نادراً ما تخلف صالح الحويبي على مدار الثلاثين عاماً الماضية، عن تكريم شاربيه، والعناية بهما، فهو يرى أنهما «علامة عز». وتبدأ طقوس التكريم مع بزوغ الفجر، إذ يغسلهما، ويعطرهما بدهن العود أو المسك، كما يحرص على تمشيطهما. ويقول: «أعرف أشخاصاً يستعملون زيوتاً خاصة لتقوية شعرهما».
وإن كان صالح حريصاً على ممارسة هذه الطقوس في شكل شبه يومي، فإن هناك آخرين يقاسمونه الحرص ذاته، وإن بدرجات متفاوتة. في مقابل الشبان الذين لا يعيرون أي اهتمام بشواربهم، بل يصرون على التخلص منها، بحلاقتها. ويبدي الحويبي أسفه لعلاقة هؤلاء الشبان بشواربهم، واختفائها من وجوههم.
ويقول: «كان الشاربان دلالة على الرجولة والمكانة الاجتماعية، إذ يحظيان بتقدير خاص، وأصبحا مقترنين بأمثال شعبية كثيرة، تدل على القوة، ولعل أكثرها تداولاً «شارب يقف عليه النسر» للدلالة على كثافته وقوته، أو «دسم شوارب الرجاجيل»، للدلالة على التكريم والمنزلة الاجتماعية»، مضيفاً: «الشاربان هما أول ما يُنظر إليهما في الرجل، إذ يُعدان نقطة النظر عند الكثيرين، حتى انه كانت توجه نظرات ازدراء لحالقي الشوارب، تصل إلى حد الاستهجان والرفض». ويستدرك: «هذه النظرة لم تعد كما كانت، وقد تضاءلت خلال السنوات الخمس الماضية، فالجيل الجديد يبدو كأنه ينتقم من الشارب بصورة مباشرة».
ويعلل سالم السالم أهمية الشاربين بالنسبة للشكل الخارجي للرجل، وكيف تحول إلى ظاهرة: «أهميتها تنبع من كونهما دلالة على الرجولة. ولقد مرّا بمراحل عدة، فشهدنا أشكالاً كثيرة، بدأت بحجمهما الكبير، وخروجهما عن حدود الوجه، مع فتل طرفيه، ثم بدآ يقلان حجماً شيئاً فشيئاً، حتى كادا يصبحان في الوقت الحالي شيئاً من الذكرى عند الكثير من الشبان»، مضيفاً: «كنا نحتفل إذا بدأ شعر الشاربين يخرج، ونشعر بذلك كأفضل تغير في الجسم لأنه يدل على البلوغ، والاقتراب من النضج، وكنا ونحن صغار، نقوم بحيل كثيرة، من أبرزها توضيح الشاربين بالكحل، أو رماد النار، ودائماً ما كنا نشعر بالسعادة العارمة ونحن نرسمهما لاقترانهما في شكل مباشر بالرجولة».
وعلى ما يبدو أن نظـــرة الحــويبي والسالم، باتت من الماضي، لدى شبان اليوم، الذين تغيرت نظرتهم للشاربين، فوجودهما لدى البعض «لا يتماشى مع الموضة الحالية».
ويرى سامي سلمان أن «ربط الرجولة بالشاربين أمر خاطئ جداً، ولا أدري لماذا هذا التقديس لهما، مع العلم أننا سمعنا أحاديث تحث على تقصيرهما جداً، مثل «حفوا الشارب واطلقوا اللحى»، مضيفاً: «أنا أزيلهما كل ثلاثة أيام، وأعرف كثيرين يعمدون إلى حلاقة شواربهم، ليبقوا شباناً، ولا يتقدمون في العمر، والمحافظة على الحيوية والشباب أمر يطمح إليه الكثيرون».
ويعتقد سامي بأن «الفضائيات لعبت دوراً في هذا التغيير، لكن يجب أن نعترف أن الرجل بأفعاله ومواقفه، وليس بشاربيه، والزمن يتغير»، مستغرباً أن «كثيرين من الشباب تخلوا عن شواربهم، لكنهم عادوا وبقوة إلى إبقاء اللحى، وبأشكال مختلفة، لكن الأغرب أن نظرة المجتمع ما زالت في تصاعد حول من يزيل شاربيه، إذ يوصف بقلة الأخلاق، وإلى الآن، لم أعرف سبب ذلك، لكنني متيقن من أن هذه النظرة ستتغير مع مرور الأيام».
وظل الشاربان الطويلان أو الكثيفان ولزمن طويل في العالم رمزاً للفنانين والسياسيين والبوهيميين وأصحاب النفوذ وقادة الجيوش، إذ يوحيان بالحرية المطلقة، والعودة إلى نموذج الطبيعة والفطرة الآدمية، كما يوحيان أيضاً بالروح المنطلقة المحلقة في عالم الحرية.
ولم تعد الشوارب الطويلة حكراً على تلك الشخصيات البارزة في المجتمعات الأوروبية وغيرها، بل نظمت مؤسســات ومنظمات عالمية مســابقات دورية لهواة تربية الشوارب، وتـــحولت هذه الظاهرة إلى منافسة قوية ومســـابقة، يتـــفنن أصحابها في تربية شعر الوجه بأشكال غريبة ومضحكة.
وتنقسم الشوارب عالمياً إلى الطبيعي، والإنكليزي، وسلفادور دالي، والهنغاري، والإمبراطـــوري، واللافت في الأمر قيام منظمات ومؤســـسات مــناهضة لحلق الشوارب في بريطانيا، ينشط أعضاؤها من أجل حماية الشارب من التشـــذيب والقص، وتوفير دراسات في كيفية المحافظة عليه، وتقاطع وبـــشدة المســـابقات الدولية التي تقام باسم الشــوارب واللحى، بحجة أنها «تتعرض للتزيين، والتـــغيير، والتشذيب، وتحويلها إلى أشـــكال مختلفة تخالف الطبيعة، وتحذر من إقامة مثل هذه المسابقات».(الحياة)