مسرحية(دوريون وميرتاليه )
للمفكر السوري الساخر لوقيانوس السميساطي
أشخاص الحوار:
دوريون / ميرتاليه .
دوريون: ما برحت توصدين بابك دوني يا ميرتاليه, بعد أن غدوت اليوم بسببك معدوما
لا أملك شروى نقير....أنا الذي كنت أهب لك هداياي الجمة, أنا الذي كنت عشيقك
وسيدك, و قصارى القول,كنت كل شيء..أما اليوم بعد أن أمسيت خالي الوفاض, فقد مضيت تؤثرين علي ذاك التاجر البثيني, فأقصيتني عنك, حتى جعلتني لاأفتأ ملازم بابك أذرف الدموع مدرارا....أما هو فقد أضحى أثير لياليك وأمسى وحده الذي تستقبلينه في مخدعك, كيما يستمتع بك حتى الصباح, ورحت تتيهين عجبا بأنك حامل منه....
ميرتاليه: إني لمصعوقة من تأنيبك إياي يا دوريون, بخاصة حين أسمعك تردد على مسامعي
أنك أغرقتني بعطاياك, وإنك غدوت معدما بسببي... تعال نحص ما وهبته لي منذ
أن تعارفنا! .
دوريون: حسن يا ميرتاليه.. لنحص, أولم أهب لك في البدء خفّّين من سيسيون اشتريتهما
بدرهمين؟ أعيدي إلي الدرهمين...
ميرتاليه: ولكنك نمت معي ليلتين!
دوريون: ولقد حملت إليك غبّ عودتي من سورية قارورة طيب فينيقي وأقسم لك ببوسيدون
أنها كلفتني درهمين!.
ميرتاليه: ألم أعطك حين أبحرت, غلالة تتدلّى حتى الفخذ, كيما تستعين بها في ركوبك
البحر... تلك الغلالة الصغيرة التي نسيها عندي ابيروس حين نام معي ذات يوم؟
دوريون: لقد تعرف عليها صاحبك في صاموس وانتزعها مني, ولتشهد الآلهة, أي نزاع
عنيف شجر بيني وبينه, كما أني حملت إثر عودتنا من البوسفور بصلا من قبرص, وخمس سمكات صغيرة, وأربعا كبيرة.... ثم ماذا حملت إليك كذلك؟
ثماني كسرات من خبز البحر وضعتها في سلة, وقفّة مفعمة تينا مجففا, أتيتك بها من كارى كما حملت إليك خفّين مذهّبين من باتارس*...يالك من جاحدة!
ولقد غاب عني إني وهبت لك كذلك قطعا ضخمة من جبن جيثيون*.
ميرتاليه: إن كل ما قدمته إلي يا دوريون لا يساوي أكثر من خمسة دراهم.
دوريون: هذا يا ميرتاليه كل مافي مقدور بحّار مثلي يعيش من ركوب البحر! أوتزدرينني اليوم بعد أن عهد إلي بقيادة ميمنة القارب!
أولم أضع أخيرا, إكراما لك, بمناسبة عيد أفروديت درهما من فضة تحت أقدام الآلهة؟ ووهبت لأمك درهمين لتشتري بهما نعلين.... ودسست في يد ليديه الماثلة أمامنا حينا درهمين وحينا أربعة دراهم , ولعلها كل ما لدى بحار من ثروة؟.
ميرتاليه: أوتتحدث يا دوريون عن بصلك وسمكاتك الصغيرة؟
دوريون: بلى, إذ ليس لدي سواها مما أحمله إليك, ولو كنت غنيا ما غدوت بحارا, وكيف دار الأمر فحسبي أنني لم أحمل إلى أمي ولا رأس ثوم, بيد أني أود لو أعرف تمام المعرفة ما الهبات التي تلقيتها من صاحبك البثيني؟
دوريون: أهداني في البدء هذه الغلالة التي تراها, وقد اشتراها لي مصحوبة بعقد كبير.
دوريون : هذا العقد؟ إني لأعرفه عندك منذ أمد طويل.
ميرتاليه: إن العقد الذي سبق لك ورأيتني فيه كان أشد رقة من هذا العقد وهو خلوّ من الزمرد.. كما قدم لي هذه الأقراط, وذاك البساط, ومنحني في النهاية درهمين
ناهيك أنه أدى عني أجرة الدار, وهذه الأخفاف التي تراها لم يجلبها من باتار,
ولا أتى بالجبن من بابيول.
دوريون: بيد أن ما لم تتفوهي به هو نوع هذا العاشق الذي استقبلته في سريرك... أنا واثق
بأنه جاوز الخمسين من عمره, وأنه عاري الجبين, له ملامح كملامح سرطان البحر... هل رأيت أسنانه يوما؟
ولكم من العذوبة نبصرها في شخصه, بخاصة حين يرفع عقيرته بالغناء, ويمثل القلب الجميل!
لكأنه "كما يقال" حمار يعزف على قيثارة.... حسبك أن تفرحي بهذا الشهم الذي
أنت جديرة به!
أتراه يستطيع أن يخلق منك فتاة ممتلئة الوجه تشبه أباها؟
أما ما يتّصل بي فسأعثر دون ريب, على إحدى فتيات دلفيس أو كمباليون اللائي
من طبقتي, أو على جارتك العازفة على الناي, أو على واحدة أخرى, إذ ليس في ميسور الناس جميعا أن يبتاعوا البسط والعقود ويدفعوا الأجور بدرهمين.
ميرتاليه: سعيدة من ستتخذك حبيبا يا دوريون ! فلسوف تقدم لها بصل قبرص, كما تهب لها
الجبن عند أوبتك من جيثيون ! .
*باتارس Patares: مدينة في ليسيا Lycie.
*جيثيون Gythion: مرفأ في سبارطة على خليج لاقونيا.