o ملاحظات حول الوثيقة
1- في الشرط السوري " البنية والتاريخ"
تقول الوثيقة " ليست الأزمة أزمة وجود نظام دكتاتوري ..فحسب . ولا تنطلق من شروط داخلية حقيقية لتبقى في حدودها ...بل هي أزمة مركبة لبنية مجتمعية وسياسية سورية خاصة "
وتحصي الوثيقة هذه الشروط فتقول : " لم يتح لهذه البنية الفرص أبدا أن تكتسب وعيا تراكميا ديمقراطيا عميقا . وحافظت بشكل استبطاني أو صريح على العصبيات المتخلفة . كما أن الأزمة تتمفصل مع الشرط السوري الجغرافي - السياسي القومي ,والمشاريع الاقليمية الأخرى .وشروط الصراع مع الكيان الصهيوني "
لاأدري أين هي التمايزات عن المحيط العراقي أو الأردني او المصري في السرد السابق للخصوصية السورية . ثم تمضي الوثيقة لترّكب استنتاجا بعد هذا الفاصل التحليلي فتقول " ترك ذلك عددا من التحديات ...بشكل خاص ما نطلق عليه التحدي الديمقراطي ,والتحدي الوطني ...والانقسام حول اولوية المهمتين والحلقة المركزية "
أزعم أن في هذا التحليل اختزال لعناصر البنية ,أفضى الى تركيب استنتاجات لاتزود " الطريق الآمن للخروج من الازمة " بالشواخص والاشارات التي تمنع من التوهان ..
أ - بصدد العصبيات المتخلفة : نشأت الدولة السورية الراهنة على طاولة المساومات بين المنتصرين في الحرب العالمية الاولى . هذا الشكل من من نشوء الدولة بواسطة المسطرة والقلم والخرائط ,عّقد كثيرا عملية التعّضي الوطني . خصوصا أن ما طاف على السطح هو مشروعان متنافسان : المشروع العروبي ,والمشروع الاسلامي .. وكلا المشروعين عابران لحدود الدولة السورية ,مما موضع هذه الأخيرة في خانة المؤقت الذي يأبى الرحيل ولا يكتسب صفة المقيم . أي ان الدولة السورية راوحت في منزلة بين منزلتين : دولة الغلبة الخلدونية والدولة البرجوازية الحديثة ..وبقيت مهمة تأثيثها بالشروط المعاصرة للعيش في ترحل دائم: الى مابعد تحرير فلسطين او الى ما بعد الوحدة ..الخ ..
لاشك ان لهذا الوضع أرجله العالقة في شروط التحول الرأسمالي بقيادة رأسمالية الدولة ..ومن هنا التشارك في الملامح بين معظم الدول التي اضطرها تحولها الى الرأسمالية في عصر الامبريالية لسلوك هذه الطريق "طريق رأسمالية الدولة " ..أي أ ن دكتاتورية النظام السوري قصبة نبتت كغيرها على ضفة هذا المجرى التاريخي للتحول المتأخر الى الرأسمالية . منه تمتح لوظائفها الحيوية نسغ البقاء . هذا يفضي للقول : ان التحول الديمقراطي الذي تتحدث عنه الوثيقة كأقنوم من اثنين, ليس اكثر من تذاهن مع تمنيات المثقف. و لاتصدر عن مقاربة تحليلية لتبلور شروط التحول في المستوى :الاقتصادي والايديولوجي والسياسي .
