آخر الأخبار

حيدر حيدر,"الكاتب الملعون"غير قابل للتدجين

إذا كان الإبداع الحقيقي والصادق مرتبطا بالبحث عن المغايرة والرفض، فإن
ضيفنا في هذا الحوار قد تجاوز كل الحدود وتمرد على جميع أشكال التنميط
والسلطة الاجتماعية والسياسية والدينية، وإذا كانت الكتابة الروائية ترجمة
صادقة للواقع وفضح للمستور وكشفا للمسكوت عنه وتحريكا للسواكن، فإن كاتبنا
الكبير حيدر حيدر مسكون بحب الأرض ووجع الوطن ومولع بتتبع خيبات الإنسان
العربي بكل تفاصيلها ولكل ذلك كلما خرج علينا بقصة أو رواية وأحدث ضجة في
الأوساط الأدبية الثقافية وكلما تكلم جرحت صراحته ومواقفه وجوهنا المتعودة
على تغليف الحقائق والنفاق الاجتماعي المبالغ فيه. هذا هو أحد أهم رواد
الرواية العربية ومجديها. يمتزج في كتاباته النثر بالشعر والواقعي بالأسطوري
والماضي بالحاضر، يكتب بروح الهواية رغم أن تجربته تجاوزت نصف القرن ويفضح
عورات المجتمع العربي وحال التخلف والقمع والأمية والفقر في سبيل إرضاء هذه
المرأة المتمنعة أبدا التي عشقها منذ الصبى: إنها الحرية تعرض في حياته
للكثير من المضايقات والمحاصرة والقمع وإلى تنقل إلى عديد المنافي
الاختيارية.

بدأ حيدر حيدر إصداراته الإبداعية بالمجموعة القصصية "حكايا النورس المهاجر"
سنة 1968 ورواية "الفهد " في نفس السنة ثم كانت رواية "الزمن الموحش" سنة
1973 ورواية " مرايا النار" 1992 ورواية "شموس الغجر" سنة 1997 "ورواية "
مراثي الأيام" سنة 2001 وانتهى أخيرا من كتابة رواية جديدة بعنوان "هجرة
السنونو"ولكن روايته الأشهر تبقى" وليمة لأعشاب البحر" التي صدرت سنة 1983
وطبعت أكثر من عشر طبعات وحين صدورها فجرت الأسئلة وتركت لغطا كبيرا في
الساحة الثقافية وأسالت الكثير من الحبر وحجبت لمدة 11 سنة وبسببها تعرض
كاتبنا للمساءلات والمضايقات وهجر بلده سوريا نحو منفاه الاختياري.

في هذا الحوار تحدث الكاتب حيدر حيدر عن مسيرته الإبداعية وعن الواقع العربي
وعلاقة المثقف بالسلطة وعرج على ظروف كتابة هذه الرواية " الوليمة" العجيبة
الهاتكة للحجب وكشف بصراحته المعهودة بعض أسرار التجربة الحياتية واللحظات
الإبداعية.

س: لو نعد بك إلى فترة البدايات ماذا بقي الآن في ذاكرتك من تلك الفترة؟

وماهي أهم التجارب التي تأثرت بها؟

ج: في الحقيقة كنت مغرما بالقراءة والمطالعة منذ الصغر ومن المصادفات أنني
قرأت "هكذا تكلم زاردشت" لنيتشه وكان صعبا بالنسبة إلي كثيرا ولم أفهمه جيدا
وتعرفت أيضا على غوته في تلك الفترة، وقرأت أيضا حبران والمنفلوطي ومحمود
تيمور ويوسف إدريس ثم وصلنا إلى نجيب محفوظ الذي أعتبره أب الرواية العربية
الحديث. ثم تدرجت قراءاتي نحو الأدب المترجم وخاصة في مرحلة بيروت حيث كان
سهيل إدريس في مجلة الآداب يترجم الأدب الوجودي الفرنسي مثل سارتر وألبيركامي
وسيمون دي بوفوار واطلعت كذلك على نماذج من الأدب الروسي وقد انتبهت في هذه
الفترة إلى الأدب العالمي فضلا عن كلاسيكيات الأدب العربي مثل ألف ليلة وليلة
التي أعتبرها أهم إنجاز أدبي في الثقافة العربية.

