مقدمات وخفايا
في المرحلة العمرية عندما بلغت سن الثالثة عشر كنت أعيش في كنف أسرة أبوي في دمشق .. والدي كان يزاول عمله على النول العربي ، ووالدتي كانت تقوم بتدوير مواسير اللحمة اللازمة لعمل والدي ( اللحمة هي الخيوط العرضية المؤلفة للقماش ) .. هذا إلى جانب قيام الوالدة بأعباء أسرة ضمت ثمانية أبناء وبنات ، وإلى جانب شغل بيتي أيضا ، حيث كانت تقوم بتطرير السلكات ( مفردها سلك أو شماغ ، والتطرير هو جمع نهايات خيوط السدى - أي الخيوط الطولية من القماش - إلى عقد وقصها مما يعطي السلك رونقا جميلا ) التي يرتديها رجال العرب في بلاد الشام والسعودية والخليج كتقليد شعبي أو وطني أيضا . كانت والدتي تؤدي هذا الشغل إسهاما منها في النهوض بالأعباء المادية المتنامية على الأسرة . وأتذكر أيضا ، أن أخواتي البنات كن يشاركنها في إنجاز هذا الشغل
إخوتي الأكبر مني سنا كانوا يعملون كأجراء وبأجور زهيدة في معامل النسيج ، التي انتشرت في مدينة دمشق وضواحيها آنذاك . أما أنا فكنت من المحظوظين ، بأن سمح لي بمتابعة الدراسة في المدارس الحكومية ( الميري حسب التعبير الدمشقي ) .. إلى جانب دوام المدرسة ألزمني والدي بالعمل على النول العربي ، حيث كان واجبي اليومي هو نسج أربعة أذرع من قماش يبلغ عرضه الذراعين . فيما تبقى لدي من وقت الفراغ كنت أقوم على تلبية حاجات والدي في دكانه في حي المزاز ، ووالدتي في بيتنا في حي الإصلاح .. تارة كان يجب علي شراء الحاجيات للمنزل كالخبز وغير ذلك .. وتارة أخرى كان يجب علي جلب ما شغلته والدتي من السلكات إلى المدينة ( بميم مسكنة ، ويقصد بها وسط دمشق حيث تتواجد الأسواق التجارية ) إلى محل أبو علي الجرائي ( أحد الأثرياء وصاحب محال ومعامل نسيج في دمشق ) الواقع في أحد خانات سوق مدحت باشا
مازال عالقا في ذاكرتي ، أنني في يوم من الأيام كان علي الذهاب إلى ضاحية دمر ( تبعد بضعة كيلو مترات عن وسط دمشق غربا ) لجلب السلكات ، التي كانت تنسجها أنوال النسيج المكوكية في أحد معامل أبو علي الجرائي . تلك كانت المرة الوحيدة التي شاهدت فيها هذه الأنوال الجميلة النادرة في نوعها ، فهي تنسج السلكات البيضاء ، وتدخل في نسيجها الخيط الأسود أو الأحمر بشكل مطرز على سطحها ، وبأشكال مختلفة ، لتدل غالبا على جنسية من يرتديها كونه سعوديا أو خليجيا أو من بلاد الشام
أثناء تعلمي مهنة النسيج عند والدي ، وفي معامل النسيج في دمشق ، وفي الثانوية الصناعية .. وأثناء دراستي الجامعية التقنية للنسيج في ألمانيا .. وأثناء مزاولتي العمل في البحث العلمي .. وأثناء قيامي بمسؤولية تطوير نول النسيج لفترة زادت على العقدين ، لم يخطر على بالي ، بأن أعير أي اهتمام لهكذا نوع من الأنوال ، ناهيك عن الاهتمام بفكرة إدماج تقنية إنتاج السلكات في أنوال النسيج الحديثة
يتبع....