في رأيي أن ما يتمظهر على سطح الازمة الراهنة "كشرط ناضج للتحول الديمقراطي " أشبه بمحاولة ايقاد النار في حطب رطب..فالربيع السوري والعربي يصح فيه المثل العامي "لادفء فيه , و دخانه يعمي "
وبمقاربة أدق اقول :
ان نضج الشرط الاقتصادي للتحول الديمقراطي في سورية , لم يترافق مع نفس المستوى من النضج للشرط السياسي .أي أن هناك وضعا مقلوبا للمألوف: عن دور الوعي في قطر التحولات تحت شرط التأخر " وهو ما درسه ماركس في الأديولوجيا الألمانية " انظر عبدالله العروي -العرب والأيديولوجيا ..فبدلامن أن يعوض نضج الوعي بالتغيير "عجر " بالراء : الشرط في البنية الاقتصادية -الاجتماعية يحصل العكس في دولة رأسمالية الدولة . لاشك أن لذلك تفسيره في التعقيم المستمر من قبل نظام رأسمالية الدولة للحياة السياسية وما يتصل بها من روافد فكرية وثقافية .واجتثاثه لكل تراكم في الوعي السياسي يحصله منا فسوه داخل الطيف المتنوع للنخب العلمانية. لكن للقصور أسبابا اخرى .وعلى صلة بالاسهال النقدي الذي لايستند الى معرفة عميقة بعدة النقد او بالمنقود . التعامل مع الفكر بانتهازية .ومع المعضلات بقصر نفس . والمكوث الطويل تحت الأرض بعيدا عن تداول المسؤولية وفقا للأساليب الديمقراطية .مما وحد من هذا الجانب بين السلطة ومعارضتها العلمانية .
ب- في الأزمة الراهنة : هناك الكثير مما يقال في أن انضاج شرطها السسيولوجي لم يكن بعيدا عن اليد الخارجية :
1- داخل هيكلية النظام. و لقطع الطريق على نضوج وعي للمصالح يعكس تشابكا بين منبعين للتبرجز :السوق الدولة .يسمح به التساكن الطويل الأمد في كنف النظام "نظام رأسمالية الدولة ". وعي يضع التحول الديمقراطي على أجندة الفئات العليا من الهرم الاقتصادي- الاجتماعي السوري .
لقد بدأت بواكير هذا الوعي منذ اوائل تسعينات القرن الماضي . وشوهدت عجقة سير على خط عرقلته من قبل المركز الامبريالي ,"الاوروأمريكي " طيلة السنوات العشر الأخيرة . وتناغمت الوسائل المستخدمة : بين الضغط العلني "العسكري والاقتصادي " بدءا من الاحتلال الأمريكي للعراق, الى اخراج القوات السورية من لبنان ,الى حرب تموز 2006من جهة ,ومن جهة اخرى سرّب المزيد من احصنة طروادة لأخذ النظام من الداخل .كانت أجندة البنك الدولي يجري تزيينها وتمريرها تحت همروجة اقتصاد السوق الاجتماعي ,آخذة القاع الاجتماعي السوري الى خيار الاحتراب الأهلي في ظل غياب آليات سياسية تفرمل خيار "الحرب الأهلية " بتوجيه الضغط الى قنوات تفضي لتحريك القطار السوري على سكة التحول الديمقراطي المقرون بالعدالة الاجتماعية ..
الخلل الواضح في التوازن بين الحوافز الخارجية والحوافز الداخلية للحراك السوري -لمصلحة الأولى - اكدته وقائع تفقأ العين : من اصطفاف غير مسبوق لجميع وسائل الاعلام الناطقة باسم التحالف الأوروامريكي -الصهيوني -الوهابي . الى التحبير اليومي لخطوط التمايز الدينية والمذهبية .الى تدفق الأموال والأسلحة والمجاهدين, لدعم موطئ القدم الذي احتلته الوهابية داخل الاسلام الوسطي الذي بلورته عبر التاريخ التجربة اللاهوتية للحواضر الاسلامية الكبرى "دمشق ,بغداد ,القاهرة ...ألخ " ..كل ذلك يجب ان تأخذه بعين الاعتبار أية وثيقة "علمانية " عند مقاربتها للأزمة السورية ..
