قصة الهندسة -الحلقة (18)
أما ثاني الطعنات التي تلقاها جوناس بولايي من "أمير الرياضيات" غوص...
فكانت حين قام جوناس بنشر مؤلفه الرياضي عن الهندسة اللاإقليدية، نشره بشكل "ملحق" لكتاب رياضيات تقليدي كان أبوه قد ألفه (و طبعا قيمة، و
عظمة، و عبقرية ذلك الملحق تتجاوز و بما لا يقاس قيمة الكتاب الذي ألحق به)...
فاركاس بولايي، و هو والد جوناس بولايي و صديق "أمير الرياضيات" غوص، كان يعرف مدى عبقرية ابنه جوناس، و منه فإنه أرسل هذا الكتاب لأمير الرياضيات إياه، غوص ما غيره، كي يقرأه و يبدي رأيه (و يجب أن يمدحه، طبعا!).
فماذا كان جواب غوص؟
لقد كتب غوص مخبرا فاركاس أنه، يعني غوص، كان قد وصل هو أيضا لمعظم هذه النتائج!!! (طبعا كتب غوص أيضا أن جوناس بولايي هو "عبقري من الدرجة الأولى"، لكن يا حسرة... هذه الجملة تعجز عن إصلاح ما تخربه الجملة السابقة).
طبعا ليس هناك أي مبرر للتشكيك بصدق غوص: هذا العالم كان يبلغ من العظمة و من اعتراف الجميع به أنه لم يكن بحاجة لأن "يدعي"... لكن
دعينا نتخيل رد فعل جوناس بولايي: هو بذل الجهد و الوقت و تمكن من حل معضلة رياضية عمرها ألفين و مزيد من السنين ثم عرض حله هذا على أعظم الرياضيين... فما كان من هذا الرياضي إلا أن أجابه، و بصفاقة يحسد عليها، أن لا قيمة لعمله و أنه كان قد سبق له و توصل لنفس النتائج!
و طبعا يمكننا أن نتخيل رد فعل جوناس إذ يقول: " إن كنت حقا قد توصلت لهذه النتائج قبلي، إذن لــِـمَ لــَـمْ تنشرها يا كاذب؟"
ببساطة... رسالة غوص، و نحن لا يمكن لنا أن نشكك بصدقها، كانت بمثابة طعنة في قلب جوناس بولايي...
و تتبعها طعنة أخرى أشد و ألعن...
بعد رسالة غوص إياها بدأت أوضاع جوناس -بما في ذلك أوضاعه الصحية- تسوء.
استقال من وظيفته (في الجيش) و عاد ليعيش في بيت أبيه لكن حصلت خلافات بينهما فغادر البيت، و من ثم التقى بفتاة أحبها و أحبته و أنجبا
أطفالا لكنه لم يتمكن من الزواج منها لأن "القانون" يشترط شروطا عدة للزواج (حكاية المقدم و المؤخر عندنا,كان هناك ما يماثلها في بلادهم )...
و هنا جاءته طعنة أخرى من قبل غوص...
أظن أنني سبق لي و ذكرت أن أحد أساتذة لوباتشيفسكي و هو مارتان بارتليس كان صديقا لغوص. و منه فحين بدأ لوباتشيفسكي يطور نظرياته الهندسية و حين وضعها في كتاب واضح، قام هذا الأستاذ، مارتان بارتليس، بما يتوجب على أي أستاذ أن يقوم به: لقد أرسل كتاب تلميذه (لوباتشيفسكي) لأعظم
علماء الرياضيات في ذلك الوقت، صديقه غوص. و بطبيعة الحال فإن غوص، و قد قرأ هذا الكتاب الرائع فإنه قام بما يجب عليه القيام به: لقد أرسله لجوناس كي يطلع عليه...
لكن أرجوأن تلاحظ ماذا يمكن أن يكون رد فعل جوناس!
جوناس كان يعتقد أنه أحد أعظم الرياضيين في التاريخ (و معه حق!!!!)، و هو كان يعتقد أنه وجد الحل لمسألة المسلمة الخامسة (و معه حق!!!!)، و
إذا به يفاجأ بكتاب كتبه روسي (همجي يعني) يأتينا من جامعة لم يسمع باسمها أي كان، جامعة "كازان"؟
ثم إن غوص نفسه كان قد سبق له و تعامل مع النتائج العبقرية لجوناس باحتقار... يعني لا شك أن هذا المدعو "لوباتشيفسكي" هو كائن خرافي لا وجود له و أن "كتابه" المزعوم هو مجرد نقل حقير قام به غوص بهدف مهاجمة العمل العبقري لجوناس...
هذا ما كان يظنه جوناس... و للأسف هو كان مخطئا (إلا في نقطة واحدة: اعتداده بنفسه و بعبقريته، و اعتقاده أنه أحد أعظم الرياضيين عبرالتاريخ، ففي هذه النقطة هو لم يخطئ أبدا)... ذلك أنني تحدثت سابقا عن الشكوك التي كانت تراود غوص.
هي شكوك عالم عظيم يرغب أن يوفق بين متناقضات لا هو قادر على حلها، و لا لوباتشيفسكي و لا جوناس بولايي تمكنا من طرح الحل الكامل لها! في الحقيقة، إن طرح الحل الكامل (بناء على أعمال لوباتشيفسكي... و الحل هو رسوماتي السابقة التي تمثل مستوى لوباتشيفسكي بشكل دائرة)، أقول:
طرح الحل الكامل حصل من قبل العالم الفرنسي هنري بوانكاريه في بداية القرن العشرين... يعني بعدهم بكثير...
و منه فإن غوص كان يحاول قصارى جهده أن يوافق بين أفكاره (العبقرية) و أفكار هذين الرياضيين العبقريين ا(بولايي و لوباتشيفسكي)...
و منه أخطاؤه تجاه هذا الشاب العبقري، جوناس بولايي، عبقري و لكن... حساس...
و أخيرا و كي لا نبخس غوص حقه (من ناحية الإنسانية)، فيليق بي أن أذكرأن غوص حين أرسل رسالته التي رد فيها على فاركاس بولايي معلقا على عمل ابنه فإنه كتب:
"ابنك هذا عبقري من الدرجة الأولى" هذا هو ما كتبه غوص... لكن للأسف هو لم يكن كافيا!
و أظن أنه حان الوقت كي نتحدث عن الأغلى و الأعلى: لوباتشيفسكي...