آخر الأخبار

طيران الإنتحار

عندما كنت صغيرا,كنا نخرج من المدرسة في الواحدة و النصف لنجد ابو حامد بياع الغزلة في انتظارنا .. و كان ابو حامد لا يكتفي بالغزلة و غالبا ما كان يربط (كوشة) من البوالين الملونة في مقود( البسكليت) حيث كانت بوالينه تربو على الخمسين بالون و بمختلف الالوان ..
كان المشهد مسرحيا جميلا و ملونا , كل من عاشه يدرك لذته و مسببات سيلان اللعاب لمجرد رؤيته و نحن خارجين من ( سجن ) المدرسة الى اللعب و الفرح ..ولا زلت حتى الان اتساءل هل تكون المدرسة مدرسة و نحن نرقص و نصيح (هييييييييي) عندما يقرع الآذن جرس
نهاية الدوام ( لكن هذه حكاية اخرى لغير اليوم ) .
البوالين الملونة حكاية ... ازرق و احمر و اخضر و ابيض .. كنت اطلق العنان لمخيلتي لاتمناها تطير دفعة واحدة مع بعضها , تنطلق في السماء مع بعضها و كيفما اتفق .
مرة تعبت مخيلتي و وصلت الى حد تخيل ان البوالين طارت من ابوحامد هذه المرة و لكنها طارت مختلفة كل لون طار وحده , كان حلم يقظة مستحيل . كان حلما غريبا لا أعرف من أين أتاني .
كوشة ابو حامد تمر من حين الى آخر على بالي , تمر احيانا حبا بالالوان و ربما حبا بالطيران و الحرية .. و لكنها مرت منذ يومين اثناء التفكير بالطائفية ! .. نعم هذا ما حصل , فالبعض يعلن استعداده ربما للاقتناع بان كل لون ( طائفة ) يجب و يمكن ان يطير لوحده حسما لكل جدال و ايضا تحت بند ( الحرية ) و كم من جرائم تمت تحت بند الحرية ؟
ربما كان هؤلاء يرون في الحرية مجرد( الطيران من يد ابي حامد ) اما انا فلازلت أرى ان الطيران بهذه الطريقة للاعلى و كل لون بمفرده هو خسارة كل شيء و ربما هو الاستمتاع بطيران ( انتحاري ) و لمرة واحدة هؤلاء ربما رأوا الطيران المنفرد اجمل و هو يمثل حرية اللون في اختيار طريقه , اما انا فلا زلت ارى انها حرية اللون في اختيار .. الانتحار .
لقد سعدت حقيقة لمقالة كتبها عضو في حركة الاخوان المسلمين يقر فيها ان الطائفية ضد الاسلام و تخالف مفهوم الايمان الاسلامي نفسه . و هانحن نرى اذن كيف يقترب الاخوان المسلمون ( نظريا) بالتدريج الى مرحلة ينتقلون فيها من خطاب فئوي طائفي متعصب
ملأ منشوراتهم نهاية السبعينات و بداية الثمانينات الى مرحلة جيدة للغاية يقرون فيها بأن الطائفية كتفكير و ممارسة هي .... لا قرآنية .
لكن بينما يقطع الاخوان طريقهم ( الضروري ) نحو التكيف مع حاجات الوطن ربما وصولا حتى لقبول اعضاء غير مسلمين في حركتهم السياسية على اساس ان السياسي خادم الديني و ليس العكس و على اساس الاقتناع الضروري باننا نستطيع الفصل بين العمل السياسي الذي يجب النضال فيه تحت عناوين سياسية مثل ( الحرية و المساواة و العدل ) و كل هذه
تصلح لوحدها اسما لحزب سياسي , و العمل الديني الذي يمكن لجماعة ما ان تيقيه في حدود هي تختارها لاسباب تجمع بالتفكير اناسا بعينهم دون غيرهم . الفصل اذن بينهما يكون اكثر من ضروري لان القائد السياسي يجب ان يقود الجميع و يمثل الجميع , بينما
الداعية الديني يدعوا فقط من يوافق على دعوته .
لكن الملفت للنظر انه بينما يسير الاخوان نحو الامام , ترى اناسا يتركون مواقع التفكير الموضوعي و يمارسون نوعا من الطائفية ( الفرزية ) و اكبر دليل على ذلك للاسف جاء من اناس يمثلون تاريخيا مدارس فكرية تقدمية و قومية و نعني جماعة اعلان دمشق و المفارقة ان الاخوان وقعوا الاعلان ايضا
.
الطائفية مصيبتها انها لا تقف حتى عند حد الطائفة فهي تدمن التقطيع و التقسيم و تحول في مرحلة تالية الطائفة نفسها الى طوائف و الطويئفات الى عوائل و هكذا حتى لا يبقى الا التجمع حول الذات و التحالف مع
انانيتها و نمطية رفضها للآخر و لا بد لا بد ان ترفض الذات نفسها فيما بعد .
ان بالونات ابو حامد لن تطير متفرقة بل اذا طارت فستطير عل هيئة ( كوشة ملونة ) و الاحسن ربما ان لا تطير اذا كان المقصود من الطيران , طيران الانتحار لمرة واحدة و ليس طيران .... الحرية .