ان نزح ما هو خارجي " دولي -اقليمي -عربي " الى خارج الحفرة التي حفرتها الأزمة في سورية ,يسهل على الخطاب العلماني تناول البعد الداخلي للأزمة بحجمه الطبيعي ,ويقلل من الالتباسات التي تنشأ عن اختلاط العناصر . هذا في رأيي يسّهل رؤية " الطريق الآمن للخروج من الأزمة "
ان تفكيك العناصر الداخلية والخارجية هو عملية ذهنية بحتة .لكنها وهي كذلك تشكل المدخل المعرفي للخروج من حالة "اختلاط الحابل بالنابل " التي ضربت عقل النخبة العلمانية السورية فتوزعت على الخنادق المتقابلة .. وفي هذا الاطار أضع ماتعلنه الوثيقة حيال عسكرة الانتفاضة والتدخل العسكري الخارجي . لكن هذا لايكفي .. ينبغي الذهاب عميقا باتجاه تفكيك منشأ الالتباس المعرفي الذي جر الفاعلين السياسيين في المعارضة العلمانية الى التخبط العشوائي في هذا المستنقع . لايتم ذلك بدون العودة الى الشروط الأيديولوجية,
والجيواستراتيجية التي هيمنت في التسعينات على اثر انهيار المنظومة الاشتراكية. ووضعت النظام والمعارضة اليسارية في مهب الأسئلة الكبرى . الى هذا المناخ ينبغي العودة لمعرفة الاكراهات والاغراءات التي عملت على زج الدولة السورية و الاجتماع السوري في المأزق الاقتصادي- الاجتماعي الراهن .وأزيد أيضا في المخنق الذي يعانيه الوعي . لم تعد الأديولوجيات اليسارية التي عجزت عن تجاوز المحنة السوفييتية قادرة على البقاء في موقع الهيمنة .مما فتح الباب لصعود الايديولوجية الدينية كخيار منافس . بقيت نقطة :هي علاقة الخيارات بمصالح تشكلت داخل دولة رأسمالية الدولة .فهذه الأخيرة كانت بيضة القبان في صناعة الميل للخيار الليبرالي الذي كان لأيمن عبد النور وطاقم عريض من دكاترة الاقتصاد فضل تزيينه في ندوة الثلاثاء الاقتصادي التي كانت مسرحا للمبارزات الايديولوجية بين الفريقين : الليبرالي /الاشتراكي . خروج الراحل عصام الزعيم من الوزارة كثمرة لمناورات مافيات السلطة والخصوم الليبراليين كان مؤشرا لانعطافة حادة ستفضي لتجريف القاعدة الاجتماعية للنظام .القاعدة التي وقفت موقفا مختلفا في أزمة الثمانينات . ان تسليط
الضوء على خطوط التمايز الأفقي داخل البنية الاقتصادية -الاجتماعية السورية ,واعادة تعليمها ومحاولة تشغيلها بما يضعف هدير التمايزات العمودية هو المخرج من حالة الشلل التي تعيشها الأيديولوجيات الحديثة . ويتم ذلك بالدخول الكثيف السياسي والأيديولوجي عل خط الأزمة لحرفه عن المسطرة الخارجية التي تحدد لها سمتها الولايات المتحدة الأمريكية : باعتماد الاستثمار في الوهابية خيارا استراتيجيا لتامين ديمومة مصالحها فيما يتعلق بالطاقة والجيواستراتيجيا .. ان تسعير الصراع السني -الشيعي سيضمن حالة استاتيكو للبنى الاقتصادية -الاجتماعية في العالم الاسلامي من جهة .ومن جهة أخرى سيشكل ثقلا اضافيا يفرمل الدينامية المتصاعدة للجوار الروسي والصيني والهندي ويخلق مخانق لاهوتية في وجه قنوات تبادل المنافع "خطوط نفط وغاز وسكك حديدية ..الخ " ان الحرائق التي تشعلها الوهابية حيث تشير الاصبع الأمريكية ترفع من مكانتها لدى هذه الأخيرة بما يتجاوز الصهيونية كلاهوت سياسي وضع شطرا من يهود العالم في خدمة الامبريالتين الانكليزية ومن ثم الامريكية ..