ولا أخفي عليك سرا إذا قلت إنني قرأت الكثير من الشعر في تلك الفترة وربما
يفكر البعض في أننا كروائيين نقرأ الرواية فقط وهذا غير صحيح، لأننا نقرأ
الشعر وعلم النفس والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماعي والنقد.

لأنه في اعتقادي يجب أن كون للمثقف ذخيرة ثقافية منوعة خارج إطار اختصاصه،

وقد بدأت الكتابة بالقصة القصيرة أولا وصدرت مجموعتي الأولى " حكايا النورس
المهاجر" سنة 1968 عن وزارة الثقافة وكانت فيها قصة جميلة إسمها" الفهد"
أخرجت فيلما سينمائيا فيما بعد ونال عدة جوائز. وتتالت الإصدارات بعد ذلك.

س: هل اخترت أن تكون كاتبا منذ البداية أم لعبت الصدفة دورها في اتجاهك إلى
عالم الحرف والكتابة؟

ج: في الحقيقة جاءت الكتابة مصادفة وكانت نوعا من التسلية في البداية، فقد
كنت أشعر بجيشان وأحاسيس في أعماقي فأترجمها وأسجلها في شكل قصص قصيرة
وأرسلها إلى مجلة الآداب وبعض الصحف والدوريات الأخرى. وأتذكر أنه لما كنت في
المعهد التربوي بحلب نشرت قصة رومانسية اسمها "نورا" ووصلت القصة إلى أهل
حبيبتي فمنعوها عني وكان هذا أول إحباط لي في عالم الأدب.

وفي البداية كنت أهتم باستمرار بالقراءة وأشعر دائما أنه عندي نقص في
المطالعة رغم أن حالة الفقر كانت تمنعني من شراء الكتب وبعد الزواج صارت
زوجتي تقول لي لماذا تنفق الأموال في شراء الكتب عوضا عن شراء مستلزمات البيت
فهل ستصير " همنجواي" عصرك؟

س: بعد هذه التجربة الطويلة في هل مازلت تتعامل مع الكتابة بروح الهواية؟

ج: أنا دائما أصرح بأنني لست محترفا في الكتابة، ولا أكتب بشكل يومي ولا أتجه
إلى الورقة إلا حينما يكون هناك شيء يتحرك في أعماقي وحافز، لذلك فإنني بحق
أمارس الكتابة كهواية. وقد أنتهت منذ سنة من روايتي " هجرة السنونو" وإلى حد
هذه الساعة لم أكتب حرفا واحدا. أنا أعتقد أن للحياة أهميتها أيضا لذلك فإنني
أمارس هواياتي الأخرى كالصيد والسياحة. وقد أجلس إلى الطاولة لمدة ساعات ولا
أكتب سوى صفحتين أو ثلاث صفحات لأنني أمارس رقابة شديدة على نفسي وعلى كتابتي
وأمارس دور الناقد على كل ما أكتبه لذلك فأنا كاتب مقل وبعد تجربة نصف قرن في
الكتابة لا أملك سوى 15كتابا وأنا لست من هواة الكثرة لأنها تكون على حساب
الكيف والإبداع و الابتكار يتطلبان التمعن والتدقيق والتمحيص،

س: وهل ندمت في يوم من الأيام على دخول عالم الكتابة؟

ج: أحيانا تمر بي ظروف وأعيش لحظات صعبة فأقول يا ليتني لم أكتب حرفا واحدا
في حياتي، ويأتي هذا الشعور خاصة في حالات المنع والقمع التي أتعرض لها
وتتعرض لها رواياتي على غرار ما حدث لـ" وليمة لأعشاب البحر" وبعض الروايات
الأخرى لأنني أنزعج من الرقابة المبالغ فيها على الابداع.

