لقد حان الوقت كي أروي القحمذم التي وعدت أميرة (أحلام) بها...
القحمذم
أميرة ...
دعيني أحدثك عن أستاذي الكبير...
صلاح الأحمد، أستاذي في مادة الطبولوجيا، كان يأتي لقاعة الصف حاملا بضع وريقات، وريقات قليلة، تشمل -وفقا لما أعتقده- عنوان المحاضرة... و نادرا ما كان ينظر لهذه الوريقات...
كان صلاح الأحمد يقول لنا عنوان المحاضرة، ثم ينطلق فيتحدث... و يتحدث... و يتحدث:
فمن نظرية رائعة، لنتيجة جميلة، لاقتراح مذهل...
صلاح الأحمد كان يسكرنا من دون خمر -أعني أنه كان يسكرني و يسكر عشاق الرياضيات... و نادرا كان أن يعود لوريقاته: كل العلم و المعرفة كانا في ذهنه...
و هذا بالضبط ما قاده لارتكاب خطأ بسيط -بسيط جدا- قمت أنا باستغلاله بشكل حقير... ذلك أني مستغل حقير.. أليسه ؟
حصل ذلك حين كنا في السنة الثانية في المعهد العالي... و كان الدكتور صلاح الأحمد يشرح لنا الطبولوجيا العامة، ثم إنه شرح مفهوم النقطة اللاصقة (سمير و نهى) و تابع قائلا (ملاحظة لمن لا يحب الرياضيات: يمكنك تجاوز الجملة التالية):
بانتظار المحاضرة المقبلة، حاولوا يا إخوان أن تجدوا لي مثالا عن متوالية عددية تمتلك نقطة لاصقة لكنها لا تتقارب منها... ثم حاولوا أن تبرهنوا أنه في فضاء طبولوجي متراص، فأي متوالية عددية تمتلك نقطة لاصقة وحيدة هي متوالية متقاربة من تلك النقطة!
باختصار، صلاح الأحمد طالبنا بإعطاء مثال (مماثل للمثال الذي قدمته أنا قبل عام) و ببرهان نظرية ما...
خطأ صلاح الأحمد و زعرنة عمرو الخيّر...
المشكلة... أننا لم نكن قد درسنا الفضاء المتراص...
يعني أن أستاذي العظيم أعطانا تمرينا ينتمي لمحاضرة لاحقة! لحل التمرين إياه يجب فهم المحاضرة اللاحقة....
يعني كما قلت: صلاح الأحمد نادرا ما كان ينظر لأوراقه، و منه فإنه و من دون قصد أعطانا تمرينا ينتمي للدرس اللاحق...
و هي كانت فرصتي كي أمارس زعرنتي، و هو اليوم الذي أفتخر به، يا أميرة...
الزعرنة و الإستمتاع...
حين جاء وقت المحاضرة اللاحقة، سألنا صلاح الأحمد:
هل لدى أحدكم أي مثال لحل الجزء الأول من التمرين؟
وقتها قام زميلنا سليم ن. و قال له: نعم!
ثم شرح مثاله بالقول: لنأخذ المتوالية 1، 2، 3، 4، 5، 1، ... يعني هكذا ...
طبعا زميلنا سليم كان وقتها يقتبس المثال الذي أعطيته أنا لشهور عديدة خلت (في السنة الأولى) لكنه كان عاجزا حتى عن فهمه...
نظر صلاح الأحمد إليه... تلك النظرة التي تحدث عنها زميلنا الأمير!
نظرة الإشفاق التي ينظرها صلاح الأحمد...
ثم إن صلاح الأحمد توجه للقاعة و سأل: هل يمتلك اي منكم مثالا آخر؟ هل قام أي منكم بحل الجزء الثاني من التمرين؟
فصمتت القاعة كصمت أبي الهول...
و صمت عمرو، يعني أنا، و بكل متعة، راح يستمتع بالصمت...
فوا متعة عمرو وقتها ... حيث راح يستمتع بكل لحظة صمت...
و بعد أن مرت الثواني و استمتع عمرو بكل منها... فإنه رفع يده -من مقعده في آخر القاعة، المقعد الذي كان يشغله، طبعا، مع آصف-
رفع عمرو يده و قال: لدي الجواب ...
فما كان من صلاح الأحمد إلا أن دعاني للسبورة كي أعرض جوابي...
قبل أن أعرض جوابي... لعلك يا أميرة تتسائلين لم كنت أنا من رفع يدي و لم يرفع آصف يده؟
يعني أنا كنت قادرا على الإجابة على سؤال صلاح الأحمد... لكن آصف؟
لسبب بسيط: لأن آصف كان الأفضل. آصف لم يكن أبدا بحاجة لإثبات تفوقه: هو كان أفضل الرياضيين في دفعتنا (و هو ما سيأتيك برهانه لاحقا)...
