايم، الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك. قبلت إسرائيل ومصر والأردن الدعوة للمؤتمر، إلا ان الرئيس السوري حافظ الأسد رفض مشاركة بلاده، لأن المؤتمر لم يهدف، على حد رأي سورية، بصورة واضحة إلى حمل إسرائيل على الانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة. كما ان إسرائيل رفضت مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية. ومثل الاردن في المؤتمر زيد الرفاعي، الذي أصر في الجلسة الافتتاحية على انسحاب إسرائيل الكامل من كل الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، مؤكدا ان غياب سورية عن المؤتمر لا ينتقص بأية حال من حقها في مطالبة إسرائيل بالانسحاب من مرتفعات الجولان، كما أعلن أمام المؤتمر ان «مسألة الانسحاب والحدود وحقوق الفلسطينيين واللاجئين وواجبات السلام ووضع القدس، جميعها قضايا واهتمامات مشتركة ومسؤولية جماعية». رفض وزير الخارجية المصري، إسماعيل فهمي، التنسيق مع الرفاعي قبل بدء المؤتمر، ولم يتبادل معه كلمة واحدة خلال المؤتمر. كما أشار خلال حديثه الافتتاحي إلى الضفة الغربية كأرض فلسطينية، الأمر الذي كان يعني ضمنيا نفي حق الاردن في تمثيل الفلسطينيين. اما أبا ايبان، فقد أكد خلال حديثه أمام المؤتمر ان إسرائيل لن تعود إلى أراضي ما قبل حرب يونيو (حزيران) 1967، مؤكدا ان القدس هي العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل. واقترح كيسنجر تشكيل مجموعة عمل عسكرية مصرية ـ إسرائيلية لمناقشة الفصل بين القوات، إلا ان الرفاعي اعترض وقال، الغرض من عقد المؤتمر هو تطبيق قرارات مجلس الأمن والتوصل إلى تسوية شاملة. ورد كيسنجر من جانبه قائلا، ان السلام الشامل لا يمكن تحقيقه فورا وإنما فقط كنتيجة لسلسلة من الخطوات، الأمر الذي أتاح الفرصة أمام الرفاعي لاقتراح تشكيل مجموعة عمل أردنية ـ إسرائيلية لمناقشة الفصل بين القوات في الجبهتين. وعارض ابا ايبان ذلك المقترح، بحجة ان القوات ليست في حالة اشتباك وان انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية قضية من الممكن مناقشتها فقط في إطار تسوية شاملة واتفاق سلام. بدأ الرفاعي يتشكك في أن الغرض الأساسي من وراء مؤتمر جنيف للسلام، هو توفير الغطاء الدبلوماسي اللازم للتوصل إلى اتفاق مصري ـ إسرائيلي. وأكد هذه الشكوك، بعد مضي حوالي 15 عاما، بيتر رودمان، وهو مسؤول أميركي رافق كيسنجر إلى المؤتمر. فقد قال رودمان ان الغرض من مؤتمر جنيف كان التوصل إلى اتفاق لفصل القوات بين إسرائيل ومصر، وأوضح أيضا ان الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل توصلت إلى اتفاق سري قبل انعقاد المؤتمر. حتى قبل هذا الاعتراف كان الملك حسين قد توصل في ذلك الوقت، بناء إلى النتائج التي توصل إليها المؤتمر، إلى انه لم يكن سوى تمثيلية لإضفاء شرعية على اتفاق منفصل بين مصر وإسرائيل وتمهيد الطريق للتوصل إليه. ويمكن القول بصورة عامة ان مؤتمر جنيف للسلام لم يكن مؤتمرا دوليا كما ينبغي، بل خدعة. الجلسة الافتتاحية له كانت في واقع الأمر آخر جلساته. اما الاردن، فقد خرج منه خالي الوفاض. بدأ كيسنجر عقب إرجاء أعمال المؤتمر، ما بات يعرف بـ«دبلوماسيته المكوكية». وكانت أولى ثمرات هذه التحركات توقيع اتفاق بين مصر وإسرائيل في 18 يناير (كانون الثاني) 1974 للفصل بين