العقبة التي واجهت كل محاولات النهوض في المنطقة منذ قرنين هي المستوى العالي للتدخل الخارجي الممارس لمنع التعضي الداخلي من أن يحتل موقع الهيمنة داخل المعادلة التي تتحكم بكامل العملية التاريخية " الإندراج في المشروع الكوني الحداثي الذي شكل التحول إلى نمط الإنتاج الرأسمالي سمته الرئيسي "
لم تشهد منطقة في هذا العالم تكثيفا للعامل الخارجي في صناعة سياقاتها السياسية و الإقتصادية و الأيديولوجية . و لا أعني بذلك المستوى المعروف من علاقة المتقدم بالمتخلف . بل أعني المستوى الذي يتعدى ذلك نحو المراقبة اليومية من قبل الطرف الأول للطرف الثاني. و محاولته ضرب أجنة التغيير في الأرحام . و الدعم المطلق للمعوقات الداخلية . و الإجتهاد في تطويرها : تزويدها بأسباب البقاء عبر إقحامها في شراكة استراتيجية , تتولى المنافع المتبادلة تطويل عمرها إلى ما شاء الله ... و أكتفي بعنوانين رئيسين : الوهابية و الصهيونية ...
يكفي تفحص حركة القومية العربية التي استندت منذ منتصف القرن الماضي إلى حامل اجتماعي " الطبقة الفلاحية " أهلها إلى فتح الأفق المغلق أمام التحول الرأسمالي . فأحدثت أعمق تفكيك لعلاقات الإنتاج "الإقطاعية - الخراجية " و فتحت الباب للعبور بين الطبقات . و استبدلت طريقاَ طويلة للتحول التقليدي إلى الرأسمالية " نمو طبقة برجوازي حديثة " بطريق أقصر سبق أن جربته الماركسية - اللينينية " التحول في إطار رأسمالية الدولة "
هكذا نستطيع القول أن استنهاض خطوط التماس بين الطبقات يمثل أجدى محاولة لإعادة الإمساك بدفة التحولات الجارية تحت راية ما تسميه الوثيقة " التحدي الديمقراطي " ... لا ينبغي التلطي وراء مايمكن توصيفه هجائياَ " الجمهور عايز كده " أعني تملق الحركات الشعبوية " و الإسلام السياسي الآن يتصدرها " فنحن مسؤولون بالدرجة الأولى عن المستقبل . و المستقبل لا يصنع بوسائل مشتقة من "الماضي " نظام تفكير . و انحيازات عقيدية مركبة على هرم بذل الثروة مميز للطابع الخراجي المقيم منذ بضعة ألاف سنة في الحوض الحضاري الإسلامي - البوذي " لقد كشفت يوميات الأزمة السورية حجم العناد الذي يتلطى بشعارات التحول الديمقراطي ليستر الأجندة المشتركة لشريكين استراتيجيين " الولايات المتحة الأميركية - الإسلام السياسي "
لا يمكن الإفلات من عنق الزجاجة إلا باستنهاض الأليات الأخرى للصراع . أعني الأليات المعبرة عن البنية في تراتبها الطبقي و ليس في انقساماتها الثقافية " دينية و طائفية ... إلخ "
و في هذا الإتجاه لا مكان لتحالف علمانيين من مختلف المشارب السياسية مع الإسلام السياسي ... يقوض ذلك تمايز للمصالح جرى في العقود الخمسة من عمر نظام رأسمالية الدولة السوري , يضغط باتجاه التحول الديمقراطي ... و يأخذ تعبيره بهذا الطور من الأزمة : الإفراج عن إصلاحات سياسية طالت الدستور و موضعت صندوق الإقتراع كمكان لإنتاج السلطة ... إلخ ربما كانت الحزمة من الإصلاحات التي أطلقها رئيس الجمهورية لا تكفي . و لكن رميها بلا مبررات كافية في سلة عدم المصداقية , لا بعبر عن مصداقية الناشطين السياسين في المعارضة . و يشير إلى " تبكيل عن ضعف أو عن حماقة سياسية " مع الإسلام السياسي , أو مع الولايات المتحدة الأميريكية و حلفائها في الخليج . و يجري تبرير ذلك داخل الأوساط اليسارية بكل ما يقع تحت اليد من هجائيات ثأرية ينتجها عادة فكر سياسي مأزوم يدور حول نفسه في حيز صغير من حقل فسيح للحلول . عقل مصاب بما يسميه " ميليتش "بالصرامة العقلية .
