آخر الأخبار

حنين الليل

----------------------------------
العرض الليبي حنين الليل
نسخة مشوهة عن عرض خطبة لاذعة لرجل جالس
العرض الرابع
إن الفن إذا أراد أن يثبت حضوره بقوة , لا يجوز أن يفرض أية فكر يعتقد برأي من يقدمها حضارية لأنه لا بد من استبعاد كل نزعة إنسانية منذ البداية , ولأن الفن المسرحي ذو النزعات الإنسانية هو شكل من أشكال الحلي ألتزييني الذي يزركش الحضارة التي ساهمت ببعثه .
فقد كرس العرض المسرحي الليبي ( حنين الليل ) تلك المقولة مع أن الآن وفي هذا العصر يؤكد أن كل ما هو في داخل الإنسان ( الأنا ) متطلعا إلى إبادة الإنسان ( الآخر ) لأن في هذا العالم الذي تغرَب عنه الإنسان ولم تعد فيه قيمة للأشياء أصبح الإنسان شيئا بين هذه الأشياء , وهذا يكرس الشعور بالغربة
هذا في الأصل الكتابي للمسرحية "المونودرامية" ( حنين الليل) التي قام بتمثيل الشخصية الفنانة ( سعاد خليل ) , وأعدها وأخرجها ناصر الأوجلي والتي شاركت في المهرجان الرابع للمونودراما الذي أقامه البيت العربي للموسيقى والرسم . وقبل أن ألج العوالم الفنية للعرض لابد من الإشارة لحالة في غاية الأهمية . على البراشور وقع مخرج العمل بالشكل التالي ( إعداد وإخراج ناصر الأوجلي ) ولم ينوه لا من بعيد ولا من قريب على كاتب النص الحقيقي على الإطلاق وهذا إجحاف بحق الكاتب الكبير (ماركيز ) لأنه هو صاحب الحكاية الحقيقية , كما أن هناك استهانة بحق الأستاذ الناقد (جوان جان ) الذي أعد النص ومسرحه باسم ( خطبة لاذعة لرجل جالس ) وقام بإخراج هذا النص وتمثيله أيضا الفنانة ( مها الصالح ) .
- حنين الليل ( النص ) :
النص يحكي عن امرأة يمارس عليها سلطة ذكورية متمثلة بالزوج الذي شيء زوجته عبر السنين وفرض عليها مجموعة من الحالات التي تساهم بقتل البنية الإنسانية بداخلها , من إحساسها بامتهان كرامتها وحتى حرمانها من الأمومة , مرورا بكل حيثيات القهر الذي مارسه عليها الزوج - الذكر - السلطة الأبوية ..... إلخ .
فتبدأ بمحاكمة رجلها - الزوج - ولكن ليس بالحقيقية وإنما بالتمني , وهذه الأمنية لا تأتي لأن الموت يعاجلها , فيستيقظ الحلم ويتجسد بالممثلة بعد الموت وتبدأ بالتداعي والتأنيب وكشف الحقائق . هذه هي الحكاية !! لكن الحكاية لم يستطع المعد المخرج أن يقبض على عنق الحقيقة المتمثلة بالفكرة الحضارية الذي أراد أن يوصلها إلينا . فالحكاية هي أسلوب أدبي , أو نوع من أنواع الأدب الذي يشكل فيه السرد محوره الأساسي لأنه يقوم على القص ويفترض وجود راو , ولا يمكن عزل الحكاية عن بقية الأجناس الأدبية الأخرى باستثناء المسرح , صحيح أن الحكاية هي المادة الأولية للكتابة المسرحية , ولكن هذا لا ينطبق على جميع الأنواع المسرحية فهناك حالات تدخل فيها المادة الدرامية ضمن القالب السردي كالمسرح الملحمي بالمعنى الفكري والمسرح الشرقي بالرؤية الأكاديمية , لكن نص حنين الليل لم يحاكي تلك الأجناس فجاء بشكل قصصي على لسان سعاد الخليل فخرج النص عن بنيته الدرامية وابتعد عن الحكاية المسرحية .
- حنين الليل ( الممثلة ) :
الفنانة سعاد خليل كانت في العرض المسرحي حنين الليل متفردة بذاتها تروي الحكاية ضمن فضاء محصور وضيق , وهنا أقصد الفضاء الاجتماعي للشخصية , الذي قيد الممثلة وأفرغها من كل أدواتها حتى بدت راوية وهذا منافي ومخالف لماهية العرض المسرحي بالعموم , لأن تأثير الجسد في المسرح بالعموم و المونودراما خصوصا هو الذي يطرح مجموعة المعاني والرؤى التي من الواجب أن يكون الممثل هو حاملها الوحيد , ولم نرى الفنانة سعاد تدخل في هذا الخصوص من خلال المحاكاة , لأن المحاكاة هي المدخل الذي لا بد من عبوره عند دراسة أي عرض مسرحي من خلال ممثله , وإن لم يكن ذلك فعلى الجسد أن يجسد ويعبر عما يدور في خلده من خلال علاقته بالنص المكتوب . لأن جسد الممثل قد يكون إما محاكيا , يقلد بدرجة أو بأخرى صورة واقعية باستخدام تقنيات وأوضاع حياتية . أو يكون جسدا تعبيريا اكتسب دلالة أكثر عمقا بحيث يتحول الجسد إلى صورة , أو رمزا ما فني له جمالياته الخاصة ( وهذا لم نشاهده إلا من خلال العازف المبدع الفنان عمر فيتوري ) وهو لا يحمل أي خاصية من خصوصيات هذا العرض بكونه موسيقي وبكون العرض مونودرامي !!! وهذا يعني أن الممثلة سعاد خليل لم تكن ولم تكوًن عنصرا لا تشكيليا ولا دراميا في هذا العرض .
