آخر الأخبار

الإنسان لدى ميشال فوكو

يقع إدراك الإنسان لدى ميشال منذ الوهلة الأولى ككائن تابع. إنّ الإنسان مرتبط بأنساق تفكير وهو في ذات الوقت مكبّل في نظام الخطاب وخاضع لإجراءات السلطة. وهذا يجعل رؤية فوكو للإنسان تختلف كثيرا عن النظرة الوجودية التي يكتشف فيها الإنسان ذاته كحرية عبر القلق. فالانسان لا يملك، عند فوكو، أصله في حدّ ذاته.

وليست التبعية حكرا على المقموعين والمضطهدين وهي لا تصف وضعية طبقة اجتماعية، بل هي تبعية أنطولوجية تشمل الاقوياء تماما كما تعني الضعفاء، لأنها تمسّ المسيطرين والخاضعين للسيطرة. انّ هذه التبعية ترتبط بتواجد بعض أشكال العقلانية والتفكير التي تعبّر عن نفسها في بعض أصناف الخطاب وإدراك العالم والأشياء، وفي عمليات ترتيبها: إنّ الانسان يتلقّى هويته من ألعاب الحقيقة والسلطة التي تنظّم المجتمع. إنّ الإنسان يرث هويته. فهو لا يسائلها، بل يعيد إنتاجها. ويسجل فوكو الخطر الماثل في كلّ ما يتكرّر.

انّ هذا الإدارك لانسان تابع يقحم في نفس الوقت في فكر فوكو مطلبا ومسعى وهو الانعتاق. وهذا المسعى ثابت وقارّ عند فوكو ويستعيد تطلّع الشاعر روني شار " طوّروا غربتكم الشرعية" التي افتتح بها مقدّمة كتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكيّ" (1961). ويعتبر فوكو انّ تاريخ الناس هو تعاقب طويل لمرادفات نفس اللفظة. ويرى أنّ الدخول في تناقض مع هذا التاريخ يعتبر واجب الفيلسوف وهي المهمة التي كرس لها فوكو نفسه في الجزءين الاخيرين من تاريخ الجنسانية (1976 و1984). إنّ تبعية الإنسان ليست بالتالي قدرا. ويكمن دور الفيلسوف في ارباك البديهيات والافلات من الايديولوجيات. لأنّ فوكو يؤمن أنه إذا كان التاريخ يصنعنا فانّه بإمكاننا صنعه.
وأخيرا فإنّ الانسان عند فوكو هو الكفيل بوجوده. يجب عليه انتاج هذا الوجود كفنّ للوجود يبدي من خلاله قيما هي في نفس الوقت قيم للآخرين. فالإنسان هو دائما ما سيأتي.

المعرفة والسلطة:
سينصرف فوكو لوصف هذه المنطقة ما بين ذاتية في الواقع والموجودة في التاريخ، تتقدّمه وتصنعه. انّ الانسان هو في البداية كائن معرفة ويجد هويته داخل التقسيم الذي وضعته المعرفة وخاصة في تقسيم العلوم الانسانية.
وتحت اسم الابستيمي سيظهر فوكو كيف انتظمت في بعض الحقب معارف الطبيعة والانسان ملاحظا وجود انسجامات لا ارادية ومربكة بين الاختصاصات. وسيعقد اثر ذلك هذا الرسم الأوّل: إنّ الانسان ليس فقط تابعا للمعارف. بل هو أيضا فاعل لعلاقات السلطة، سواء من خلال ممارستها أو من خلال الخضوع لها.

ويصف فوكو في "المراقبة والعقاب" علاقات المعرفة - السلطة التي ستكون وراء ولادة هذا الشكل المتفرد من العقاب وهو الايداع والزّج في السجن. كيف نمرّ من معادلة المعاقبة التي تساوي الايذاء وايقاع الشعور بالمعاناة الى معادلة المعاقبة التي تعني الحجز. من خلال هذا التحوّل وبفضله وقع اقتصاد تأديبيّ للسلطة عبر التحديد الموضوعي البسيكو - سوسيولوجي للمجرم كمنحرف.
واذا كنا نستطيع القيام بجينيالوجيا اقتصاديات المعرفة - السلطة هذه فسنلاحظ أيضا تحولاتها البطيئة وذلك بقطع النظر عن المقاومات التي تواجهها. وهكذا فإنّ فشل السجن، وهو ما تمّ ادراكه منذ ولادة مؤسّسة السجن، لا يفتح المجال أمام اختراع أشكال عقاب بديلة. ما هو مكان المقاومات التي تقف في وجه السلطة في اقتصاديات المعرفة - السلطة هذه؟ واذا كان لا يوجد بالنسبة لفوكو سلطة دون مقاومات فإنّ هذه الاخيرة يجب أن تكون متيّقظة حتى لا تعيد تقديم وإنتاج السلطة التي تدّعي أنّها تتحرّر منها.