يفضل هذا العقل اليساري إخراج النظام من دائرة المفكر فيه . لا يراه كظاهرة سيالة محكومة بالتناقضات و بأفول وظائفه " إحداث نقلة نوعية في مجرى التحول الرأسمالي تحت الشرط الإمبريالي "
تأخذ هذه الأوساط النظام كبقجة واحدة من الأبالسة الذين نطو إلى السلطة في غفلة من الدهر وينبغي انتزاعها من أيديهم . و هم بهذا التحليل يتماهون عقلياَ مع اللاهوت الطائفي للإسلام السياسي . لا يفصلهم عنهم سوى غشاء بكاره يساري جرى ثقبه و ترقيعه أكثرمن مره في مجرى الصراع مع النظام طيلة العقود الخمسة المنصرمة " جولات الصراع في 1964-1980-2011 "
يغيب عن البصر صدور النظام عن جدلية التحول الرأسمالي المتأخر . حيث تقوم الدولة الممسوكة من قبل ائتلاف شعبوي بتفكيك علاقات الإنتاج الإقطاعية - الخراجية نيابة عن برجوازية يمنعها من النمو كي تشب عن الطوق أليات التبادل غير المتكافئ السائدة في عصر الإمبرايالية .
هكذا توزعت نماذج رأسمالية الدولة بين حدين : الرأسمالي الوحيد - الرأسمالي الكبير
في الصنف الثاني يتموضع نظام رأسمالية الدولة السوري الذي باشر بناءه حزب البعث منذ منتصف الستينات . و بلغ مداه و تحددت تخومه في عهد الراحل حافظ الأسد
يجب التمعن في آليات بزل الثروة في نظام رأسمالية الدولة لتدقيق التشكل الطبقي للإجتماع السوري:
1- في الجزء المتروك كملكية خاصة من وسائل الإنتاج التي لم يطالها التأميم سارت الأمور وفقاَ لأليات السوق .
2- في القطاع العام المملوك إسمياَ من قبل الدولة الذي آلت أمور التصرف فيه بالتدريج إلى الممسكين بالمفاصل الرئيسية لهرم السلطة . فبعد إقتطاع شطر - يتناقص بالتدريج - من ناتج وسائل الإنتاج لتوزيعه على قاعدة إجتماعية واسعة و بأشكال متنوعة " رواتب و أجور و خدمات تعليمية و صحية و دعم للسلع و توسيع البنية التحتية للإنتاج و للخدمات - طرق - سكك حديدية - سدود - شبكات ري- معامل - شركات ... إلخ يؤول المتبقي إلى جيوب طبقة برجوازية دولة راحت تتغذى من مصدرين لبذل الثروة : القطاع العام الممسوك من قبلها, و القطاع الخاص الداخل معها كشريك في تبادل التسهيلات و المنافع والصفقات ..