س: كتاباتك دائما تفجر الأزمات وتشعل الحرائق لأنها تتجاوز" تابوهات" الدين
والسياسة والمجتمع، فهل يعود هذا إلى التجارب التي قرأتها ونهلت منها أم أن
الأمر مقصود؟

ج: أنا نشأت في وقرية جبلية وعشت حياة البرية وبالتالي تعلمت الحرية من قسوة
الطبيعة وصعوباتها وأصبحت أشعر أنني جزء من هذه الطبيعة وتعلمت أيضا من البحر
الشفافية والجمال والعمق ثم بعد النشأة الأولى تشكل عندي من خلال قراءاتي ما
يسمى "بالتجربة الداخلية" المطلقة والمقدسة واكتسبت شخصيتي نوعا من التمرد
على الواقع والسلطة والمجتمع وقد تصادمت مع السلطة عدة مرات

واصطدمت مع الحزب في فترة ما وتركته وتصادمت مع إتحاد الكتاب وتركته نهائيا
وأنا واحد من مؤسسيه. أكثر من ذلك مثلا رواية " الوعود" التي صدرت في بيروت
منعت في سورية ففي مرحلة أولى وكذلك رواية " الزمن الموحش" منعت هي أيضا ثم
أفرج عنها، إذن فلعبت الرقابة دائما ما تطاردني وتحاصرين ولذلك صار موضوع
الاقتراب من المحرمات و"التابوهات" أمرا طبيعيا بالنسبة إلى لأن عشقي للحرية
كبير ودائما أتساءل لماذا لا نكشف هذا الشيء المستور والمغطى والمسكوت عنه
ولماذا لنظهره للناس ففي الغرب تحدثوا عن هذه الأشياء منذ مئة سنة وأكثر،
فلماذا لا نتحدث عنها نحن العرب بشكل صريح واضح وعفوي وبالتالي نكسر هذه
الحواجز والتابوهات حتى تنمو الروح الداخلية للإنسان بشكل طبيعي ونربي
أولادنا وأجيالنا على الصراحة والحرية؟

س: تتعرض روايتك الشهيرة " وليمة لأعشاب البحر" للحجب على مدى 11 سنة يدفعنا
إلى التساؤل عن الرقابة الكبيرة التي تمارس على الابداع في العالم العربي؟
وهل أن هذه المجتمعات العربية المحافظة لا تنتج إلا أدبا محافظا؟

ج: هذه المؤسسات ذات شقين: المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية الأصولية خاصة
وأن الأزهر الآن يبدو في تجليه في قمع الثقافة الحضارية والمتنورة. وهذا
النوع من المؤسسات هو عقبة كأداء في وجه التنوير والتطور والأدب والثقافة هي
في خصام ومواجهة مع هذه المؤسسات التي تمارس على الناس رقابة وتوجيه بدعوى
الإسلام، والإسلام بريء من هذه المؤسسات وأبعد ما يكون عن تأويلاتها ورؤيتهم
القاصرة. وهذه المؤسسة الدينية القامعة عادة ما تظن أننا لا نقرأ أكثر منها
ونعرف الدين الإسلامي ولكننا نفسره ونفهمه بعقولنا المفتوحة وليس بعقول مغلقة
وهذا هو الفرق بيننا وبينها.

س: اللحظة العربية الراهنة هل تراها غير قادرة على تقبل الفكر التنويري؟

ج: أعتقد أن الفكر التنويري يتقدم بصعوبة، وهو قائم على مجهودات أفراد
وأحيانا هناك بعض التجمعات الثقافية التي تساهم وتساعد في دفع قطار التنوير
إلى الأمام ولكن المهيمن اليوم هو الفكر الأصولي، لذلك فعصر التنوير مثلما
عاشته أوروبا سيحتاج منا وقتا كبيرا وسيحتاج تراكما أكبر حتى نحقق قفزة
لحضارتنا وأمتنا العربية ونصبح مثل بقية الأمم، ولكن رغم كل هذه المعوقات
التي تحدثت عنها فنحن مستمرون في المقاومة والتنوير.

