آخر الأخبار

«الحرب الطبقية» تستعيد وهجها

بعد مرور نحو الأسبوع على بدء «شغب لندن»، لا يزال البريطانيون يحاولون فهم ما يجري من حولهم. لا تفسير واضحاً لهذه الانتفاضة التي تفتقد القيادة في لندن وغيرها من المدن البريطانية. لكن رسالة الغضب طبعت نفسها في الوعي العام، محيية الحرب الطبقية القديمة.. وسط الرماد القاتم واشتباكات الشوارع.
يصفهم المراقبون بعصابات الجانحين والمجموعات المنظمة او حتى الانتهازيين الجشعين والشباب الساخطين الذين عاشوا البؤس يوميا حتى اندلاع الأزمة. في الحقيقة، هم يعكسون تنوع بريطانيا الحضاري. هم الجميع ولا أحد. هم مجرد أطفال...
ان الاضطرابات التي بدأت في توتنهام المختلطة عرقيا، حيث وقعت أحداث الشغب الشهيرة في الثمانينيات، تفاقمت الى مستوى لم يتصوره احد: أعمال تخريب وحرائق قلبت إحدى الدول الأكثر ازدهارا في العالم رأسا على عقب.
وعكست الأحداث حالة «الطبقة العاملة». فالتظاهرات الأولى احتجاجا على وفاة الشاب مارك دوغان برصاص الشرطة، أظهرت الكراهية المتأججة منذ فترة طويلة ضد رجال الشرطة، الذين اشتهروا بالاساءة للشبان السود والآسيويين (كما هي الحال في مدن الولايات المتحدة)...
في الوقت ذاته، يكافح الشباب البطالة الهائلة، خصوصا في ضواحٍ فقيرة كتوتنهام، بينما تتعامل حكومتهم برفق ودلال مع الشركات التجارية الكبرى فيما تقلص من التمويل المخصص للخدمات الاجتماعية الأساسية. وعلى الرغم من أنه من غير الحتمي أن تؤدي مثل هذه الاتجاهات الى الفوضى، من الواضح أن للشباب حافزا كبيرا للتوافق حول نبذ نظام اجتماعي يُشعرهم بالعجز تماما. هذا ما أكدته الكاتبة في صحيفة «ديلي تلغراف» ماري ريدل محذرة من أن «في المجتمعات غير المستقرة، يمكن لسلطة الشعب، الموهوبة او المسروقة منه، أن تكون سامة».
حتى الآن، هناك غياب واضح لحركة يسارية او عمالية تضبط هذا الأداء المعارض وتحوّله الى فعل ايجابي. لذا يجب الإجابة على السؤال التالي: «لماذا يعيش شبابنا هذا الغضب وكيف يمكننا تأمين وحدة مجتمعنا؟». يختصر طرح سؤال «لماذا» الاستنتاج التالي: لا شك في أن العلل النظامية تغذي الاضطرابات. لكن الافتراض أن أعمال الشغب هي مجرد مظهر يعكس اليأس، يعزز الصورة النمطية التي تقول ان سلوك «العداء الاجتماعي» يخص فقط الشباب الفقراء «الملونين» (غير البيض، كالسود والآسيويين والعرب...). وبينما الجميع منشغل في توصيف «المرض الشبابي»، قد تكون مفيدة اكثر دراسة المواقف السائدة في المجتمع التي غذت بهدوء مثيري الشغب وحرضتهم على «الجريمة».
ان العلاقة واضحة بين الجنون في الشوارع والوهم الكبير الذي يسوّق له البرلمان وهو أن الفقراء هم من يتحملون مسؤولية ورطتهم... فلسفة عميقة الجذور غلفتها تخفيضات «المجتمع الكبير» الخاصة بالتقشف.
ان تخريب الممتلكات ليس جديدا على بريطانيا، اذ سبق واستهدف المتظاهرون المناهضون للرأسمالية، في كثير من الأحيان، المحال العالمية الكبرى مثل «ماكدونالدز» و«ستاربكس»، لكن ضرب الشبان المتورطين في اضطرابات آب الحالي، للمراكز التجارية المستقلة والمحال على حد سواء، يشير على الارجح الى رفضهم القيم المفروضة على بضائع معينة.
دفع ذلك العديد من المدوّنين الى التعبير من خلال الانترنت عن تضامنهم مع «المتورطين في شغب بريطانيا»: « نقدم دعمنا لأولئك الذين يشاركون في الانتفاضة. هذه المشاعر تمتد إلى كل مثيري الشغب وتلك المجتمعات المتأثرة بها. علينا أن نعترف بأن هذه الاضطرابات قد دمرت معيشة الكثير من الناس، وحرقت المنازل، لكننا نعرف أن هذا النوع من السلب والنهب والتدمير هو الإجراء الأخير لدى الفقراء والمحرومين للتعبير عن انفسهم».
.. البحث عن الطبقة السياسية المذنبة في خلق الاستبعاد الاجتماعي الذي أدى إلى «الفوضى»، محدود جدا، وهذا غير مستغرب. لكن يفترض الإقرار بأن المشكلة ليست في عدم وجود فرص تعليمية أو برامج خاصة بالشباب في هذه الأحياء، بل في أن الأهالي الفقراء لا يستطيعون السيطرة على أبنائهم.. قطع رئيس الوزراء لعطلته الصيفية ونشره 16 ألف شرطي لكبح أعمال العنف يشعراننا كأن الدولة تنتظر الذريعة المناسبة لشطب «وحشية» الشباب الميؤوس منهم وتبرير سحب الاستثمارات من مجتمعاتهم.
تقترح هانا سيل من الحزب الاشتراكي الشعبي إجراءات شعبية كالتي يأخذها شباب «الربيع العربي» وبالتالي إعادة تأطير الحوار العام حول النزاع الشبابي... «ففي حين أن أعمال الشغب تلقى تغطية إعلامية كبيرة، ها هي تتيح لوسائل الإعلام الرأسمالية وللحكومة، فرصة تشويه صورة الشباب وتوسيع الفجوة بين المناضلين ضد الحكومة. لذا لا يمكن للحكومة ان تُهزم سوى ببناء حركة متحدة من جميع الخاضعين لهجوم هذه الحكومة. اما الطبقة العاملة المنظمة فيبقى لها الدور الاكبر والرئيسي».
«ألترنت»