ذات زيارة من صديقي الموسيقي المحترف دامت بضعة أيام، استغل محسوبكم اللحظة وبدأت أستعرض معه (أو عليه) التسجيلات الموسيقية السياسية العربية وبالذات الفلسطينية، مقارنا بين الكلاسيكي والحديث، الجميل والكارثي منها، وفي الحقيقة هذه عادة سيئة لدي أنا إذ أقرقع رأس كل زائر بهذا الأرشيف غير المتواضع، ربما خوفا على هذا التراث من الضياع أو أملا بأن يعجب أحدهم شيئا فيطلب نسخة فأعرف من أي أحصل عليها في حال فقدان الأصل أو تلفه، يعني بجميع الأحوال حب تملك.
مرورا بأغاني الستينات وأغان من طراز
طير يا صاروخ بالعالي طير
دمّر تلّ أبيب تدمير
إنت الناصر!
إنت االقاهر
(فايدة كامل)
وبمحمد قنديل
ياويل عدو الدار
من ثورة الأحرار
ووصولا إلى حليمو و يا أهلا بالمعارك، وتمر السنوات والأشرطة، الشيخ إمام، مرسيل في أوائل أعماله، أحمد قعبور قبل أن يتحول إلى مطرب "حريري"، سميح شقير قبل أن يصبح "من جمهور التلفزيون"، جورج قرمز قبل أن يختفي. هل يذكر أحدكم جورج قرمز؟ الإسم غير موجود على الإنترنت ولا أجد اليوم أحدا يذكر صاحب
أنا إسمي شعب فلسطين
اليوم أموت أليوم أقاتل اليوم أحيا
ومنه تعرفنا وقتها على الإمبريالية التي لم نفهم معناها
سأحارب الإمبريالية
بمحكمة الشعوووووووب
ومنها سمعنا لأول مرة عن الإمبريالية واكتشفنا أنه في شيء أكبر من روابط القرى…
من يذكر أغان مثل "رغن بيغن شارون كاهانا" أو "جدي كان عبدا وأبي فلاح"؟، سؤال جدي فهذه مفقودة فعلا..
وحتى لا أقرقع راسكم أنتم أيضا نصل إلى بيت القصيد، فقد طلب صاحبي الاستماع إلى أغاني الثورة الفلسطينية (يعني أغني الفدائية)، ورغم أن الأمسية كانت مثل مرنامج "ما يطلبه المستمعون" فقد "أبيت بشدّة"، ليس صداعا وإنما خجلا..
إذا استثنينا الأغاني الشعبية (دلعونا، عتابا، ميجانا إلخ) فهذه تأتي دائما بنفس اللحن وتكون وليدة اللحظة
الحكم الذاتي نحنا ما نريده ردّو لأنور بلكي بيزيدو
وإذا تركنا جانبا الأغاني "الإسلامية" فالحديث هنا يدور حول الفترة التي لم يكن الجماعة بعد قد اكتشفوا أن الله الذي يفترض انه قد حرّم الوتريات والنفخيات نسي أن يحرم الكيبورد والمؤثرات الصوتية (هذه جاءت في التسعينيات لتتحول الأغنية "الإسلامية إلى شيء شبيه بلعبة الأتاري، ولكن هذا موضوع آخر)
نبقى مع أغاني الثورة (ذات العيار الثقيل) أي أغاني الفدائية والثورة الشعبية ما قبل أيلول الأسود، أي كلاسيكيات الثورة (في لبنان تحولت الثورة إلى مقاومة وهذا التحول مرّ بسلاسة مثيرة للريبة، واكتشفنا التجريد والحداثة قبل أن نعيد اكتشاف الله والكيبورد بعد الانسحاب من بيروت). المشكلة أن هذه الأغاني بالذات هي التي دفعت في غمرة رومانسية الستينيات الألوف من الشباب إلى الموت بتضخيم الموت ذاته إلى نوع من الانتصار وتحويا الهزيمة الماديّة إلى نصر رمزي، والفلسطينيون وقتها كأنهم شخوص من روايات ما بعدحداثية دخلو ا التاريخ من بعده الرابع وعلى موجة إذاعية متوسطة من طراز
وحملت قلبي قنبلة
أحمي طريق القافلة
فالشعب كل الشعب دوّى دوّى دوىّ عاااااصفة !
عالم رومانسي أفراده يحملون سلاحهم ويمضون إلى موت مبجّل ونصر متحيّل
برشاشي أنا ماشي على أرضي بعرس النصر (!)
وطبعا تحوّلت رومانسية الستّينيات إلى مازوخية في السبعينّيات (مسألة مقدمات ونتائج)، لنسمع
"مزّق وحطم أضلعي فلم يزل بأضلعي قلب نبي
مزٌق فهذا عودك على الأسى لم يطرب، هيا اضرب!"
