حوار مع الروائي خيري الذهبي ( 1 / 2 )
كنت أعرف خيري الذهبي من خلال عدد من أعماله الروائية وخاصة ملكوت البسطاء و حسيبة و ليالٍ عربية في الماضي.. وأخيرا لو لم يكن اسمها فاطمة . ولكل من هذه الأعمال جمالها ومكانتها في رسم ملامح المرحلة التاريخية التي اختارها وبناء عالمها الروائي الواضح في شخوصه المتصارعة وأهوائهم ومصالحهم المختلفة، إضافة إلي لغة أدبية متميزة وأسلوب جذاب يزيد قارئه حبا بلغته العربية. وفي هذا اللقاء، تبين لي أكثر فأكثر جمال هذه اللغة من خلال تدفقه بالحديث ووضوح أفكاره ومدي تمكنه من أدواته التعبيرية مما يجعل حديثه لا يقل جمالا وسلاسة عن كتابته. وهذه المزايا تذكرنا بالسنوات العديدة التي أمضاها الأستاذ خيري الذهبي في تدريس اللغة العربية، وهو يتمتع بذاكرة قوية ومتابعة للتاريخ القديم والحديث، كما يهتم كثيرا بالعادات والنثريات أو المنمنمات الصغيرة التي يتداولها المجتمع السوري، والشامي بالذات، مثل نباتات الزينة، وأنواع العصافير، وألوان الأطعمة، وحتي أسماء الأقمشة والمنسوجات التي تدخل في تصميم الأزياء. ومن يستمع إلي حديثه يشعر أن هذا المبدع يتملكه فخر وثقة بنفسه، وهي ثقة لائقة بصاحبها وتظهر واضحة بنبرات صوته. وهو يتمتع بصوته المتميز في الساحة الأدبية العربية، إنه يبدو نسيج وحده، لا يستعير أقلام الآخرين ولا يقلد تجاربهم لأن له مشروعه الروائي الخاص والكبير الذي يمتزج فيه التاريخ بالجغرافيا والمجتمع، ذكريات الماضي بوقائع الحاضر وأحلام المستقبل. خيري الذهبي ابن دمشق وابن المجتمع الدمشقي الحميم، وهو المبدع الدمشقي الأول والأهم في كتابة الرواية العربية، في خصوصيتها السورية.
أستاذ خيري، كيف تري الحركة الأدبية في الوطن العربي وخاصة في سورية، بعد فترة الزهو التي كانت في الستينات؟
في ندوة تلفزيونية لي، كنت قد أقمتها في التلفزيون العربي السوري وكان شريكي فيها رئيس تحرير جريدة تشرين الدكتور خلف الجراد، كنت قد تعرضت إلي قضية أساسية موجودة في عالم الثقافة السورية، وهي أنه في بداية الستينات من القرن الماضي طرد جيل كامل من مثقفي سورية من الساحة الأدبية والإعلامية والأكاديمية، وجيء بجيل جديد من حملة الثانوية ودار ال معلمين وفرضوا علي الساحة الإعلامية والثقافية والفكرية فصاروا هم المثقفين.. هؤلاء المثقفون الجدد كان واحدهم يجلس ويضع ساقا علي ساق ثم يقول: مالي والكتب الصفراء؟ مالي ولهذه الكتب العفنة؟ لقد انتهينا منها. من هو الجاحظ؟ ما هي الأغاني؟ من هو المبرد؟ من هو ابن كثير؟ وبضربة قلم واحدة تخلص هؤلاء المثقفون الجدد من التراث كاملا. وكانت النكبة أن مناهجنا التعليمية كانت أضعف من أن تعلم أبناءنا لغة أجنبية كافية لحملهم إلي القراءة والتوصل إلي التيارات العالمية في الأدب والثقافة والاجتماع والفلسفة. وبهذا ظهر إلينا جيل جديد لا علاقة له بالتراث ولا بالمعاصرة، هذا الجيل اعتمد في ثقافته الكاملة علي قراءة من سبقه من الكتاب، أو قراءة المترجمات النادرة والقليلة والهشة التي قد تصل إليه من القاهرة أو بيروت. وإذا ما عرفت نظام الرقابة السورية الصارم جدا والشديد الصرامة في إدخال الكتاب إلي سورية، كان لك أن تعرفي أن الكتب التي تصل مترجمة، حتي هذه الكتب كانت أندر من أن تكفي هؤلاء الناس، فوقعنا في هذا الخواء المرعب الذي يعيشه الجيل الجديد من المثقفين. الألعن من هذا كله أنه فجأة أو ليس فجأة، أنه منذ الخمسينات بدأ ضغط ما يسمي بالأدب الملتزم علي الناشئة من الكتاب والأدباء، وأدب الملتزم يعني شيئا واحدا في مدلوله الحقيقي وهو أن تحيل الأدب.. هذا الحصان البري الجامح المتهور المندفع بلا حدود.. إلي جحش مربوط في رباطات جيدة وبأرسان جيدة ليخدم القضية التي