و طبعا من ناحية أخرى لأنني كنت أزعرا ... و هو ما سيأتيك برهانه مباشرة
الصدمة و الرعب (يعني chock and awe )
ذهبت إذن للسبورة و قلت للدكتور صلاح الأحمد، كما لو أن الأمر كان عرضيا، قلت له:
قبل أن أنتقل لحل الجزء الثاني من التمرين، سأعود للجزء الأول و أقدم مثالا ...
و هنا أرجو أن تسمحي لي بعرض المثال الذي كتبته وقتها... ذلك أنه يمثل إحدى أجمل زعرناتي الرياضية.
هذا هو ما كتبته على السبورة... طبعا أي طالب في الرياضيات يدرك الزعرنة المقصودة: متوالية تتألف من طوابق أربعة، لعن الله الثلاثة، لكن الطوابق الثلاثة العليا كافية كي تقدم المثال الذي طلبه صلاح الأحمد... فلماذا قمت أنا بإضافة الطابق الأرضي؟ يعني لماذا طوابق أربعة عوضا عن ثلاثة؟
بهدف الزعرنة! بهدف أن أقول لزملائي إياهم: افهموها إن كنتم قادرين...
طبعا حين كتبت هذه الصيغة على اللوح ظهرت علائم الضيق على وجه الدكتور صلاح الأحمد: هو فهم مباشرة أنني أتزعرن... لكني لم أعر لذلك اهتماما بل إني واجهته و بكل براءة طفولية مصطنعة قلت:
و أترك لزملائي أن يتحققوا أن هذه المتوالية تمتلك نقطة لاصقة وحيدة و أنها غير متقاربة .
(مضمون الكلام: دع هؤلاء الحمير يفهموها إن كانوا قادرين!)
عندها تغير تعبير وجه صلاح الأحمد: اختفت علائم الضيق و حلت محلها الإبتسامة الصريحة: صلاح الأحمد كان عالما كبيرا و كان رياضيا عظيما، لكنه كان ايضا، و على الأخص، قادرا على فهم المداعبات...
العمل الجدي....
ثم إنني انتقلت للجزء الثاني من التمرين و قلت أنني كي أحله فأنا بحاجة لبرهان عدد من النظريات، و بمجرد برهانها يكون حل الجزء إياه مجرد استنتاج بسيط. فكتبت النظريات التي أحتاج أن أبرهنها -و هي كانت ست نظريات أو سبعة، لعن الله الثلاثة-، كتبتها على الجانب الأيسر من السبورة، ثم انتقلت للجانب الأيمن من السبورة و بدأت العمل...
و طبعا بدأت العمل وفقا لطريقة أستاذي صلاح الأحمد: لم يكن هناك اية ورقة تتضمن ما يجب كتابته: كل العلم و المعرفة كانا ضمن ذهني...
هذا أبسط ما يجب فعله أمام صلاح الأحمد... أليسه؟
فأخذت النظرية ألأولى و قدمت برهانها و أعطيت الأمثلة...
ثم انتقلت منها للنظرية الثانية فقدمت البرهان و أعطيت الأمثلة...
ثم انتقلت للنظرية الثالثة... و هكذا حتى أنجزت برهان جميع النظريات التي تلزمني... و لم يبق علي إلا أن أكتب الإستنتاج الأخير، و هو يتألف من سطرين لا أكثر، فيكون الحل قد تم...
لكن ما حصل وقتها هو أنه...
لا يا عمرو!
أميرة...
أخبرك أنني وقتها كنت في التاسعة عشرة من عمري، و لم يكن لدي أية خبرة بإعطاء الدروس...
و أخبرك أنه كان قد مضى علي ما يقارب ساعة و نصف الساعة و أنا اشرح النظريات الرياضية المعقدة، فأقدم براهينها و الأمثلة عليها...
يعني باختصار: وقتها كان خلص كازي ...
فعوضا عن أن أستخدم آخر نظرية برهنتها كي أستنتج الإستنتاج المطلوب... فإنني، و يا للعار، ارتكبت مصادرة على المطلوب: لقد استخدمت الإستنتاج نفسه كي اقوم ببرهانه!
وقتها أوقفني صلاح الأحمد قائلا:
لا يا أخي عمرو، أنت هنا ترتكب مصادرة على المطلوب!
توقفت وقتها عن الكتابة و أعدت النظر في استنتاجي... و اتضحت لي الحقيقة المرعبة: نعم، أنا ارتكبت مصادرة على المطلوب!
الخوف من العار...
إليك ملخص الوضع وقتها:
كنت قد ارتكبت مصادرة على المطلوب...