في هذا الشوط من التشكل الطبقي لجناحين من البرجوازيةالسورية ,تراكمت شروط الحاجة لاعادة النظر في النظام السياسي المولود من رحم نظام راسمالية الدولة المنتهي الصلاحية ..اعادة نظر تجري تحت ضغط الحاجة الى توفير مناخ آمن لادارة الثروة ,وتناقضات المصالح بواسطة نظام سياسي جديد مزود بصمامات أمان أكثر جودة لتنفيس الاحتقان الاجتماعي ..من هنا دقة القول بأن شروط التحول الديمقراطي مستنفذة في الطابق الأرضي للبنية ,وعلى غير ذلك في الطابق العلوي . تبرهن على ذلك أزمة الوعي التي تعصف بالفكر السياسي الرائج في الأوساط المعارضة من الناشطين السياسيين والنخب الثقافية التي وضعت نفسها في خدمة استراتيجيات النظام حيال قضايا العروبة وفلسطين والاشتراكية .
التبسيط وقصقصة المفاهيم وفق الطلب ,والنمو الورمي لأنصاف المثقفين جعل المشهد السوري أرضا بورا لم يقلب تربتها الفكر السياسي
أية آفاق تنتظر الوضع السوري ؟.
. نحن في قلب معركة معقدة .المركز فيها سورية. لكن على نتائجها تتحدد مصائر طيف واسع اقليمي وعربي ودولي لمصالح وسلالات حاكمة . قد تذهب الأمور الى تسوية مؤقتة بين المتحاربين . يتوقف ذلك على القرار الروسي - الأمريكي . وقد تتأخر التسوية الى نقطة أبعد في حسابات الربح والخسارة لخطي المواجهة العابرين للحدود المحلية والاقليمية ووصولا الى الدولية . هذا لايعني ترحيل مستمر للتسوية بسبب هذا التشابك بين الدوائر . أظن شخصياً أن المخرج قد يبدأ من " تسوية محلية سورية " قاعدتها تفكيك النظام بالتدريج بين السلطة والمعارضة الوطنية ، أشدد على الوطنية ، لان المعارضة التي يقودها غليون مرتيطة بالخارج, وهي جزء من مشروع أمريكي -وهابي لاستعادة سورية الى موقع غادرته بعد ترنح قصير منذ الاستقلال .البعد الداخلي للأزمة اذا ما تم التركيز عليه لزحزحة الاصطفافات الراهنة, قد يختصر المدة التي تفصلنا عن التسوية . فبمقدار ما هو صحيح القول أن العامل الداخلي ليس البعد الوحيد للأزمة لكن التعرف على طريقة تعشيقه مع البعد الخارجي يفتح على امكانية فك التشابك بينهما .
للتأثير الخارجي ثلاث بوابات رئيسية:
-البوابة الاقتصادية : فتحت بعد أن قبل النظام - بعد انهيار المنظومة الاشتراكية - بارشادات الفريق الليبرالي التي انتجت مزيد من خيوط التحكم الآورو- امريكية ببنية الاقتصاد السوري ,وأضعفت الاستقلالية النسبية التي تمتع بها هذا الاقتصاد عن تأثيرات السوق الدولية . الاستقلالية النسبية التي سمحت له طيلة عقود برعاية شؤون قاعدة اجتماعية واسعة ضمنت له استقرارا سياسيا محميا من تأثير بقع للاحتجاج هنا او هناك .
-البوابة الأيديولوجية : الديناميكية المتضائلة لادلوجة العروبة أمام الحيوية المتنامية للا سلام السياسي أعطى للوهابية في سورية موطئ قدم توسع تدريجيا على حساب الاسلام الشامي الأكثر اعتدالا .وزود بقع الاحتجاج الاجتماعي براية ايديولوجية قادرة على تجاوز خطوط التراتب الطبقي وصولا الى تشكيل جبهة احتجاج مذهبي قلصت قاعدة النظام الاجتماعية وصولا لحشرها داخل تخوم الأقليات الدينية والطائفية الخائفة على المصير .
