آخر الأخبار

رحل وتركنا نحزن وحدنا في ضوء القمر

لحظة الاحتضار كما رآها محــــــمد الماغـــــوط‏

أيها الأنف الأحدب الجميل، كسنبلة تحت طائر أيها الفم الدقيق، كمواعيد الخونة أو الأبطال.. يابذرة الحروب المقبلة لم استعجلت الرحيل‏

والرقاد الى الأبد، باسمة مطمئنة في أقرب نقطة لآل البيت مولية ظهرك لكل ثورات العالم؟ ولكن لاعليك ياحبيبتي لقد رأيت بأم عيني في إحدى الليالي الثلجية العاصفة على ضفاف الفولغا ماركسياً مشرداً، ينام تحت سيف القيصر. آه كم فرحنا، أنا وشام وسلافة بالحمرة الواهية وقد عادت الى الخدين الشاحبين وكم صفقنا طربا لشعرك القصير المنهك وقد راح ينمو بحماسة بائسة كعشب زنجي في حقول بيضاء..

وولد الماغوط في 1934م في بلدة (السلمية)، بالقرب من حمص، في أقصى حالات الفقر وجاء إلى دمشق عام 1948، حاملاً على ظهره أكبر حدبة بشرية من الأحزان والرفض، فتعرض للسجن والتعذيب والهروب والاختفاء.. ولم يتوقف الشاعر الراحل يوما عن ذكر الغرف الصغيرة الواطئة التي قطنها في (باب توما) و (أبو رمانة) و (عين الكرش. ربطت الشاعر علاقة قوية بجماعة مجلة شعر عند إقامته في بيروت. كتب بعد عودته للمسرح والسينما وكانت باكورة أعماله هي دواوين شعر وأفلام ومسرحيات لا تزال تسكن في وجدان السوريين. منها فيلم الحدود و التقرير ، ومسرحية غربة و ضيعة تشرين و كاسك يا وطن إضافة إلى أعمال تلفزيونية منها وادي المسك و حكايا الليل .

ومن أهم أعماله الشعرية: غرفة بملايين الجدران (دار مجلة شعر - بيروت 1960)، الفرح ليس مهنتي (منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1970). كما كتب الماغوط مجموعة نصوص (سياف الزهور) نشرت العام 2001 .

من قصائده المشهورة:
الوشم ....

الآن
في الساعة الثالثة من القرن العشرين
حيث لا شيء
يفصل جثثَ الموتى عن أحذيةِ الماره
سوى الاسفلت
سأتكئ في عرضِ الشارع كشيوخ البدو
ولن أنهض
حتى تجمع كل قضبان السجون وإضبارات المشبوهين
في العالم
وتوضع أمامي
لألوكها كالجمل على قارعة الطريق..
حتى تفرَّ كلُّ هراواتِ الشرطة والمتظاهرين
من قبضات أصحابها
وتعود أغصاناً مزهرة (مرةً أخرى)
في غاباتها
أضحك في الظلام
أبكي في الظلام
أكتبُ في الظلام
حتى لم أعدْ أميّز قلمي من أصابعي
كلما قُرعَ بابٌ أو تحرَّكتْ ستاره
سترتُ أوراقي بيدي
كبغيٍّ ساعةَ المداهمه
من أورثني هذا الهلع
هذا الدم المذعور كالفهد الجبليّ
ما ان أرى ورقةً رسميةً على عتبه
أو قبعةً من فرجة باب
حتى تصطكّ عظامي ودموعي ببعضها
ويفرّ دمي مذعوراً في كل اتجاه
كأن مفرزةً أبديةً من شرطة السلالات
تطارده من شريان إلى شريان
آه يا حبيبتي
عبثاً أستردُّ شجاعتي وبأسي
المأساة ليست هنا
في السوط أو المكتب أو صفارات الإنذار
إنها هناك
في المهد.. في الرَّحم
فأنا قطعاً
ما كنت مربوطاً إلى رحمي بحبل سرّه
بل بحبل مشنقة