ولقد أثار فوكو جدلا وخلق فضيحة في سبعينات القرن الماضي حين ندّد بالفخاخ الماثلة في محاور الممنوع والقمع والتحرّر الجنسيّ والتي تدعو من خلالها سياسة متمحورة حول بيولوجيا السكان كلّ فرد للارتباط بهوية جنسية. وعلى النقيض من النزعة الفرويدية يعتبر فوكو أنّه لا وجود لأيّ شيء مقموع يكون الانسان مدعوّا لتحريره. ذلك أنّ الانسان مطالب بالأحرى بأن ينفكّ من نفسه، أي من الهويات الموكولة إليه وأن ينحت ذاته عبر ذاته.

من أجل ايطيقا:
انّ أنظمة التفكير، ترتبط دائما عند فوكو، بأشكال معاناة وأنظمة لذّة وفقدان اللذة، وكتابة فوكو على غاية التفطّن لهذا الارتباط. انّ وضع تقاسم بين العقل واللاعقل - انشاء المجنون في العصر الكلاسيكيّ - يمكن أن يطمئن من يوجد في الجهة الجنسية للخطّ، لكنه فظيع بالنسبة للآخرين. انه يحكم عليهم بوجود يحرمون فيه من حريتهم ويخضعون للموضعة غير الرحيمة لنظرة الطبيب، الخبير أو الشرطيّ ما دامت كلمتهم فاقدة بشكل آليّ للصلاحية. وهذه هي أيضا وضعية المنحرف وكلّ هؤلاء الرجال "الوضعاء" الذين تتقلص هويتهم الى مستوى أنهم صادفوا ذات يوم سلطة فرضت عليهم النفي. وهذا لا يعني بالنسبة لفوكو، أنّ المجنون لا وجود له أو أنّ المنحرفين لا يجب أن يعاقبوا. لأنّ الانسان ليس طيّبا بشكل طبيعيّ والطبيعة الانسانية هي لدى فوكو طبيعة التراجيديات لانّها تشهد فورانا وغليانا وهي عنيفة وشغوف. ولكنّ هذا لا يعني أنّه لا داعي للتساؤل عن حركة من يتولّى باسم معرفة ما، تحديد هوية ويدين ويسجن. انّ فلسفة فوكو، تهدف الى أن تفقد الحركات الأكثر يومية للسلطة بداهتها حتى يتساءل أولئك الذين يمارسونها عنها وعن آلياتها. فهذه الفلسلفة تسعى لإقحام ايطيقيا في ممارسات أولئك الذين يمارسون سلطة، أي عندنا جميعا، ما دمنا جميعا أعوان السلطة المبثوثة سواء في العائلة، في المدرسة أو في المؤسسة. إنّ فوكو يعود دائما وباستمرار الى هذه الفكرة التي تتمثل في أنّ لمن يمارس سلطة واجبات حيال من هم تحت تبعيته. وانطلاقا من هذا النموذج، المعكوس، سيعيد تركيب مسألة حقوق الانسان.

ما يوجد من انسانيّ في الانسان:
سيدرس فوكو نظامين كبيرين للتحرير والتعريف في المجتمعات الحديثة. يضمّ النظام الأوّل تلك الممارسات التي تقوم على القسمة، الإقصاء كما هو الامر في حالة المجنون، والمريض أو المنحرف. أمّا النظام الثاني فيضمّ الممارسات التي تدعو ذاتية ما لأن تتماهى مع جزء منها كما هو الشأن للجنسانية. ففي الغرب يكون الانسان مدعوّا لإيجاد هويته من خلال قول الحقيقة عن حياته الجنسية، عبر كلّ أشكال الاعتراف، ويظهر فوكو أنّ هذه التجربة لم تكن تجربة اليونانيين الذين كانت الجنسانية بالأحرى بالنسبة لهم ايطيقيا ملذات. ومن خلال إعادة تشغيل محور موجود منذ النهضة يستخرج فوكو برنامج ايطيقيا يكون كلّ واحد مدعوّا من خلاله لاختيار نمط وجود بالقيم التي تلهمه. يجب على الانسان أن يبني ذاته بنفسه، من خلال الاشتغال على الذات. إنّ الأمر يتعلّق بإنتاج ذات كريمة ومحترمة، ولا يمكن ان تكون أبدا محضة الفردانية ما دام هذا البناء يتمّ عبر علاقة معينة مع الآخرين.

وفلسفة فوكو متفطّنة لتنوّع الناس، سواء كانوا كبارا أو صغارا أو كانوا يؤلمون الآخرين أو يتألمون. انّها فلسفة تضجّ بتعدّد علاقاتهم الممكنة. لقد كان فوكو بكلّ تأكيد أقلّ حساسية بالانسان منه بالكائنات الانسانية. لقد اهتمّ بما هو إنسانيّ في الإنسان، بما ينقذه ويهينه ويعذبه في ذات الوقت: تراجيدية الحقيقة، وهذه هي في نهاية الأمر أكثر الخاصيات استقرارا وثباتا لدى الانسان: انّه لا يوجد إلا لأنّ له علاقة بالحقيقة.