القوات. وكان الهدف التالي لكيسنجر التوصل إلى اتفاق مماثل بين إسرائيل سورية، إلا انه في نفس الوقت كان عليه التوقف في الاردن. وبالفعل وجه الملك حسين الدعوة إلى كيسنجر لزيارته في العقبة. وكان في استقبال كيسنجر والوفد المرافق له كل من الملك حسين وولي العهد الأمير حسن، ورئيس الوزراء زيد الرفاعي، ورئيس هيئة الأركان الجنرال زيد بن شاكر. وعبّر الجانب الأردني عن ارتياحه إزاء التوصل إلى اتفاق الفصل بين القوات، الذي وصفه الملك حسين بأنه انجاز هائل. الجانب الأردني كان يعلم ان سورية هي الوجهة المقبلة لكيسنجر بعد مصر، بهدف التوصل إلى اتفاق مماثل للاتفاق الذي ابرم مع السادات حول الفصل بين القوات. إلا ان الاردن كان يرغب في ان تكون هناك مناقشات حول انسحاب مبدئي من الضفة الغربية على غرار الإجراءات التي رتبت في ما يتعلق بالوضع بين مصر وإسرائيل. وكان هاجس الاردن يتركز في احتمال ان تحرمها الدول العربية من حق استعادة الأراضي التي استولت عليها إسرائيل في حرب يونيو 1967. وفي واقع الأمر كان الاردن قد عبر عن معاناته من كابوسين في ما يتعلق بالضفة الغربية، هما احتمال استمرار الاحتلال الإسرائيلي إلى أجل غير مسمى، أو قيام دولة لمنظمة التحرير الفلسطينية يكون أول هدف لها المملكة الهاشمية، إلا كيسنجر زعم للجانب الأردني انه متعاطف معه وانه يوافق الملك حسين في تقييمه الاستراتيجي. وقال للملك حسين: «إما ان تتعامل إسرائيل مع ياسر عرفات، أو تتعامل مع جلالتكم. إذا كنت في محل رئيس الحكومة الإسرائيلية، سأسارع إلى التفاوض مع جلالتكم لأن ذلك يمثل أفضل ضمانة ضد عرفات».
إلا ان النظر في البدائل لم يحدث تقدما في الأمور، لأن إسرائيل ليست راغبة في أي من البديلين.
وهكذا، لم يكن لقاء العقبة سوى تكرار لما حدث في زيارة كيسنجر السابقة في نوفمبر (تشرين الثاني). فقد سبق ان عرض على القادة الإسرائيليين مقترح الرفاعي بانسحاب إسرائيلي من مدينة أريحا، التي تقطنها غالبية عربية وتقع على مقربة من نهر الاردن، فضلا عن كونها رمزا لمطالبة الملك حسين بالضفة الغربية، والتأكيد على وضعه كمحاور رئيسي لإسرائيل في مفاوضات الضفة الغربية. إلا ان المقترح رفض من الجانب الإسرائيلي، على أساس انه يتعارض مع «خطة آلون»، التي يعتبر وادي الاردن بموجبها حدودا أمنية لإسرائيل.
طرح الملك حسين في لقاء العقبة خطة أخرى للفصل بين القوات، تتراجع بموجبها القوات العسكرية الأردنية والإسرائيلية مسافة ثماني كيلومترات من نهر الاردن باتجاه سلسلة الجبال عند وادي الاردن، مع إقامة إدارة مدنية أردنية في المنطقة التي ستخليها إسرائيل، خصوصا في مدينة أريحا. وجاء ضمن مقترح الملك حسين أيضا تشكيل مجموعة عمل في أسرع فرصة ممكنة، لتثبيت مطلب الأردن بتمثيل الفلسطينيين. ورد كيسنجر على الملك حسين قائلا، انه سيطرح المقترح على الجانب الإسرائيلي خلال الأسابيع المقبلة. ووصف كيسنجر نهج الملك حسين بالاعتدال، لكنه لم تكن هناك جدوى من ورائه في ذلك الوقت الذي كان يتشكل خلاله ائتلاف حاكم جديد في إسرائيل، بمشاركة حزب يعارض أي تغيير في أراضي الضفة الغربية. على الرغم من ذلك واصل الملك حسين مساعيه للمشاركة في المساعي والجهود الدبلوماسية. إلا ان إحجام كيسنجر عن إشراك الملك حسين في دبلوماسيته التدريجية تلك، أجبرت الملك حسين على تجديد الاتصالات المباشرة