س: حسب رأيك هل تستطيع الثقافة والأدب والفن عموما أن تكسر هذه التابوهات
وهذه المعوقات والحواجز؟

ج: طبعا... طبعا.. لأن الثقافة بمختلف فروعها وإتجاهاتها تحفر في اتجاه تنوير
العقل وباتجاه تغيير البنية الفكرية للإنسان العربي وبالتالي هي قادرة على
هذا الدور ولكن على المدى البعيد، لأن هذا التغيير لا يتم بين عشية وضحاها
فقد سبقنا أسلافنا منذ ابن رشد شيخ العقل وابن خلدون ووصولا إلى طه حسين وما
يقوم به مفكرو اليوم من محاولات في سبيل إعلاء راية الثقافة الجادة والحقيقية
التنويرية التي تقف في وجه الثقافة الظلامية والقمع السياسي والاجتماعي.

س: وهل تستطيع الكتابة الأدبية أن تكون جزءا من هذه الثقافة التنويرية
والمعرفة الكلية؟

ج: بالتأكيد الكتابة الأدبية تحتل حيزا مهما من المعرفة الكلية والثقافة
الجادة المساهمة في النهوض بأمتنا العربية، لأن الشعر والقصة والرواية
والمسرح كلها وسائل تعبير إبداعية غير مباشرة وربما هذا ما يجعل عملية
التبليغ تصل بسهولة وسلاسة.

س: ونحن نتحدث عن المنع والحواجز والقمع يجرنا هذا إلى سؤال مهم وهو: ماهي
أهم مؤاخذات الرقابة حول روايتك "وليمة لأعشاب البحر" حتى تمنع كل هذه المدة؟

ج: للأسف الشديدهم اقتطعوا بعض الجمل وأخرجوها من سياقها وبنوا عليها
أحكامهم، واعتبروها تسيء للإسلام والقرآن والرسول، في حين أن العبارة التي
وقفوا عندها طويلا تقول " هؤلاء الأصوليون يريدون أن يحكمومننا بمفاهيم قديمة
بالية وبقوانين البدو والتأويل غير الدقيق للقرآن. نقطة ثم جاءت كلمة " خراء
على هؤلاء" وفسروا قولي هذا تفسيرا خاطئا لأنني لا ألعن القرآن والرسول وكما
قال الناقد فاروق عبد القادر هناك نقطة تفقأ عيونهم وهم بتأويلهم الخاطئ هذا
كانوا يقصدون الاساءة إليّ واعتبروني معاديا للدين والإسلام ولكنني قلت في
ردي عليهم ولمحاكم التفتيش في القرن الواحد والعشرين قلت عندما نزلت أبواب
حرب التحرير الجزائرية، كان كل منهم قد علق على صدره قرآنا عربيا وهذا أكبر
دليل على أن هذه الثورة ثورة إسلامية وهذا تميجد للقرآن والإسلام، وربما هذه
الضجة المفتعلة سببها خوضي لمسائل وقضايا مسكوت عنها وتعتبر من المحرمات وهنا
تأتي مهمة الكاتب والمبدع في تحريك هذا الراكد حتى نتطور ونكشف عيوبنا.

س: هذه النزعة السوداوية التشاؤمية التي ميزت رواية" و"ليمة لأعشاب البحر" هل
تعود إلى سوداوية الواقع العربي اليوم وتشخيص لحالته المرضية الخطيرة؟

ج: هذا بالتأكيد، فالوضع العربي اليوم شبه ميؤوس منه في اللحظة الراهنة، وإذا
نظرنا إلى الأنظمة السياسية العربية وإلى القمع والرقابة وتنامي ظاهرة
الأصولية وحالة التخلف العام والأمية المنتشرة بكل مكان، إذا نظرنا إلى كل
هذا فإننا حتما سنصاب باليأس، وما الرواية إلا ترجمة للواقع وهذا ما تحدثت
عنه مثل التمزق الذي حدث في الأحزاب السياسية التي نراهن عليها ونراها كأفق
مستقبلي وهي اليوم متآكلة ومشتتة وممزقة فمن أين يأتي الأمل. وتمزق شخصيات
الرواية هو نتيجة للتمزق الخارجي الذي نعيشه نحن أنفسنا والأدب في النهاية هو
الحياة والواقع بكل تناقضاته لأن المادة الخام متأتية من هذا الواقع.