وتتحول حيفا ويافا والرملة إلى "يبوس" الكنعانية،
مزيد من التجريد، يرش مزيدا من السكر على مزيد من الموت، في لغة (بنت حرام) ثلاثية الأبعاد تجعل حتى الله ملموسا وتعزز الانفصام
شاعرية الهزيمة
سلام الشجعان
محمود درويش
إلخ
عندما تطالع (أو تفلفش) جريدة قديمة (ربما عثرت عليها في العليّة وقد لفّت بها آنية أو كانت منذ سنوات على سطح خزانة ما) وترى فيها تصريحا ناريا للأخ القائد، سترتسم على شفتيك ابتسامة تتراوح بين المرارة والخبث. خذ مثلا هذا التصريح من "القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية" الأخ "أبو عمّار" في خطاب له في حفل تخريج الدفعة الأولى من أشبال الثورة الفلسطينية (واخد بالك! : الدفعة الأولى! حدث تاريخي! خطاب إلى الجيل الثوري القادم) سنة 1969، يؤكّد فيه أن "الفلسطينيين يرفضون كل الحلول السلمية لتسوية القضية الفلسطينية" وأن الشعب الفلسطيني "لن يلقي السلاح وفلسطين محتلّة" (جريد العمل التونسية، ديسمبر 1969، هذه لف بها بائع التحف في سوسة الإبريق الذي اشتريته! على الأغلب احتفظ بالصحف طيلة تلك السنين حتى تحولت تونس إلى بلد سياحي ليجد صاحبنا للأرشيف الاستخدام الأمثل)، أو لو تناولنا بكوميدية أكثر سوادا تصريح المناضل نبيل شعث (أوّل ممثل رسمي لحركة فتح حسب مجلة "الثورة الفلسطينية" حزيران (يونيو) 1969 ) أمام الجماهير المهاجرة والمتضامنة في لندن: "إن الفلسطينيون لا يسيئون تقدير مهمتهم في مواجهة إسبارطة العصر الحديث إسرائيل. إن فتح ليست مجرد جماعة من مقاتلين بل هي ثورة اجتماعية وإنني هنا للتأكيد على أن شعب فلسطين لن يلقي السلاح إلى أن يحرر وطنه ويستعيد حقوقه السياسية الأساسية" وطبعا يؤكد المناضل العظيم شعث على أن "رفض إسرائيل لا يعود إلى الشر الذي تمثله إسرائيل فحسب بل إلى الحاجة إلى صيانة المثل الدولية التي دنستها إسرائيل" وأنه "لو لم يكن فلسطينيا لحارب إسرائيل" لأنه "إنسان"! كان هذا نبيل شعث فما بالك بياسر عبد ربّه؟
الابتسامة الخبيثة تتحول عند سماع أغني الثورة إلى ابتسامة تتراوح بين الحسرة والخجل وأشياء أخرى، فهي في الحقيقة ما دفع الألوف من شباب فلسطين وغيرها إلى أبواب الجحيم، أغان من طراز
أنا يا أخي آمنت بالشعب المضيّع والمكبّل
فحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجل (حلوة منجل هذه، فيما بعد صار شباب فتح يقولون معول خوفا من الشيوعية)
دين عليك دماؤنا والدين حقّ لا يؤجل
أو
وأنا حالف يمين الله عن أعدائي ما برجع
فدائي ما بكلّمهم بغير النار والمدفع
يا إما برفع الراية يا إما في الوطن أصرع!
وغيرها من أغان تقدس لشهادة المجردة يسيل فيها الدم رصاصا ليروي أرض فلسطين، وطبعا في مرحلة صعود الثورة يكون الكلام مجانيا ولا يلاحظ أحد الفرق المتزايد بين التصريحات والأغاني التعبوية وبين الممارسة السياسية لقيادة التنظيم، فكما علّمهم صوت الثورة
أنا إبن فتح ما هتفت لغيرها ولجيشها المقدام صانع عودتي
وطبعا الأمور تبدو واضحة ولا نقاش، والرمزيات كرست نفس "الرموز" الذين أهدروا نضالات الذين "أمنوا بالشعب المضيع والمكبل"…
أتذكر كتابا لطبيب مصري خدم في مستشفى الأشرفية في عمّان عام 1970، وكيف كان الأطفال الجرحى يغنّون "طل سلاحي من جراحي" تحت القصف وزجاج المستشفى يتحطم، أتذكرنا ليلة "إعلان الدولة" عام 1988 نستنشق الغاز المسيل للدموع ونغني "عالرباعيّة"،
أخفي شريط "الفرقة المركزية" في نهاية الدرج، بعيدا حتى لا تستيقظ الأشباح، وأقنع صديقي بـ "يا مسهّرني