- البوابة السياسية : آلت الحياة السياسية داخل انظمة رأسمالية الدولة الى الموت التدريجي بفعل آلية بزل الثروة وتوزيعها . الطايع الهرمي لتمركز كل من السلطة والثروة سحب من التداول الحاجة للآليات الديمقراطية لتنظيم التنافس ..هذا أعطى للولايات المتحدة الأمريكية كقائدة للمعسكر الرأسمالي ورقة الحرية المحددة تخومها "بالديمقراطية : كاطار لتنظيم الصراع الاجتماعي بتزويده ببضعة صمامات لتنفيس الضغط : صندوق اقتراع وأحزاب واعلام " .لذلك شهدنا قوس قزح من الثورات الملونة يقوم بها جمهور مستلب بنمط الحياة الأمريكية .نمط حياة تعوّمه السينما والتلفزيون والصحافة على سطح مجرى يعج بتماسيح المال المنهوب بواسطة التبادل غير المتكافئ في السوق الدولية من المجتمعات والأمم التي يضعها شرطها التاريخي في قاعدة هرم بزل الثروة العالمي . هكذا تحولت مسألة الحرية الى مفتاح للتدخل بسيرورة المجتمعات الآخذة بالتحول من راسمالية الدولة الى الدولة الرأسمالية . بالنسبة للمجتمعات العربية والاسلامية ,تستعمل الولايات المتحدة الأمريكية الاسلام السياسي- بعد ان احتلت الوهابية فضاءه العقلي - وسيلتها لكنس وتنظيف ماراكمته هذه ال
مجتمعات من شروط التحكم الذاتي بادارتها للثروات والموارد .وهي شروط تطال السياسة والأيديولوجيا والاقتصاد والثقافة وشبكات المصالح العابرة للانقسامات العمودية تمهيدا لاعادة هذه المجتمعات الى حالة الستاتيكوالتاريخية ..
قبل تضييق هذه البوابات التي يعبر منها العامل الخارجي لن نستطيع الافلات من تأثيره السلبي على السياقات التي ستذهب اليها الأزمة . ولن نستطيع تقليص الوقت المتبقي للخروج من الازمة ، القوى الخارجية المعادية هي من يرعى اطالة أمد الأزمة . o ذلك أن المعارضة الوطنية التي تعلن تحفظاتها على رفع جرعة التدخل الخارجي " تدخل عسكري -تسليح المعارضة ..ألخ " لاتجرؤ على فك تحالفها مع المعارضة الخارجية- التي أخذت علنا بهذه الخيارات - خوفا من فقدان الوزن على طاولة الحوار التي تدعو اليها السلطة . هي من هذه ا لزاوية-أعني المعارضة الوطنية - لاتنظر بعين المصلحة العامة بل بمنظار مصلحتها الخاصة . وهذه آفة العمل السياسي في سورية وربما العربي . بمعنى أن الخارج الذي يعمل على عرقلة الحسم من قبل النظام ,لن يسهل الوصول الى تسوية بين طرفي المعادلة"السلطة والمعارضة " لأن الهدف هو تقسيم سوريا لأسباب جيوبولتيكية . فالكيان الصهيوني معني بالدرجة الأولى بخلق مجال حيوي آمن. وهذا الهدف يمر عبر تقسيم أي مركز للقوة يتشكل في محيطه .
المعارضة الوطنية تورطت في مسايرة شعارات الحراك وتبنته بعد تلكؤ وتردد.. اليوم تتضاعف مسؤوليتها لأنها أمام خيارين ولدا في اطار اصطفافات حادة افضت اليها الوقائع الميدانية والسياسية ... ثم ان المعارضة الوطنية حين تركت نفسها في مهب نزعات فصائلية وأمراض سياسية , كفت عن ان تكون طرفاً مؤثراً في سياق ما يجري حالياً ..ما نود التركيز عليه هو اقناع قطاعات مؤثرة من المعارضة الداخلية بضرورة الذهاب الى طاولة الحوار بمعزل عن مخاوفها . أظن أن سورية وصلت الى نقطة اللاعودة بالنسبة لتفكيك النظام .أما الاصرار على اسقاط السلطة فياتي من التشبيك مع الأجندة الخارجية .بالفعل ما يضمن تجاوز الأزمة الراهنة هو الذهاب الى طاولة الحوار.. نعم لـ " تسوية تاريخية " تحمي سوريا . o
الجيوبولتيك السوري : هو الذي وضع اسقاط السلطة كشرط أمريكي- وهابي -اسرائيلي للتسوية . على المعارضة الوطنية أن تفك أرجلها من هذا الوضع الذي وجدت نفسها فيه هذا يقتضي اعادة التموضع تبعا لرؤية للمشهد كدوائر بمركز واحد ونصفي قطر يحددان خطي الصراع السوري والاقليمي والدولي.
