[img]http://www.mofeda.com/rasanova.jpg[/img]
في تلك القرية الصغيرة المتكئة على كتف سهل الغاب . نمت مع
النعنع البري وزهر الزهور وشقائق النعمان ... وكبرت مع سنابل القمح وخضرة
المروج ... رفيقها الكتاب والكتاب وحده . حصلت على الشهادتين الابتدائية
والإعدادية في مدارس القرية . التحقت بدار المعلمات بحماه القسم الداخلي .
حصلت على أهلية التعليم في عام 1970 . لم يبق أمامها إلا.. إلا. حيث كان سقف
التعليم للفتيات في تلك المرحلة هو أن تكون معلمة. ماذا تنتظر بعد ؟ .. تطاير
حولها فراش الحب مرفرفاً مزغرداً مبتسماً... أشاحت بوجهها عنه تارة
وباللامبالاة في كل الأحيان، إلى أن كان يوم شتائي مبشر بربيع قادم... وقفت
الفتاة أمام دارها كعادة فتيات القرية في كل مساء ... يهتف بداخلها شيء لم
تجد له تفسير .. أهو صوت الريح أم وميض البرق أم زخات المطر أم حلول الظلام
... ومن البعيد ومن طريق ضيق قدم
شاب محام .بخطا هادئة .. يحمل في جعبته شيئاً لم تكن لتدركه.. اقترب منها ومن
تحت سترة رمادية نبش باقة رنجس مبللة بقطرات المطر.. قدمها لها ... قال كلمة
واحدة فقط ... ( إني... ) تسرعت نبضات قلبها ... فرحت .. ضحكت .. رقصت على
الروابي كزوربا اليوناني ... معلنة بسمة الحب الأولى. وشّت شعرها بزهرة
الدفلى _ ولم تكن لتدرك ما هو فأل زهرة الدفلى _ وفي عام 1970 حمل الحمام
الزاجل محبس الخطوبة وفي 1971 توج هذا الحب بالزواج المقدس . كانت ثمرته
ابنتها الكبرى عام 1972وابنتها الثانية عام 1974 . وحملت جنيناً لم يولد بعد
. وفي عام 1975 حطت فألها زهرة الدفلى . اختفى ضوء القمر .. صارت الأرض خربة
وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وجسد الحبيب مات .. مات .. نعم مات الزوج في
التاسعة والثلاثين من عمره اثر نوبة قلبية بتاريخ 5/ 10 / 1975 ماذا تفعل
وعمرها لم يتجاوز الرابعة والعشرون. فردت جناحيها على طفلتين صغيرتين مستسلمة
للدموع راضية بسخرية القدر ومهزلة التاريخ. في اليوم الثالث للبخور _ حيث
يغسل العائد من البخور وجهه قبل الدخول إلى بيت المتوفى كي لا تحّل وفاة
ثانية بذات المنزل _ وبينما هي تغسل وجهها كبقية النسوة، وجدت فيها وجهاً
فتياً ضاحكاً بتهكم وسخرية. خاطبتها فتاة المرآة: ( اصمدي يا امرأة. الرجل
ضروري ولكن ليس كالماء والهواء ) ومن هذه المقولة بدأت مسيرة الحياة بمجداف
واحد وكم وكم نما حولها سمك القرش وتكاثر على غير عادته محاولاً قذف قاربها
إلى شاطئ النسيان وكم وكم كثرت الزوابع تلفها تحملها بعيداً لتلقيها على
صخرة! الموت . أبت تلك المرأة أن تستسلم لملمت بقايا قاربها جعلت منه سفينة
كبرى حملت عليها طفلتيها لتنقذهما من خطر الطوفان الملوح في الأفق. انبثقت من
بين الزوابع كعروس أسطورية تغسل قدميها بماء الحياة فيسري الخلود عبر نسغها
الغض لتبقى أقوى وأقوى ، امتطت صهوة القدر ، سيطرت على جموحه كبرت وكبر معها
طفلتيها تسرد لهما القصص الجميلة وحذرت وسادتها البوح بسر الدموع . غيّرت
الحزن التقليدي بحزن جديد . لاحت له فكرة أن يبقى زوجها حي معها ومع ابنتيها
فقررت أن تجعل إحداهن محامية مثل والدها.. أتنتظر أربعة وعشرين عاماً فابنتها
الكبرى لم تزل دون الثالثة من عمرها ... تراءت لها فكرة أعظم. اذاً لتدرس هي
الحقوق وتفتح مكتب زوجها . سارت مع الحزن الجميل إلى حيث أرادت. درست
الثانوية العامة ثم التحقت بجامعة دمشق وحصلت منها على إجازة في الحقوق وعملت
محامية لمدة ثمانية سنوات ثم التحقت بسلك القضاء وما تزال تعمل قاضية حتى
الآن وان نست تلك المرأة أنه أمام الإرادة يزوي الدمع، تنحسر الرياح.، تشرق
الشمس دافئة ... وان هدأت كل العواصف وسمك القرش قرر الرحيل وان قادت سفينتها
بابنتيها الكبرى مدرسة أدب انكليزي والثانية مهندسة ميكانيك ولم تكن هناك
ثالثة لأنها توفيت قبل مضي عام من رحيل والدها . سفينتها الآن بمجاذيف ثمانية
بنتيها وأزواجهن وأحفادها وان نست كل شيء لم تنس أبداً باقة الرنجس حيث هناك
مكان عزيز تضعها عليه في أمسية شتائية في كل عام ...
....................................................هذه هي _وقد كتب لها
يوماً: سأجد لون عينيك في خضرة المروج ولون شعرك في سنابل القمح أما عظمة
صوتك فلن أجدها إلى الأبد.
"