كلنا سنموت الملك والحمار وأنا
الملك من الضجر
والحمار من الجوع
وأنا من الحب ( شعر مترجم )
أثناء انعقاد القمة العربية الأخيرة، تذكرت هذا الشعر، وتمتمت به، كالعجائز.كلنا سنموت. لعلها الحقيقة الوحيدة التي نعرفها، ونغض بصرنا عنها. لكن أن يموت الملك من الضجر، فهذا لانعرفه ولا ينسجم مع ثقافتنا. لا شك انها صورة من الرومانسية الأوروبية، وما خلفته حياة الترف والبذخ في المخيّال الشعري، وبنفس المقدار، ما عكسته تقاليد القصور من صرامة وإنضباط، آنذاك كان ملوك أوروبا يعيشون في غرف وردهات، تزين جدرانها، لوحات الجحيم الدانتي، وصور القديسين وعيونهم الجاحظة. كل يوم كان على الملك أن يمشي الممرات الطويلة الباردة، ويواجه انحناءات الخدم ونظرتهم المكسورة، وتحيات المستشارين المتزلفة، ووجوه الحراس الخشبية، وقسمات الإكليروس القاسية والمكفهرة، ثم يركع أمام أيقونات، مضاءة بشموع خافتة...في ذلك الجو المحتقن بالرموز المتجهمة، قد يتسرب الضجر إلى الذات الملكية، وقد تقفز من أحد الأبراج وتموت!!
في بلادنا تحتلف الصورة، فتاريخ الإستبداد الشرقي منح الملك بحبوحة وأريحية، وأرائك حريرية، وطنافس، وفرشأ وثيرا،وندماء وشعراء، وقيان وغوان، وغلمان، ومحظيين وعلماء وضراطين.في هذا الجو الدافئ والمعتق برائحة ألف ليلة وليلة، وأخبار هارون الرشيد، يمكن للملك أن يبكي و يترك دموعه تنهمر، إذا سمع تلاوة الذكر الحكيم، وبعد أن تجف مآقيه ، يستمتع بغلمانيات أبي نؤاس دون حرج، أو يستأنف تفعيل مبادراته، ووطء ماملكت يمينه وشماله، وعندما يدركه الصباح، تستيقظ السياسة باعتبارها فن المكر والخديعة والدسيسة..هذه المقدمة قد تزعج البعض، لعموميتها وسذاجتها ..فواقع الحال يختلف كثيرا عما سردت..لكني في الحقيقة أمام تجربة جديدة، للتعرف على الظاهرة التوليدية في اللغة، وكيف أن النصوص تلد نصوصا، والكتب تلد كتبا، وكيف أن معظمنا لايملك أفكارا، خارج منظومة الأفكار واللغة التي تأسره..فالشعر الذي تمنطقت وتزندقت به، لا حقيقة له، لكنه يختزن ويشع بساطة ودهشة قادرة على توليد معاني جديدة، تماما كمزامير داوود أو لغة المقدس، التي أستنزفت حبر الأقلام!!
ما أردت قوله لحد الآن، ليس أكثر من عكاز يستند إليه النص كي يبلغ مآربه ويقرر مصيره..فالحديث عن القمة العربية، يبدو لي مختزلا دون سبر المعاني المحيطة بهذه القمة ..والتي تطفو على سطح مركبات شديدة التعقيد..سببها ليس الوضع الدولي المتأزم وقضايا الإحتلال، أو الخصام على كلمة أشباه الرجال، وليس بسبب ( قاف علي عبدالله صالح )، إنما عموم الحالة التاريخية العربية، التي تتجلى في احتقار الإنضباط والدقة والمسؤولية، وتفضل الفوضى والأريحية والعشوائية..فإذا أردتم أن تمتحنوا مثالي الأول، فما عليكم إلا أن تعقدوا مقارنة، بين تقاليد الفاتيكان( القروسطية ) في تنصيب البابا( مثلا )، وما يصاحبها من بروتوكول ونظام فائق الدقة ومظاهر حسيّة وجمالية وأبهة امبراطورية( ديكور، أثاث، معمار، موسيقى، ملابس.) وبين تقاليد حوزة النجف المتواضعة، أو دار الإفتاء السعودية، أو تقاليد وطقوس خيمة الأخ العقيد ...والتي لاتختلف كثيرا عن اجتماع عرب شمّر في مضافة الشيخ الياور. ومنعا للإلتباس، أود التمييز بين سلطة الفاتيكان( نبلاء، إقطاع ) ومرجعيته الإلهية، وبين الحداثة بإعتبارها انتصار للعقل ولمركزية الإنسان في الكون. لكن هذه الحداثة لم تولد من العدم، بل قامت على بنى عميقة، أسسها عصر النهضة ودافنتشي وأنجلو، وغاليلو، وخلقتها منظومة قيمية للعمل والإنتاج الإقطاعي ..وبرغم انتزاع عصا القيادة من الكنيسة، وتحوّل معظم الرهبان إلى (شرطة مرور) ..إلا أن منظومة العمل ورثت نفس تقاليد الإنضباط والصرامة، والتي استمرت عبر ظاهرة الإستعمار وتراكم رأس المال الصناعي والتجاري.
أما في الشرق، فقد استمر اقتصاد الكفاف، واستمرت الصناعات الثقيلة جدا( مثل صناعة غزل البنات وحياكة الصوف بالسنارة ) والتجارة التي تقوم على مبدأ (يا رزاق يا كريم ) ، والغزو أحيانا، واستمرت شحة مصادر الطبيعة( المياه)، حتى ظهور البترول، وازدهار الإقتصاد الريعي ..أي أن الشرق العربي استمر في أريحيته، وبحبوبته، ينتظر غيث السماء، ويتكل على الله الذي يرزق بدون حساب، ثم على الغزوات والأنفال البترولية...وبهذا حافظ على عشوائيته وعدم انضباطه، وعدم قدرته على صياغة عقد اجتماعي، يليق بالعصر الذي نعيشه .بعد كل ماقلت، يصبح الكلام عن مؤتمر قمة الرياض (بالقرب من الدرعية موطن آل سعود، وآل عبدالوهاب ) كلاما لامعنى له، فتفعيل المبادرة العربية التي أكل الدهر عليها، يذكّرني بالتاجر المفلس، الذي يبحث في دفاتره القديمة، عما يسد رمقه .أجمل مافي المؤتمر تأكيده على تمسك العرب بخيار السلام، كخيار استراتيجي ووحيد؟؟ لذا أتمنى من مزارعي البيوت البلاستيكية، إنتاج المزيد من الخيار، كي نتمسك به؟؟
فكلنا سنموت. الملك وأنا والحمار.الملك من الخيار وأنا من الحب والحمار من الضحك.
قصة قصيرة:
عندما اجتاح ابن سعود المدينة المنوّرة( في عشرينييات القرن الماضي) دخلت كتائب الدرعية الوهابية قصرا عثمانيا مهجورا، ودارت في أرجائه معركة حامية الوطيس ، تبيّن أن سببها وجود كثير من المرايا داخل القصر( قصة حقيقية )