التزم بها. جاء الشيوعيون فقالوا بالأدب الملتزم فصار الأدب الملتزم عليه أن يكتب في موضوع واحد هو المستغل. وجاء البعثيون فجاؤوا بالأدب الملتزم ليصبح الأدب هو كيف نجحت الثورة وانتصرت علي الطغاة والبورجوازيين والرأسماليين والفاسدين كلهم ممن سبق الثورة ـ النور البعثي الذي جاء في أوائل الستينات. هذا الإرغام للأدب وتحويله أداة إعلامية، بالإضافة إلي ما قلناه سابقا في انقطاع الصلة ما بين التراث وما بين الأدباء الجدد، وانقطاع الصلة ما بين التيارات العالمية وما بين الأدباء الجدد، أوصلنا إلي هذه الحالة التي تجعل من كتابنا وأدبائنا يدورون في دوامة. وأنا حين قرأت سؤالك هذا أحسست بأني أحاور الآن كاتبة سورية عاشت في سورية العظيمة فيما بعد الستينات، أولئك الذين حفظوا الدرس جيدا فإذا ما سألوا سألوا بالتزام، وإذا ما أجيبوا أجيبوا بالتزام. الرواية بناء اجتماعي متخيل هدفه إضاءة الواقع في سبيل التغير. من قال هذا؟ من ادعي ه ذا؟ من دعم هذا؟
(كنت قد قدمت له أسئلة مكتوبة منها دور الرواية في إضاءة الواقع وتأثيرها في المجتمع وعملية التغيير. لكنه أبعد الأسئلة وقال دعينا نتحدث بعيدا عن الطريقة البعثية).
ثم تابع حديثه: الرواية، فن الرواية أدب ينتمي إلي عالم الجمال، لا ينتمي لا إلي علم السياسة ولا إلي علم أيديولوجيا الأفكار ولا إلي أدب التغيير ولا إلي كل هذه الحماقات التي بدأنا بتمثلها منذ أيام جدنوف وحتي أيام ناديا خوست. سيدتي الكريمة الأدب أدب والفن فن والجمال جمال، والسياسة دعيها للسياسيين وآثامهم، دعيها للمغيِّرين وآثامهم، دعيها للثوريين ولدفاعاتهم ونضالاتهم وليتركوا لنا هذه الزاوية الصغيرة التي اسمها الأدب.
المعروف أنك كتبت رواية المدينة، دمشق أو المدينة.. كيف تبدأ فكرة الرواية عند خيري الذهبي؟ وما مدي انشغالك في هموم هذه المدينة؟ وكيف كنت تري المدينة من قبل؟ وكيف تراها اليوم؟
هناك ملاحظة صغيرة هو أنك تسألين عن المدينة، والغريب أننا الآن نحن في سورية لا نعيش في مدينة، ولم يعد هناك في سورية من مدن. نحن نعيش في قري كبيرة، في اللغة العربية أصلا مكان الاستقرار البشري كان يسمي قرية، وقرية مشتقة من فعل قري (تجمع) أو القري (الضيافة).. أو قر في المكان فهي قرية، أي مستقر، وأنا أعتقد أن أول قرية تحولت إلي مدينة حسب اللغة العربية هي يثرب، فهي أول قرية سميت بمدينة، ومدينة كلمة اشتقاقها من فعل دان، ودان يعني خضع للدين.. فدان يدين دائن ومدين ومدينة. فالمدينة هي المكان الذي خضع للدين الجديد أي القانون، والفارق ما بين القرية والمدينة هي أن القرية تتعامل مع الحياة حسب قوانين الطبيعة فهي تستيقظ مع الشمس وتنام مع الظلمة، تصغي للديك وتخاف من البرد حسب المطر إلخ. أما المدينة تلك التي تخضع للقانون الجديد، ويثرب خضعت للقانون الجديد: الدين.. الدين المحمدي، ثم فيما بعد أصبحت المتغيرات الكبيرة التي أسميناها مدنا تخضع للقانون الوضعي، ولكن للأسف الشديد نحن الآن في العالم العربي ومنذ سقوط ما أسموه بالبرجوازيات، أي منذ سقوط الرجال الذين حكموا هذه المنطقة مثل مصطفي باشا النحاس ومثل خالد العظم ومثل نوري السعيد وجاء هذا الجيل من العسكريين الذين حكموا هذه المنطقة وأصروا علي ترييف المدينة وإخراجها من قانون المدينة، وتحول النظام العالمي الذي يقوم علي تمدين الريف في بلادنا تحول إلي ترييف المدن، وهكذا لم يعد لدينا مدن في العالم الع ربي.
أنت إذا مضيت إلي القاهرة سترين كمية هائلة من القري تتعايش مع بعضها اسمها مدينة القاهرة، وإذا ما جئت إلي دمشق تعيشين في كمية كبيرة من القري المتعايشة مع بعضها ولكن يسمونها مدينة. لا قانون، لا أعراف تحكمها، لا شيء مما يمكن أن يعطي المدينة مدينة.
