آخر الأخبار

الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي في رواية "جسر بنات يعقوب"

لا يُسمّي حسن حميد الأشياء بأسمائها فهو يقص الحكاية من البداية، حين لم تكن للأشياء أسماؤها الحالية. و لمّا كانت الحكاية موجعة فقد كان له من الصبر و الأناة ما جعله يحوكها في لغة قديمة خالية من التحليل السياسي المباشر و إن كانت في قلب اللحظة الواعية بتمام صفائها و قدرتها على رد الهجوم دون انتظار ما لا يأتي..فماء النهر يجري و لا يبقى من دنسه شيء و الأجنة تموت قبل الولادة فينقطع بموتها كل أمل للغرباء.

يستحضر حسن حميد القضية الفلسطينية قبل 1948 فيقدم شخصية سليمان عطارة اليهودي الذي أخفى دينه و اخترق النسيج الاجتماعي بالتخطيط على المدى الطويل فبدأ حمّالا بالأجرة حتى صار صاحب المعصرة التي كان ينقل لصاحبها حاجياته على عربته بعد أن استخدم كل الوسائل الشرعية و اللاشرعية لإركاعه...ثم يأتي يعقوب، بطل الرواية و الذي خرج معه الوجود اليهودي من دائرة المسكوت عنه فيجد مساندة لامشروطة من سليمان عطارة أولا لأنه يهودي سبقه إلى التواجد في المنطقة و ثانيا لأنه يريد أن يشترك معه في المصلحة التي ستحصل له من تواجده في المكان..

علّل يعقوب وجوده في القرية بحراسة الجسر العتيق و هذا ترميز للقدس الشريف الذي يمثل جسرا دينيا و سياسيا "فالجسر منذ الأزل لم يحتج إلى حراسة، و لم يضمنه أحد" ص 71. كان مجيء يعقوب إيذانا بمرحلة جديدة في المنطقة كلها (الشرق الأوسط) "أجابه يعقوب، و دونما شرح طويل، أنه حارس الجسر و ضامنه و أنه سيحرس الجسر و يضمنه بموجب صك الحراسة و الضمانة الممنوح له من السلطان و سارع يعقوب و بحركة مضطربة، و أخرج من بين ثيابه لفافة ورق راح يفتحها أمام نظر الرجل و حرص حرص شديدا على أن يريه الخاتم و التوقيع" ص 69
كان الوجود اليهودي ممهورا بختم سلطاني (بريطانيا العظمى) و مباركة عربية "مرحبا بك أيها الجار، أنا شاهين وكيل المعصرة، أرسلني سيدي (سليمان عطارة) لأطمئن على وصولك فحقّ ضيافتك علينا" ص70
في ذلك الوقت بدا كل شيء شبه طبيعي و لم يكن هنالك ما ينبئ بالتطورات السريعة المتلاحقة التي تعملقت كزرع شيطاني في زمن قصير بمساعدة "امرأة عجوز، طويلة القامة، نحيلة كعود الخيزران، تتوكأ على عصى أطول منها، ثيابها سوداء، ووجهها طويل ناشف، و شعرها الأبيض منفوش كجزة صوف" ص115 هكذا يقدّم الكاتب أمريكا في الرواية، شخصية عالمة بكل شيء تسيّر الأحداث عن قرب تارة و عن بعد طورا، معروفة عند بعض الشخصيات (يعقوب، سليمان عطارة)و مجهولة عند بعضها(سمعان المعماري، العبوسي) توصي كل واحد على حدة بخدمة يعقوب و مساعدته على بناء الخان (الكيان الصهيوني) فيهبّ كل منهم بما أوتي من قوة تحت وطأة الخوف تارة و الأساس الديني تارة أخرى "كان الخان يقوم قَوْمة الجمَل ! عندما وصلت العجوز الطويلة الناحلة بشعرها الأبيض الكثيف، و عصاها الطويلة ذات العقد. وصلت و بين يديها زجاجات الشراب التي أخذتها بنات يعقوب منها بهدوء شديد، و أحطن بها، و قد ذهل سمعان المعماري بمرآها، و بهت سليمان عطارة و يعقوب. و لم تمض لحظات فقط حتى كانت العجوز تبارك الخان..و مثلما جاءت العجوز فجأة، غابت فجأة، و عاد الحديث المتداخل و الصاخب، و صوت تكسير الحجارة و نقلها إلى الخان الذي أخذ يستوي كما شاء يعقوب و أراد !! "ص242