- حنين الليل ( إخراجا ) :
الأستاذ المخرج ناصر الأوجلي الذي قدم عرضه نسخة مشوه عن عرض المخرجة الممثلة مها الصالح في عرض خطبة لاذعة لرجل جالس , ولكي لا أظلم أحدا سأضع مقارنة بين عرض حنين الليل للمخرج أوجلي وبن عرض خطبة لاذعة لمها الصالح :
1 - في عرض الأوجلي هناك كرسي فارغة تحاورها الممثلة , أما في عرض مها الصالح هناك رجل جالس على الكرسي . " في حنين الليل كان موجود سابقا رجل يجلس على الكرسي فأنهضوه " !!!
2 - الفضاء المسرحي هو الحلم عند الأوجلي متمثلا بالتابوت والسرير الفخم وما حوله من فراغ وخواء , أما عند مها الصالح الفضاء المسرحي هو وهما متمثلا بالمنزل الفخم والرجل الفارغ .
3 - الممثلة عند الأوجلي بمقام الراوي الذي ينقل الأحداث ولا يجسدها , كذلك عند مها الصالح كانت تروي الحدث ولا تجسده , وهذا ما أثر على كلا العرضين .
4 - في عرض الأوجلي الموسيقي متواجد على الخشبة بدون أي دلالة تشخيصية , كذلك عند مها الصالح دخول عدد من عازفي الغيتار بلا أي تبرير درامي يجسد دخولهم ويبرره .
استخدام السرير عند الأوجلي كان لاسترجاع لحظات الحنين إلى الحب , كذلك كانت الأريكة والتي تشبه السرير عند مها الصالح وهو المكان لاسترجاع لحظات الحب أيضا .
وهناك الكثير من المتشابهات بين العرضين من الناحية الإخراجية وهذا ما جعل عرض حنين الليل منسوخا عن عرض خطبة لاذعة لرجل جالس وهذا يجعلني أقول : على الرغم من أن الأساس للعرض المسرحي هو المؤلف , ومن أن الجسد الأساسي للعرض المسرحي هو الممثل , إلا أن قدر المسرح اليوم يتعلق بالمخرج بدرجة كبيرة لأنه يجمع في يديه كل عناصر العرض المسرحي ويسبكها ضمن رؤيته الذاتية والفكرية .
فكيف لعرض مسرحي لا يكتب على براشوره أسم الكاتب الأساسي ؟ وكيف لعرض مسرحي يشابه عرضا آخر تماما من الناحية الإخراجية يمكن أن يكوَن حالة إبداعية , لأن الإبداع هو استنباط حالات جديدة لكل نص , فمسرحية هاملت مثلا قدمت مئات المرات ولكن كل مرة ترتدي ثوبا لا يشبه الآخر ... أليس كذلك ؟؟؟؟ .
- حنين الليل ( ديكور ) :
استطاع الأستاذ سالم الطبولي مهندس الديكور أن يقرأ العرض ويجسده ضمن حالة معمارية تناسب البنى الداخلية للعرض المسرحي , فقد كان التابوت - الموت - هو الفضاء الداخلي للشخصية مجسدا في الدراسة الدقيقة لماهية المكان عبر توازن دقيق لدراسة السينوغرافيا والتي جاءت معبرة عن الفضاء المكاني والزماني معا لماهية الحنين عبر الموات الحقيقي والنفسي للشخصية التي من المؤسف لم تستطع التواصل مع هذا الهيكل المعماري المعبر والجميل معا .
- حنين الليل ( موسيقى ) :
الحاضر بقوة ... بطل العرض ... اللغة الطاغية والمعبرة .... كل هذا يندرج ضمن الحضور الموسيقي الذي صنع في العرض ومضة جميلة مع الديكور تجعل المشاهد يتجاهل كافة أدوات العرض وينتظر الفواصل الموسيقية الرائعة والحضور المدهش والطاغي للموسيقي الفنان عمر الفيتوري الذي أغنانا موسيقى وأنسانا العرض البائس الذي قُدم . فقد جاءت الموسيقى المسجلة متوازية مع الموسيقى الحية عبر harmony خلق تواصلا مع البنى الداخلية للشخصية المكتوبة والتي ابتعدت عنها الشخصية التي تجسدها فبدا العرض فضاء سينوغرافيا يكرس بنى معمارية دقيقة تصدح فيها موسيقى وتدخل متاهات الموت المنظورة والتي لم تجسد عبر الممثل ولم تقدم رؤى جمالية وتعبيرية عبر الإخراج .
- حنين الليل ( ملاحظة أخيرة )
عرض حنين الليل عرضا مسرحيا ليس مونودراميا لأن الشخصية الموسيقية المتجسدة بالفنان عمر الفيتوري كانت أساس العرض وبطله , إذن حنين الليل عرض مسرحي لا ينتمي للمونودراما في مهرجان المونودراما !!!!! .

فرحان الخليل
Masrah111@yahoo.com