فلا تشاغب شعارات الحرية على الاتجاه الذي تحدده ابرة البوصلة :الصراع مع المركز الامبريالي المتحكم عبر التبادل غير المتكافئ ببزل الثروة .
والجيوبولتيك: هو السبب الذي جعل من لبنان والأردن دولتين وظيفيتين. الاردن كان تايخياً دولة عازلة.و تحوّل بعد احتلال العراق الى دولة واصلة ..الكيان الصهيوني يفكّر بمنطق المجال الحيوي الآمن..لذلك يتعامل مع سوريا كمركز:شامي - قومي .. تفكيكها وتقطيع اوصالها سيحول المركز الى أطراف .لكل ذلك يجري الكز على البعد الطائفي للحراك في محاولة لتصوير السلطة كممثلة لأقلية طائفية مما يسّهل القضم المذهبي لقاعدتها الاجتماعية المتنوعة . ويجري تنفيذ الجزء المهم من هذا المخطط بالتعاون مع الاخوان والسلفيين المدعومين من قبل مشايخ النفط في الخليج .أما الجزء الآخر فتتولاه التغذية الراجعة التي يؤمنها اندلاع الصراع المحلي على المقدس . هذا يرتب على القوى العلمانية مسؤولية مضاعفة لانتزاع الحراك من طابعه الطائفي .عبر عقلنة مطالبه ووضعها تحت سقف الوطنية السورية . اشكالية المجتمعات العربية حالياً -والسوري منها - أنها تنام على قابلية لمماهاة الدين مع السياسة.. المذاهب هي قوالب لاهوتية للصراع السياسي .أوبتعبير آخر "أحزاب ما قبل الدولة الحديثة " مارس بها المتنافسون في السياسة على مدار القرون انتاج دولة ا
لغلبة السلطانية أو الامبراطورية في اطار جدلي بين الديني والقبلي ..لم تنجح حتى الآن الدولة العربية الحديثة الفصل بين الحقلين الديني والسياسي . لم تنغرس العلمانية "ادلوجة الدولة الحديثة "في البنية الاجتماعية . ظلت عائمة على السطح السسيولوجي السوري والعربي .وترمى على الشط كسمك ميت كلما قرر الخارج النفخ في أشرعة قوى الاعاقة .. الحقل الديني والحقل السياسي ينبغي تعليم التخوم بينهما .كل منهما اذا ما تخالطا يفسد الآخر ويعطل وظيفته.هذا ماجرى طيلة قرون.وهذا ما التقطه الاستشراق الذي جير خدماته المعرفية بشعوب المنطقة الاسلامية للسياسات الامبريالية . من هنا متانة العلاقة بين الامبرياليتين الانكليزية ثم الامريكية بالوهابية "كحالة قصوى للتدين السياسي " لاعاقة أي مشروع نهضوي منذ محمد علي ..لذلك ليست صدفة أن تكون القاعدة مُنتج وهابي و الاخوان منتج وهابي ,وآل سعود منتج وهابي.. ولكل ذلك فان ازاحة الالتباسات من عقل النخبة العلمانية يفتح الطريق لوضع القطار على السكة ...سكة الخروج من الأزمة ..