بإسرائيل. ففي أوائل عام 1974 أجرى الملك حسين اجتماعين مع غولدا مائير، التي كانت في ذلك الوقت تواجه عاصفة من الانتقادات على الصعيد المحلي، بسبب فشلها في معرفة الهجوم العربي قبل وقوعه في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973. اكتسب الرفاعي من خلال تلك التطورات والأحداث تجربة كبيرة في الدبلوماسية الدولية والإقليمية. وكان هناك تقسيم للعمل بين العاهل الأردني ورئيس وزرائه، على أساس ان الملك حسين هو الذي يحدد الخطوط العريضة، فيما كان رئيس وزرائه الرفاعي، مسؤولا عن تنفيذها وعن التعامل مع التفاصيل وتبديد أي نوع من الالتباس والغموض. كما كان أيضا يدوّن الملاحظات خلال النقاش ويعد سجلا بما دار خلال اللقاء. كان الملك حسين يتسم باللطف والتهذيب والهدوء، مع براعة واضحة في إشاعة جو من اللطف في المفاوضات، فيما كان الرفاعي سياسيا براغماتيا ولاذعا ومفاوضا صارما ومدافعا بقوة عن مصالح الاردن. توجه الملك حسين وزيد الرفاعي في 26 يناير (كانون الثاني) 1974 إلى لقاء غولدا مائير ودايان وغازيت في صحراء أرافا، على الحدود بين الدولتين، داخل مقطورة مكيفة الهواء. بدا واضحا ان الطرفين كانا يريدان تحقيق تقدم للتوصل إلى اتفاق لفصل القوات، إلا ان آراءهما كانت متضاربة بشأن طبيعة ومستوى الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية. كان الطرف الإسرائيلي يفكر انطلاقا من فصل محدود للقوات، فيما طالب الجانب الأردني بفصل للقوات على كامل الجبهة. كانت غولدا مائير تفضل ان تكون العملية تدريجية، وعرضت إعادة مدينة أريحا للحكم الأردني، بالإضافة إلى المناطق المأهولة بالسكان العرب وسط الضفة الغربية. وعلى الرغم ان ذلك كان عرضا متواضعا، فقد أكدت غولدا مائير على ان تلك الخطوة بداية فقط وليس نهاية العملية. إلا ان الملك حسين طالب بأن تخلي إسرائيل شريطا من الأرض بمحاذاة نهر الأردن، وكان ذلك يتطلب تفكيك إسرائيل بعض المستوطنات. ونظر الملك حسين إلى عرض غولدا مائير كونه صورة جديدة لخطة قديمة (خطة آلون) سبق ان رفضها مكررا، ووصفها بأنها «غير مقبولة تماما». وجاء طلب الملك حسين انطلاقا من ان أي تراجع إسرائيلي على طول خط وقف إطلاق النار سيعطي الفلسطينيين أملا في المستقبل ويعيد ثقتهم في الاردن. وجرى الحوار التالي بين غولدا مائير والملك حسين ودايان والرفاعي: الملك حسين: اذا وافقتكم من حيث المبدأ على اقتراحي بانسحاب إسرائيلي من نهر الاردن إلى مسافة 15 كيلومترا، على نحو يسمح لي بإقامة إدارة مدنية أردنية، فإن ذلك سيمكننا من المضي على مراحل في التطبيق. سيساعدنا ذلك على إبعاد الفلسطينيين من منظمة التحرير الفلسطينية. غولدا مائير: من الممكن إيجاد سبل أخرى لفصل قواتنا من خلال ممر يربطكم بالسكان الفلسطينيين. الملك حسين: نرفض ان يتم حصرنا في ممر ضيق في الضفة الغربية، ولن يكون هناك تقدم من دون الانسحاب من وادي الاردن. دايان: هل يعني ذلك انه يجب على قوات الدفاع الإسرائيلية الانسحاب من كامل وادي الاردن؟
الرفاعي: نعم، بالتأكيد. لكننا لن نضع قوات من الجيش الأردني هناك. دايان: وماذا عن المستوطنات اليهودية في وادي الاردن؟ الرفاعي: يجب إزالتها تماما. دايان: إذا كان الأمر كذلك، أين ستكون حدودكم النهائية؟ الرفاعي: مطابقة لخطوط 1967. نحن على استعداد لتحقيق ذلك بصورة تدريجية.
