كانت فرنسا قد رحلت. فرح كبير غطى المدن و القرى التي قاتلت الغزاة سنوات طويلة، و فوق المباني الرسمية و المدارس و مراكز الشرطة خفق علم الوطن بنجومه الحمر التي صبغها الثوار بدمائهم.
و قال الزعماء الذين استلموا السلطة: لقد طردنا فرنسا!
شرق البحر الهادئ الذي شهد رحيل الغزاة يمتد شريط القرى الوعرة: هضاب و وديان تنبت صخورا قاسية و غابات من السنديان و البطم و الريحان و القطلب، و بين هذه الهضاب و في السفوح الخضر انتثرت قرى الفلاحين الذين قاتلوا الغزاة بقسوة لا مثيل لها.
و إذ انتهت الحرب، لم يجنوا غير مخافر الشرطة الوطنية.
***
بهذه الكلمات يفتتح حيدر حيدر رواية الفهد التي تتحدث عن أبي علي شاهين. الفلاح العلوي الذي صار أسطورة حية إثر خروجه على السلطة، عفوا:
إثر خروجه على القانون في سوريا الديمقراطية في مرحلة الخمسينات... كما يقول حمير كوندوليسا رايس و لاعقي بسطارها و شركاهم من كلاب بني خونج.
شاهين، صقر سيغاتا، شاهين جبال العلويين، شاهين، الفهد كما تصفه الأغنية، شاهين رفض الظلم.
شاهين رفض الظلم.
شاهين رفض في إحدى سنين المحل أن يدفع للآغا حصته العادلة -ثلاثة أرباع منتجات الأرض.
نعم يا سادتي، شاهين كان مرابعا . كان يعمل في الأرض فيؤدي للإقطاعي ثلاثة أرباع منتجاتها و يحتفظ لنفسه بالربع. تلك هي سنة الله و رسوله و أولي الأمر منكم في سوريا الديمقراطية في مرحلة الخمسينات...
شاهين جرؤ أن يظن أن لقمة الطعام لابنه -علي- أهم من الحقوق المشروعة للآغا.
فجاء الدرك... عفوا: جاءت الشرطة الوطنية لحكومة سوريا الديمقراطية في مرحلة الخمسينات كما تقول الحمير...
جاء الدرك فشحطوه للمخفر و أشبعوا رأسه ركلا بأحذيتهم.
لم يرض أبو علي بذلك. شاهين يعتقد أن لا حق للدرك بأن يركلوا رأسه ببساطيرهم... عفوا: أعني بأحذيتهم النظامية التي زودتهم بها حكومة سوريا الديمقراطية في مرحلة الخمسينات.
***
حمل أبو علي، شاهين، حمل بندقيته الـ موزر . نعم يا سيدي: إنها نفس البندقية التي استخدمها لمحاربة الفرنساويه.
أبو علي شاهين حمل بندقيته مرتين: مرة أولى لأنه رفض أن يحتل الفرنساويون سوريا، و مرة أخرى لأنه رفض أن يركل على رأسه بأحذية الشرطة الوطنية لحكومة سوريا الديمقراطية في مرحلة الخمسينات.
حمل أبو علي الشاهين بندقيته للمرة الثانية، و مضى في الليل.
و عند الصباح، استلمت حكومة سوريا الديمقراطية في مرحلة الخمسينات دركيين بصفة جثتين هامدتين.
***
أبو علي شاهين طريد الحكومة. يختفي في جبال العلويين و يطارده مئات الدرك. أبو علي شاهين يسفك دماء الدرك من دون رحمة. أبو علي شاهين يغير على مخافر الدرك كي ينقذ شفيقة -زوجته- و ابنه علي و قد أخذتهما حكومة سوريا الديمقراطية في مرحلة الخمسينات ، أخذتهما كرهائن، فيحررهما أبو علي شاهين بنتع زنوده. أبو علي شاهين يغير على قصر الآغا إبن المنيوكة -و فوق ذلك كان ابن المنيوكة هذا محظوظا: هو لم يكن في قصره وقت غارة أبو علي شاهين... فيأمر أبو علي شاهين بإخلاء القصر من سكانه ثم يضرم فيه النار.
أبو علي شاهين يهين حكومة سوريا الديمقراطية في مرحلة الخمسينات ... فيجيش كل درك اللاذقية و طرطوس و حماة لتعقبه و القبض عليه حيا أو ميتا!
***
شاهين كان مجرما؟ نعم بالتأكيد. شاهين سفك الدماء؟ أجل و لا شك! شاهين قتل رجال الأمن غيلة؟ مؤكد!
شاهين يستحق أن يشنق؟
وفقا لشريعة البشر: نعم.
لكن في شريعتي و معتقدي شاهين، أبو علي، يستحق أن تفرش طريقه ببتلات الورود و أن يأتي أقدس القديسين فيركع كي يغسل قدميه.
لكن شريعتي لا تسود على هذه الأرض: ما يسود على هذه الأرض هي شريعة البشر،
و سفالة البشر!
لقد قام نذل بخيانة أبي علي شاهين مستغلا... قرابتهما.
كان ذلك النذل خالا لشاهين. استقبله و أمنه... ثم سلمه للعسس...
و ما كان من حكومة سوريا الديمقراطية في مرحلة الخمسينات إلا أن سلمته للدرك الذين حاربهم و سفك دمهم كي يفعلوا به ما يشاؤون... و هذا ما فعلوه...
اقتلعوا أظافره... حرقوا جلده... و لم يبخلوا على رأسه بلبطاتهم...
ثم حين كادت روحه تفيض لبارئها -إن وجد- فإنهم أخذوه فشنقوه في ساحة الشيخ ضاهر في اللاذقية...
و يصف حيدر حيدر ذلك قائلا:
و خلافا لما كتب على صدره... هذا الفلاح البائس المدلى على خشبة الموت قد تمرد و مات من أجل الحرية و الأرض
***
أغنية شفيقة، أم علي، زوجة شاهين، تبكي حبيبها:
يابو علي و يا شاهين
و يا الرابط بالوديان
بـْيــْدك موزر معدل
تحمي فيه المواني
قلب الفهد ما بيلين
قلبك حجر صوان.
قتلت كل الدرك
جنب حوش الغضبان.
و سيغاتا ما تشوف النوم
الدرك سرقوا النوماني
ليل نهار نهار و ليل
حـْـوافر خيلن سهراني
و شفيقة تنادي بالليل
وينو زين الشبان؟
وينو فارس سيغاتا
وحدو سياج الأوطان!
البنات كلن سبايا
بالمخافر بكياني
و علي ينده يا بابا
صوتو يبكي الصوان!
و سيغاتا صارت صحرا
للجراد الجوعاني
هالطير الهاجر ما عاد
ريش أيامو تعباني
و الريح بتبكي بالليل
المطر منو درياني
قلبي عندك يا تايه
دبلو وراق الريحاني
ألله يخون البيخونك
الخاين مالو أمانه!
***
شو قالت أم علي، شفيقة؟
هي قالت:
يابو علي و يا شاهين
و يا الرابط بالوديان
ألله يخون البيخونك
الخاين مالو أمانه!