حدث كل هذا و القيادة غائبة عن المكان فلا سلطة سياسية حقيقية تنظم المكان و لا سلطة دينية تحمي المقدسات و تطالب بإطار قانوني و إداري يحميها من الانتهاكات التي توالت و صارت موضوع جدل قانوني تطور ليأخذ طابعا سياسيا فيما بعد ينتصر للأقوى و قد تمثلت السلطة الفلسطينية في شخصية رحمون " كان لائذا بظل جدار واطئ لأحد الكروم، جدار من حجارة بازلتية سوداء بعضها يشدّ بعضها الآخر كي لا تقع أو تميل، بعدما أعياه الركض الطويل و الطواف المتعب في الأزقة و الزواريب و البراري الواسعة التي يدّعي رحمون ملكيتها له وحده..حين مرّ يعقوب و بناته بمحاذاة رحمون، صرخ بهم و أطال التحديق إليهم..فوقف يعقوب و بناته و حمارهم و كأنهم مخلوق واحد و قد راحوا جميعا ينظرون إلى رحمون. بدت معالم الرعب و الخوف واضحة على وجه يعقوب و بناته، و رحمون ينظر إليهم نظرات طويلة، سائلة، مستغرب!! و يعقوب يفرك بيديه و قد جحظت عيناه و بناته من خلفه كالقنافذ ينتظرون ماذا سيقول رحمون و بماذا سيجيب أبوهن!! و دونما كلمة واحدة لا من يعقوب و لا من رحمون و لا من بناته. مشى موكب يعقوب الصغير مرة ثانية بعدما استدار رحمون، و عاد إلى ظل الجدار البازلتي الأسود و تمدد قربه و غطى عينيه بذراعه اليمنى و كأنه غارق في نومه منذ أمد بعيد" ص 79/78
هذا الموقف الذي كان على رحمون أن يضطلع به و تنازل عن دوره فيه هو ما يعيبه الكاتب في الحقيقة على الماضي فقد كان بإمكان الكل (السلطة الفلسطينية و الدول العربية)أن يضطلع بدوره في الوقت المناسب و يوقف هذه المجزرة التي دامت أكثر من ستين عاما و لكن التدخل للأسف كان سلبيا. و هكذا أنجز يعقوب مشروعه في القرية مع مرور السنين و رحمون هو رحمون "و حين تجاسر رحمون و اقترب كثيرا من الخان و نادى، خرج إليه يعقوب و عاد به فنظر إلى بنات يعقوب نظرات حائرة قلقة عطشى أيضا و من دون مقدمات قال رحمون: (مبروك يا يعقوب) !
و مضى كمن أصيب بحرق لا يلوي على شيء" !!

و أخيرا ينتهي الأمر برحمون إلى وضع مؤلم أفرزته استكانته من جهة و الإيقاع المرجلي للاستيطان اليهودي في المنطقة "و الحق إن رحمون عمل سايسا للنساء الغريبات اللواتي جئن إلى يعقوب من القرى البعيدة و اللواتي عدن و معهن حملهن..كان يعقوب يؤجل المواعيد مع النساء و الرجال معا تحت حجة عدم مناسبة البرج و مواتاته في ذلك اليوم و يقتنع الجميع...لم يضطر يعقوب و لا مرة واحدة للمجيء بعصمان حين يغيب رحمون لأسباب غامضة (بالمناسبة كان رحمون يغيب من أجل أن يرتاح من شقاوة العمل و قسوته)" ص264/263

تغيّر مشهد القرية منذ وصول يعقوب و بدأت "المستوطنات" تنتشر كفطريات سامة "بدا بيت يعقوب الحجري الواسع و بيت سليمان عطارة و جوديت الحجري الواسع أيضا، و غرفة عصمان القريبة تماما من الطرف الشرقي للجسر تجمّعا سكنيا جديدا تماما في كل شيء، نسيجا آخر في المنطقة" ص254 و نتج عن التقدم اليهودي ظهور السجون التي امتلأت بالأهالي، أصحاب المكان الأصليين "و ظلت غرفة عصمان، على سبيل المثال مكانا للخوف و القسوة و الأسرار و الوحدة المطلقة فلا أحد يقترب منها أو ينوي دخولها. إنها مكان للشراسة فقط أو قل إنها مكان للحجز، مكان، الداخل إليه لا يعرف متى يخرج منه" و من مفارقات هذا الوجود قول يعقوب و هو الوافد الجديد "يكاد قلبي يحترق يا سليمان و أنا أرى هؤلاء يروحون و يجيئون من فوق الجسر دون أن يدفعوا شيئا" ص239 و قد نتج عن ذلك أن حدث ما أراده يعقوب "اقتربوا من الجسر و شرعوا يحفرون حفرة واسعة جدا، من أجل إقامة دعامة كبيرة ثابتة من الحجارة لكي يستند إليها طرف الجسر الشرقي بحيث يصير الجسر ثابتا من طرفه الغربي، و متحركا من طرفه الشرقي، و أن يُربط هذا الطرف الشرقي بحبل و يعلق في الهواء، بحيث لا يمرّ فوقه إلا من يدفع أو من يرضى عنه يعقوب، و حينئذ يشد الحبل فينزل الطرف الشرقي و يثبت فوق الدعامة الكبيرة فيمرّ من يمرّ و بعدئذ يُرفع طرف الجسر الشرقي مرة أخرى، و يظل معلقا في الهواء لا ينزل مرّة أخرى إلا بالدفع أيضا" ص251/250

هكذا يقدم حسن حميد القضية الفلسطينية "هذاالكتاب في
سبعين صفحة (سبعين سنة) كلها غير مقروءة عدا أسطر قليلة..و هي أسطر ساح حبرها و أصابها العفن" ص267 و إن من وظيفة الكتابة مساءلة التاريخ و ترميم ثغرات الوعي بكشف المسكوت عنه و صنع حلول للحاضر و المستقبل..

يتشكل الخلاص في الرواية بصورة واضحة عبر الكتابة إذ يبدو الكاتب ك"دون كيشوت" و لكنّه لا يستسلم لعبثية مصيره، هذه العبثية التي تشارك فيها السلطة السياسية بشكل كبير(رحمون) بل يقاوم بأشكال متعددة و لا يفتح طريقا لخلاص صوفي أو مثالي مبتور عن واقعه كما يفعل أغلب الروائيين العرب بل ينتقم من شخصية يعقوب (المستعمر) بكل ما أوتي من وسائل الابداع و لا يعتبره قدرا حتميا لا مناص منه فقد بتر نسبَهُ و نسب بناته و قتل في يعقوب الزوج و الأب و الانسان من خلال أسلوب السخرية و أنهى حياته على يد أحد الأهالي و لم يترك هذه المسؤولية بيد القدر أو السياسة أو الشخصية نفسها (الانتحار)..إن كتابة حسن حميد معاصرة تحمل على عاتقها مسؤوليتها الحضارية و تثبّت الرواية الفلسطينية في مكان عال من الصعب اختراقه.