أنا أعيش الآن في حي يبلغ سكانه تقريبا ما لايقل عن ثلاثمئة ألف نسمة، وهذا الرقم يسجل من كبريات المدن في القرن التاسع عشر.. فباريس لم تكن تزيد عن ثلاثمئة ألف في القرن التاسع عشر، ومع ذلك أنا أعيش في حي ليس فيه ناد ثقافي، وليس فيه ناد اجتماعي، وليس فيه سينما، وليس فيه مسرح، ولا حديقة.. ليس فيه أي مكان للإنسان أن يقابل جاره ليحييه، المكان الوحيد المتاح للقاء الجيران هو في المسجد. هذا المسجد هو المكان الذي أجبرتنا القرية الجديدة علي اللقاء فيه، وبذلك تحولنا إلي هذه القري المتعايشة. الناس تعرف بعضها في المساجد، وليس في المقاهي ولا النوادي ولا الكازينوهات ولا المسارح ولا السينمات، كل مظاهر المدينة الحديثة لا توجد في مدينتنا التي يسمونها مدينة الآن. أنت تسألينني عن المكان في الأدب السوري، منذ بداية القرن العشرين صُنِع شيء في بلاد الشام التي لم تعرف دولة سابقة اسمها سورية، واخترع شيء اسمه فلسطين ولم يكن ذا سابقة تاريخية، واصطنع شيء اسمه لبنان، ثم اصطنع شيء أسموه الأردن.. طبعا من صنع هذه الأسماء الأربعة والجغرافيات الأربع رجل بريطاني اسمه لويد جورج وأعطيت هذه التسميات فيما بعد إلي الموقعين علي الاتفاقيات الذين أسموها في ذلك الحين (سايكس الإنكليزي وبيكو الفرنسي). سورية التي اصطنعت بإرادة إنكليزية ـ فرنسية، كما تحدثنا لم يكن لها سابقة تاريخية. سورية، الاسم نفسه ليس اسما عربيا، بل هو اسم جيء به إلينا من التراث الغربي، من السلوقيين الذين كانوا أول من ابتكروه، ثم ضاع هذا الاسم مع مجيء العرب لتصبح منطقة اسمها بلاد الشام، ولما أراد الغرب أن يصطنع شيئا جديدا في المنطقة ويلغي أربعة عشر قرنا من الإسلام جاؤوا بشيء اسمه سورية. والغريب أن هؤلاء الناس الذين كانوا يسمون في هذه المنطقة الجغرافية المسماة بسورية، لم يقبلوا بسورية وطنا لهم وعبر مئة سنة منذ سقوط الدولة العثمانية إلي الآن لم يظهر حزب سياسي واحد في سورية يقول إن سورية وطني، فكل الأحزاب السياسية التي ظهرت في سورية ظهرت وهي تنظر إلي خارج سورية حلما وأملا. العروبيون كانوا يقولون نحن نطمح إلي وحدة الوطن العربي كاملا، طبعا حلم مب الغ فيه ولكنه حلم مشروع، القوميون السوريون كانوا يقولون نحن نطمح إلي سورية الكبري، الإسلاميون كانوا يقولون إننا نطمح إلي الأممية الإسلامية كما وجدت أثناء العصر العثماني أو ما قبل العثماني، الشيوعيون كانوا يقولون نحن نطمح إلي الشيوعية الأممية الدولية...إلخ.
لكن حزبا سياسيا واحدا لم يظهر في سورية يقول سورية وطني الذي أقبل به إلي الأبد... هذه الفكرة الصغيرة انعكست علي الأدب. الغريب أن معظم الكتاب كانوا يهربون من الكتابة عن المكان، لأنهم يعرفون أنهم حين يكتبون عن المكان كانوا يظنون أنهم يخونون الحلم الذي يطمحون إليه، وهو الخروج من السجن الصغير المسمي الوطن السوري إلي الحلم الآخر، هم ابتعدوا عن الكتابة عن هذا الوطن الذي يعيشون فيه.. بدأت ترين اغترابا عن المكان في الكتابة واعتبار اللغة وطننا ومكاننا بدلا عن الوطن المكان، فصرت ترينهم يكتبون عن بغداد الحلم وعن إشبيلية الأسطورية وأحيانا عن (درسدن) كما فعل مصطفي الحلاج. المهم يكتبون عن كل شيء إلا عن الأرض التي يدرجون عليها. هذا الانفصال والذي شجع عليه كثيرا من قبل هؤلاء البروكستيون (ورثة بروكست قاطع الطريق المعروف وسريره العجيب) الذين يشرفون علي الكتابة في البلد أدي إلي ما ذكرت سابقا عن القطيعة مع التراث وعن التيارات المعاصرة، وعن الخوف من الحديث عن المكان، الآن أصبحت تستطيعين أن تري كيف يدور هؤلاء الكتاب في فقاعة من هواء صنعها لهم المنظرون الأيديولوجيون متوسطو الثقافة أصلا بدءا من ميشيل عفلق وحتي الآن.
فاطمة عطفة : القدس العربي 13/12/2005
يتبع..........