آخر الأخبار

قراءة في مسرحية"مجرد نفايات "

بقول سعد الله ونوس " ... إن المسرح منذ نشأته كان سياسيا , وإن المسرح لا يدير ظهره للأحداث السياسية القائمة في مجتمعنا "
من هذه الفكرة انطلق الكاتب المسرحي العراقي قاسم مطرود في كتابة نصه المونودرامي ( مجرد نفايات ) والذي عرض في مهرجان المونودراما الرابع في اللاذقية بتاريخ 15 نيسان لعام 2008 وكان من إخراج الدكتور محمد إسماعيل الطائي وتمثيل الشاب وسام بربر والعرض قادم من العراق .
فقد أدرك الكاتب عبر تجربته الغنية أن الكتابة المسرحية تخضع دائما لتجارب عملية تحاكي الواقع عبر مواصفات تأملية للعملية المسرحية , والنص يؤكد أن ما طرحه يعتبر حوارا مفتوحا ومشروعا مستمرا طالما هناك حياة وهناك إنسان يحاكيها لأن النص يوضح الحالة المزرية التي وصل إليها الإنسان العربي الذي أقحم بمجموعة من الأحداث جعلته لا يعرف مصيره الذي سيلقاه , ولا ماذا سيفعل إزاء ما يفرض عليه وهو لا حول ولا قوة حين افتقد حريته , فقد التقى كل ما حوله تحت عباءة الغازي والقاتل , فوجد نفسه بلا تاريخ , فتاريخه أصبح نفايات , وهو أيضا مجر نفاية بعد أن تتالت الأحداث الغاضبة عليه وبدأ يمتد بداخله شعور بالإحباط وفقدان البوصلة حتى أرغم على قتل أخيه حين وضع بين خيارين إما أن يُقتل أو يقتل فاختار الحياة لأنه تحول هو إلى نفاية .
هكذا أراد أن يقول النص الذي كُتب بخبرة وتقانة أستاذ . لكن العرض جاء رتيبا رغم زخم أحداثه وسخونتها حيث دخل الممثل على الخشبة وبدأ يلقي اللغة المكتوبة بدون انفعالات وكأننا نتلقى محاضرة , وخاصة في النصف الأول من العرض فلم يستطع الممثل أن يعي أن الإيقاع الحركي له يجب أن ينشأ عن وجوده في الزمن لأن الإيقاع هو ما يترتب على الحركة أو أللفتة أو الإيماءة , فقد أفتقد الممثل مجمل إيقاعاته الذاتية وحتى تنفسه ولم يستطع أن ينظم نشاطه الحيوي على الخشبة ويدخل في متاهات الشخصية المدروسة بدقة عبر نصها لأن كل شخصية يؤديها الممثل لها إيقاعها الخاص الصادر عن ظروفها المتخيلة الخاصة . كما أن الظروف النفسية التي تعانيها الشخصية تفرض أيضا إيقاعها الذاتي , وهذا ما يجب أن يدركه مخرج العمل الذي غاب عن ذهنه بأن الإيقاع هو العمود الأساسي للفن المسرحي عموما وللمونودراما خصوصا , كما أن المخرج قد أفلت منه علاقة جسد الممثل بالنسبة للشخصية التي أداها في بعض الأحيان , وبما أن لغة المسرح هي لغة المجاز , يكون بمقدور الممثل أن يعيش حلما جسديا خاصا ليتمكن من دمج جسده داخل الرؤية البصرية المادية لعرض مجرد نفايات والذي يتطلب كل ما ذكرته حول تدريب الممثل الذي يفرض التوازي بين النص الذي تم كتابته بعناية وبين الممثل الذي تراه يرتجل فعله على الخشبة ارتجالا لحظويا , لكن في النصف الثاني من العرض استطاع الممثل أن يوصلنا إلى أهاب الشخصية التي اتضحت معالمها عبر الرؤية المشهدية والتي وضحت فيها سيطرة المخرج على أدوات العرض المسرحي وهذا ما أظهر أن هذا الممثل الشاب على ما يبدو صاحب تجربة بسيطة في المسرح عموما , وهي التجربة الأولى للتمثيل المونودرامي والذي يتطلب قوة شخصية للمثل ناهيك عن الشخصية التي يمسرحها إضافة إلى الخبرة التي تهيئ الممثل ليتصدى لهكذا نصوص , إذا أقنعنا الممثل وسام بربر في النصف الثاني من العرض وقد يكون له ظرفه الخاص الذي وضعه فجأة بمهرجان فيه ممثلين كبار مثل الدكتورة خديجة غانم والمخرج المسرحي ماهر صليبي والدكتور محمد بصل والفنان زيناتي قدسية والفنان حسن عكلا وهما شيوخ المونودراما كما أن المخرج تمكن من القبض على أدوات العرض الأخرى كالديكور الذي جاء مواتيا مع العميق والداخلي في النص المسرحي فكان الديكور متاهة تضم كل فترات حياة الشخصية من البيت إلى حقل الإعدام مرورا بالمكتبة والمدرسة والشارع والجامعة و... إذن الديكور كان موفقا والإضاءة مدروسة بشكل جيد رغم قلة الإمكانات المتوفرة في المسرح .
في النهاية أقول أن عرض مجرد نفايات القادم من العراق كان عرضا جيدا فقد نقل لنا ما يحث هناك لا على الأرض وإنما داخل الإنسان الذي يعيش أتون النار التي تسعى لحرق وجدان الإنسان وهي الحرب رغم بعض المطبات الذي وقع فيها الممثل , لأن بالحقيقة عروض المهرجان الرابع كانت عموما متواضعة من حيث أداء الممثلين والإخراج .

فرحان الخليل
Masrah111@yahoo.com