س: العنوان الفرعي لهذه الرواية "وليمة لأعشاب البحر" هو "نشيد الموت" فهل
هذا تمجيد لثقافة الموت أم موقف من الموت؟

ج: " نشيد الموت" هو موت مقاتلي الأهوار الذين ماتوا جميعا خلال المعركة ولم
يبق منهم سوى واحد أو إثنين مثل "مهيار الباهلي" لذلك فهذا النشيد هو تمجيد
لثقافة المقاومة وتمجيد للموت بما هو كفاح ونضال.

س: عشت تجارب ثرية في المنفى وتنقلت بين مدن عديدة فماهي أقرب هذه المدن إلى
قلبك؟ وهل هناك مدن دون غيرها تستفزك للكتابة؟

المدينة التي أحببتها كثيرا هي بيروت وفيها كتبت أهم رواياتي وقد بدأت كتابة
" الوليمة" في بيروت وكتب قسما منها في دمشق وقسما آخر في قبرص ولكن الأساس
والعمود الفقري للرواية كتبته في بيروت وقد عشت فيها سنوات المقاومة. وكنت في
تنقلاتي الكثيرة أستقي المعلومات وأستفسر من الأشخاص العراقيين مثلا الذين
ألتقيهم وأسألهم عن معركة الأهوار وعن عدة تفاصيل أخرى. إذن فالتنقل بين
المدن هو تجربة ثرية واستفدت منها كثيرا وفي رأيي أن الزاد الذي يجعل من
الإنسان كاتبا هو أولا قراءاته وثقافته وثانيا التجربة الحياتية وثالثا
الموهبة,. لذلك أعتقد أنني مدين بكل هذا النجاح لتجربتي الحياتية التي لولاها
لما كتب بهذا العمق والاختلاف. والمنفى الأختياري هو زاد مهم لكل كاتب وهو
يصقل الروح من خلال الشقاء الداخلي الذي يعيشه الكاتب بعيدا عن وطنه وهو في
نفس الوقت يمكن أن يتيح له الإطلاع على الثقافات الأخرى والآداب الأخرى وينوع
قراءاته وتجربته.

س: هل تراجعت عن بعض آرائك ومواقفك وعدلت بعض مبادئك بعد الأزمة التي تعرضت
لها إثر منع روايتك " الوليمة"؟

ج: أنا لم أعدل شيئا من مواقفي أبدا ولم أغير أرائي ومبادئي بدليل أن رواية "
هجرة السنونو" ممنوعة أيضا لأسباب مشابهة لأسباب منع " الوليمة".

أنا غير قابل للتدجين رغم كل ما تعرضت له من منع وقمع ومضايقات أمنية وصرت
أسمى " الكاتب الملعون" وحتى ضمن بيئتي الضيقة أنا محاصر ومتهم بالإلحاد
والكفر. لذلك فأنا لا أدجن مثل الذئاب الرية لأنني أعتبر حريتي شيئا مقدسا
ولا أتنازل عنها.

س: هل ترى أن الرقابة على الإبداع والمثقفين في العالم العربي مبالغ فيها؟

ج: طبعا مبالغ فيها والآن دخلت أكبر مؤسسة دينية في العالم العربي وهي الأزهر
مجال الرقابة وأصبحت وصية على الإبداع والثقافة وتتدخل كوسيلة منع أو إعطاء
إشارة الموافقة وهذا لم يحدث على مر التاريخ إلا في عصر محاكم التفتيش،
والرقابة تضيق الخناق على المبدعين وتجعلهم يعانون. تصور أن رواية الوليمة
حتى اليوم هي ممنوعة في بعض الدول العربية.