تواصل الحوار، لكنه لم ينجح في تفادي التوصل إلى طريق مسدود. دايان كان مصرا بعناد على الإبقاء على المستوطنات اليهودية والقواعد العسكرية في وادي الأردن، وأضافت غولدا مائير من جانبها قائلة: ان الحصول من الكنيست حتى على مجرد الممر سيكون أمرا صعبا. ولم يكن الرفاعي أقل إصرارا إذ أكد على ان الانسحاب لا يمكن ان يبدأ بممر، كما أكد أيضا على ان «خطة آلون» اذا كانت هدف إسرائيل، فلن تكون هناك آفاق تسوية. انعقد لقاء آخر بين نفس المجموعة من الجانبين وفي نفس المكان في 7 مارس (آذار)، وطرح الملك حسين مجددا مطلبه بانسحاب إسرائيلي من على طول الجبهة بكاملها. وهنا أشارت غولدا مائير إلى ان اتفاق الفصل بين القوات مع مصر لم يكن في كامل قناة السويس وإنما على جزء منها فقط. وكشف رد الملك حسين على هذه النقطة عن إحباطه بصورة واضحة عندما قال: «هل كان يجب علي ان أحاربكم في أكتوبر كي أقنعكم بالفصل بين القوات على كامل الحدود؟ لم يحرز النقاش أي تقدم: الملك حسين: اذا اُمكن التوصل إلى سلام، فإننا سنستطيع منع الإرهاب، ولكن ما دمتم ترفضون مقترحاتنا، فإن الفلسطينيين سيصبحون أكثر قوة. غولدا مائير: ماذا اذا أراد الفلسطينيون في الضفة الغربية إقامة دولة فلسطينية مستقلة؟ الملك حسين: سيكون ذلك حسنا. هذه الدولة ستكون مثل الساندويتش بيننا وبينكم، وليس هناك ما يثير الخوف. دايان: هل يمكن ان تستمر المواقع المحصنة والمستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية؟ الملك حسين: من الصعب علينا قبول ذلك. واصل دايان الضغط للإبقاء على الوجود الإسرائيلي في وادي الاردن، إلا ان الرفاعي رفض تلك الفكرة بصورة أكثر حدة من الملك حسين. وهدد دايان أيضا بسؤال القادة الفلسطينيين في الضفة الغربية حول ما اذا كانوا سيوافقون على الوجود الإسرائيلي لقاء مقابل مالي مناسب. ورفض الرفاعي الفكرة بتأكيده بثقة ان القادة الفلسطينيين لن يوافقوا على ذلك. قال دايان عند ذلك ان هناك خيارين، فإما ان تعمل إسرائيل جاهدة على التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين في الضفة الغربية، أو ان يوافق الاردن على إجراء تعديلات كبيرة على الحدود. هناك تدخل الرفاعي بسرعة قائلا: ان ترتيب اللقاء جرى أصلا لمناقشة الفصل بين القوات.