يعني أنني و بعد أن اعتقدت، و بكل غرور، أنني يمكن أن أبرهن النظريات كما يفعل أستاذي صلاح الأحمد... فإنني أثبت أنني جحش...
لا بل فوق ذلك: زملائي الذين فقعتهم بالصدمة و الرعب عن طريق متواليتي ذات الطوابق الأربعة، لعن الله الثلاثة، بدؤوا يعترضون على خطئي إياه...
طبعا أشك أن أيا منهم شاهد الخطأ... لكن صلاح الأحمد قال أن هناك خطأ ما... فبدؤوا يقولون: نعم نعم...
أكثر من ذلك: أنا كنت عاجزا عن تصحيح خطئي. كما قلت لك: كنت قد بلغت حد إمكانياتي، و كان ذهني مشوشا...
فتخيلي لو حصل و قام أحد أولئك الحمير (الحمير يعني: 80% من زملائي ، و الـ20% المتبقون هم يعني أنا، طبعا و من ثم آصف، لا شك، و أيضا يعني مثلا بيداء و وائل و عمار و سامر و علي... إن لم تخني الذاكرة!)
أقول:
لئن حصل و قام أحد الحمير بتصحيح خطئي... سيجللني العار حتى آخر ايامي و ستقول البشر: أصابت جحشة و أخطأ عمرو (أو شي جملة غبية من هذا الشكل....)
آصف يتدخل...
لكن هذا لم يحصل، يا أميرة...
هذا لم يحصل لأنه، و قبل أن يدرك الحمير (و تعريف الحمير: كل طلاب دفعتي ما عدا آصف و وائل و عمار و بيداء و سامر و علي و من ثم أنا... إن لم تخني الذاكرة)...
اقول: قبل أن تدرك الحمير ما حصل، فإن آصف رفع يده -من مقعده، يعني مقعدي، في آخر الصف- ثم إنه قال لي:
اكتب ما يلي يا عمرو: كذا و كذا و كذا...
فقام آصف بتصحيح خطئي و بشكل رياضي دقيق و ممتاز...
الموجز...
موجز القصة هو أنه و بعد ساعة و نصف الساعة من العمل الرياضي، كنت أنا منهكا تماما، لكن كان هناك اثنان يتابعان العمل: صلاح الأحمد (طبعا) الذي نبهني لخطئي... و آصف الذي صححه!
(ألم أقل لك أن آصف كان الأفضل؟)
للقصة تتمات...
تتمات عديدة... سأكتفي باثنتين منهن...
أولاهما...
بعد أن انتهى برهاني -بتدخل آصف- و كان قد مضى ما يقارب ساعة و نصف الساعة من وقت المحاضرة -من أصل ساعة و أربعين دقيقة- فإن الدكتور صلاح الأحمد عاد، بشكل طبيعي لشرح المحاضرة التي كان يزمع أن يلقيها...
فكتب على السبورة: إليكم النظرية التالية... كذا كذا كذا...
ثم إنه تأملها قليلا و أضاف: و قد برهنها زميلكم عمرو...
ثم انطلق لنظرية أخرى و بعد أن كتبها... تأمل قليلا و أضاف: و قد قدم عمرو برهانها...
ثم إنه عاد لوريقاته بهدف استنتاج محاضرة اليوم... و نظر للطلاب فقال لهم: فدرس اليوم هو ما شرحه عمرو ...
اميرة: أنا وقتها كنت في الجنة!
صلاح الأحمد، صلاح الأحمد ما غيرو... يقول أنني أعطيت الدرس، يعني أعطيت الدرس و بموافقته، و هو لا يعارض ذلك...
بذلك أنا أفتخر يا أميرة: أنا أفتخر انني أعطيت الدرس عوضا عن أستاذي العظيم صلاح الأحمد... و أنه وافق على أفعالي و على أقوالي... فمن مثلي بين البشر؟
يبقى أن للقصة تتمة ثانية: فبعد انتهاء الدرس مشينا أنا و آصف حتى ابتعدنا عن عموم الطلاب، فنظر إلي آصف و قد علت وجهه الإبتسامة و قال لي:
عمرو... أنت أنجزت كل البراهين الصعبة و تعثرت في أسهل الأمور؟ (بالمناسبة: هذا دليل على تهذيب آصف، هو لم يقل لي لقد جحشت )...
أجبته قائلا: لو أن اي حمار (راجع تعريف الحمير) صحح لي خطئي لكساني العار حتى آخر ايامي.. لكنك أنت صححت لي خطئي فأنقذتني من العار!
و صافحته شاكرا...
******************
طيب يا أميرة... أولا تعتقدين أنه حان الوقت كي أقول ما الهدف من كل هذا اللقش؟
ساقول الهدف... في الحلقة المقبلة...
فلي عودة، و حبي لك و لربعك الكرام ...