س: هل يعود هذا النفس الشعري الذي يحضر بقوة في أغلب رواياتك إلى هذا الشاعر
النائم فيك؟

ج: ممكن أن يكون هذا صحيحا، خاصة أنني لا أذيع سرا إذا أخبرتك بأنني أكتب
الشعر وخاصة قصيدة النثر ولكنني لم أنشر بعد رغم أنني أملك ديوانا كاملا وأنا
أقرأ الشعر كثيرا منذ الصغر. وهذا الأسلوب الشعري هو نوع من المقاربة بين
النثر والشعر كرافدين يتقاطعان ويبتعدان وأعتقد أن علم جمال الأسلوب وأهمية
أي عمل إبداعي في كيف تكتب وكيف تروي وتنسج وتبني مثل المهندس معمارا مختلفا.
والنفس الشعري يحضر تلقائيا في كتاباتي وهذا أصبح أسلوبي المميز وكما يقال
الكاتب هو أسلوبه.

س: هل صحيح أننا نعيش أزمة قراءة في العالم العربي؟

أعتقد أن هذا الرأي فيه جانب من الصحة ولكنه مبالغ فيه لأني من خلال تجربتي
أستطيع أن أؤكد أن هناك إقبالا خاصة على الكتب الجيدة ولكن الأزمة الاقتصادية
والظروف المعيشية للموطن العربي ومحدودية دخله تجعله يجد صعوبة في اقتناء
الكتب التي عادة ما يكون سعرها مرتفعا.

س: وإلى أي مدى يستطيع الكتاب اليوم المحافظة على مكانته وسط انتشار الوسائط
التكنولوجية الكثيرة وسيطرة ثقافة الصورة؟

ج: في اعتقادي أن هذه الوسائل والانترنت مثلا لا تستطيع أن تكون بديلا عن
الكتاب رغم أنها تلعب دورا لا بأس به في نشر الثقافة.

ومع ذلك تبقى دائما منزلة الكتاب مهمة وتفرضها هذه العلاقة الحميمة التي
تربطنا به.

س: هل يعود اهتزاز صورة المثقف العربي لدى القارئ اليوم إلى الاستقالة شبه
المعلنة وتدجين من قبل السلطة؟

ج: إلى حد كبير المثقف العربي اليوم أصبح مهمشا من قبل السلطة وليس من القراء
لأن القارئ المتوسط والذكي يبحث عن الإبداع الحقيقي والذي يقول الأشياء بصدق،
أما الكاتب الذي مع السلطة فهو سقط المتاع ولا يقرأ ولا يهتم به وهو منبوذ
ولا يستطيع أن يقدم أدبا حقيقيا ومعرفة صادقة تنويرية لأنه يعمل لدى السلطة
ويقدم ما تريده هي، والكاتب الحقيقي لا يمكن أن يكون أبدا مع السلطة والإبداع
عادة ما يرتبط بالرفض والاختلاف.

مع ذلك لا يجب التعميم لأن هناك مثقفين يحملون داخلهم هموم المواطن العربي
وقضايا ويناصرون كل القضايا العادلة ويكافحون من أجل إعلاء راية القيم
النبيلة والثقافة الجادة. ولا يستطيع أي إنسان أو مبدع أن لا يتفاعل مع ما
يحدث اليوم في الوطن العربي وما يتعرض له العراق من تخريب اوما يعانيه
المواطن الفلسطيني من تعذيب وتنكيل ومحاصرة، لا يستطيع الكاتب أن يتنصل من
هذه القضايا إلا فهو يعتبر خائنا لقوميته وعروبته.

س: هل تناول النقد تجربتك بالشكل الكافي والمطلوب؟

ج: أعتقد أن تجربتي الإبداعية أهملت ولم يعتن بها بالشكل الكافي ويكاد يكون
هناك نقاد معدودون تناولوا أعمالي وتعمقوا فيها وبالتالي سلطة النقد للأسف
الشديد هي سلطة متعالية. الناقد يرى نفسه أهم من الكاتب والمبدع ويرى الأمور
من زوايا خاصة به، لذلك فسلطة النقد غائبة بشكل كبير وأستطيع أن أقول إنه لا
يوجد لدينا في سوريا ناقد منهجي يستطيع أن يتناول عملا أدبيا من جوانبه
المختلفة ويستنبط بعدا معرفيا من خلال هذا العمل.