انتهى ذلك الاجتماع من دون التوصل إلى اتفاق، وعلى حد تعليق الملك حسين، عاد الجميع إلى المربع الأول. وفي 10 ابريل (نيسان) تقدمت غولدا مائير باستقالتها، غداة نشر تقرير لجنة أغرانات، واختار حزب العمل اسحاق رابين لخلاقة غولدا مائير، وبذلك يكون فصل طويل في العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية قد انتهى. الحكومة التي شكلها رابين وقدمها إلى الكنيست في 3 يونيو (حزيران) 1974 كانت تعاني من الضعف والانقسام. فقد أصبح آلون وزيرا للدفاع وشيمعون بيريس وزيرا للخارجية. وكان لدى ثلاثتهم أولويات مختلفة. رابين كان يفضل إجراء مفاوضات مع مصر، فيما آلون كان صاحب توجه مؤيد للمفاوضات مع للأردن، وكان بيريس يفضل التوصل إلى اتفاق مع القادة الفلسطينيين في الضفة الغربية. على الرغم من ان رابين في ذلك الوقت لم يكن على استعداد للتوصل إلى اتفاق حول الضفة الغربية، فإنه ثمّن الاتصال بالملك حسين. فخلال فترة ثلاث سنوات ترأس خلالها الحكومة الإسرائيلية، عقد رابين، برفقة آلون وبيريس، ستة اجتماعات مع الملك حسين جميعها في (أراض إسرائيلية)، واحد في تل أبيب والبقية في وادي عربة. وكان لدى الجانب الإسرائيلي أربعة أهداف محددة خلال تلك اللقاءات: استكشاف التوصل إلى اتفاق مع الاردن وحل المشاكل الصغيرة التي كانت تؤثر على العلاقات بين البلدين وترقية التعاون الاقتصادي بينهما وتنسيق السياسة تجاه الضفة الغربية والمنظمات الفلسطينية. الاردن تقدم من جانبه باقتراحين خلال المناقشات التي جرت في تلك اللقاءات: التوصل إلى اتفاق مؤقت يتضمن انسحابا إسرائيليا من على طول نهر الأردن والتوصل إلى اتفاق سلام شامل مقابل انسحاب إسرائيلي كامل. عقد الاجتماع الأول بين الجانبين في 28 أغسطس (آب) والثاني في 19 أكتوبر (تشرين الثاني) 1974، وكان قد تقرر مسبقا عقد قمة عربية في الرباط في نهاية نفس الشهر. خلال تلك الفترة شهد العالم العربي تأييدا متزايدا لإحلال منظمة التحرير الفلسطينية محل الاردن كممثل للشعب الفلسطيني، وبات الملك حسين في ذلك الوقت أكثر تلهفا من أي وقت مضى للتوصل إلى اتفاق لفصل القوات يساعده على تعزيز موقفه ومد نفوذه إلى الضفة الغربية. فبدون التوصل إلى اتفاق كان سيواجه خطر مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في القمة المرتقبة ممثلا للشعب الفلسطيني بدلا من الاردن، إلا ان رابين، الذي أتى بالحزب الوطني الديني في الحكومة الإسرائيلية، لم يكن على استعداد للتخلي عن أريحا، خشية انهيار ائتلافه الهش. لم يكن رابين راغبا في تحقيق أي تقدم مع الملك حسين في هذا الجانب، ذلك ان أي تنازل عن الأراضي لا يعني سوى انسحاب الحزب الوطني الديني من الائتلاف أو الدعوة لعقد انتخابات جديدة. وكان يعتقد بصورة عامة ان فرص التوصل إلى اتفاق ثان مع مصر أفضل بكثير من فرص التوصل إلى اتفاق مع الملك حسين حول الضفة الغربية. انعقدت قمة الرباط في 26 أكتوبر بحضور زعماء الدول العربية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وطغى النزاع بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية على المناقشات. أكد الملك حسين في كلمته على المسؤولية التاريخية لبلده عن مصير الضفة الغربية وحدد مرحلتين للنضال المستقبلي، هما تحرير الأراضي المحتلة والتوصل إلى تسوية بشأن المشكلة الفلسطينية. وحث أيضا الدول المشاركة على دعم الأردن في مساعيه لاستعادة الضفة الغربية ووعد بمنح سكانها فرصة تقرير مستقبلهم بمجرد انسحاب إسرائيل. ياسر عرفات أكد من جانبه، خلال الكلمة التي ألقاها، على ضرورة ان تكون منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، سواء في استعادة الضفة الغربية أو تقرير مستقبلها. صوتت القمة لصالح المنظمة. وجاء قرار القمة مؤكدا ان المنظمة ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني مع التأكيد على حقه في إقامة سلطة وطنية مستقلة تقودها المنظمة. لم يكن أمام الملك حسين سوى الالتزام بقرار القمة حول التمثيل الفلسطيني، لكنه لم يكن يرغب في ان يدفع الثمن الشعب الفلسطيني، الذي يعاني اصلا من الاحتلال. لذا، أعلن أمام القمة ان الأردن سيواصل إدارته للضفة الغربية وسيواصل أيضا مساعدة ومساندة سكانها حتى التحرير، وقوبل حديثه ذاك بعاصفة من التصفيق من الزعماء العرب، لكنه على الرغم من ذلك اعتبر قمة الرباط هزيمة رئيسية له على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، وشعر بالخذلان من جانب إسرائيل والتخلي من جانب العرب المعتدلين والخيانة من جانب هنري كيسنجر.