يشكل مهرجان جبلة الثقافي بدوراته الأربع- والذي تقيمه جمعية العاديات على مدرجات الصرح الحضاري العظيم مسرح جبلة الأثري- نقطة انعطاف وتحول في حياة المدينة وأهلها ويضفي نغماً خاصاًًًً على الحركة الثقافية فيها وينقلها من حالة الركود والرتابة إلى حالة الضجة والحيوية لما يقدمه من فعاليات ونشاطات غنية بمادتها ومختلفة بمضمونها من الشعر والسينما والموسيقا والرقص والغناء بالإضافة لندوات بعناوين.
انطلاقة واثقة
ففي حفل الافتتاح أشار الدكتور علي القيم ممثل وزير الثقافة راعي المهرجان أن من يتابع هذا المهرجان ونشاطاته المتنوعة والمختلفة بغناها ومحتواها الثقافي يرى مدى الفرق والانطلاقة الواثقة نحو الأمام ليكون المهرجان الأشمل والغني بعناصره المعمارية حيث يقام على هذا الصرح الحضاري العظيم والذي نرفض تسميته بالمسرح الروماني بل مسرح جبلة الأثري ، ونتمنى إنهاء عمليات الترميم الكاملة لهذا المسرح لكي يعود شامخاً كما كان منذ حوالي ألفي عام وليؤدي دوره ووظيفته الثقافية.
وركز رئيس جمعية عاديات حلب محمد قجة على دور المنظمات والجمعيات الأهلية بالاعتناء والنهوض بالشأن الثقافي وأشاد بدور عاديات جبلة بهذا الشأن ، وضرورة التشبث بالجذور و بثقافتنا ولغتنا العربية خاصة وأننا نتعرض لهجوم وغزو ثقافي شرس في ظل عصر العولمة ، أما مدير المهرجان ورئيس جمعية عاديات جبلة جهاد جديد قال : تنهض حجارة وأروقة وأقواس هذا المسرح لتشاركنا فرحتنا ، وكأن معالمه ملت الاحتباس في قفص الماضي ، وأدركت بأن الثقافة ليست قيماً ثابتة ومكونات جامدة بل هي حركة وإبحار .
وكان نجم حفل الافتتاح الطفل كرم زينب الذي قدم مقطوعة موسيقية على آلة الأروغ شدت انتباه الجمهور لتلك الأنامل الصغيرة والتي استطاعت أن تخرج تلك النغمات الرقيقة والعذبة .
كما استمتع الجمهور بالأمسية الموسيقية للفنانين فواز العلي على آلة الكمان وعيسى شباط على الغيتار . وقدمت فرقة الرها من القامشلي لوحات فنية راقصة من الفن السرياني ( السوري القديم ) ، و الفرقة تعمل على تطوير هذا الفن بما يتلاءم مع التطور الحضاري والثقافي والحفاظ على هوية الفن السرياني الوريث للفنون السومرية والفينيقية والأكادية والبابلية و الآرامية والآشورية والتي تمتد جذورها إلى أكثر من 500 سنة ، وتصور هذه الفرقة بأعمالها الفلكلورية الجمال والأرض والإنسان والمستمدة من طبيعة بلادنا الجميلة وطقوسها الاجتماعية والتاريخية وتقدمها بنظرة عصرية مع المحافظة على روح التراث .
افتتاح دون المستوى
لكن حفل الافتتاح لم ينج من نقد الكثيرين من الحضور وحسب رأيهم كان دون المستوى الذي يليق بالمهرجان والمستوى الذي قدم في المهرجانات السابقة ، وعلل البعض السبب بضعف في التنظيم وبعض الخلل في الأمور الفنية لهندسة الصوت ما انعكس سلباً على جمالية فقرات الافتتاح ، وما زاد الطين بله انقطاع التيار الكهربائي أثناء فترة عرض فرقة الرها ، واستطاع عازف المزمار في الفرقة أن ينقذ الموقف بتقديمه معزوفات على مزماره متجولاً بين الجمهور لحين عودة التيار الذي دام حوالي الربع ساعة .
لكن فيلم "خارج التغطية" للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد عوض الجمهور ما فقده من متعة في الافتتاح، حيث قدم في أحداثه المتسارعة حكاية عامر الذي أفنى حياته خلال السنوات العشر التي سجن فيها صديق عمره ، فيضطر للعمل بثلاث مهن تأخذ كل وقته لتقديم ما يحتاجه بيته وزوجة صديقة وأبنتها لتأمين حياة كريمة ...لكن هذه الشهامة والمرؤة تنكسر بلحظة ضعف رهيبة عندما يخون صديقه مع زوجته لتشكل نقطة انعطاف في مجرى الأحداث وينتهي في انكسار حاد لشخصية عامر الذي جلس وحيداً فاقداً كل شيء، وهذه النقطة شكلت محور الحوار الساخن مع الجمهور بعد الفيلم والذي تلقى لكماته وسخونة تعليقاته الفنان فايز قزق بطل الفيلم نيابة عن المخرج بسبب تواجده في لندن حيث كان يعرض الفيلم في إحدى صالات العاصمة البريطانية بنفس وقت عرضه في جبلة .
تغير مؤشر البوصلة
أما في اليوم الثاني تغير مؤشر بوصلة المهرجان نحو الأفضل حيث استطاعت فرقة ارتجال الموسيقية أن تشد اللحاف إلى طرفها في جذبها لاهتمام الجمهور واندماجه مع الأغاني الجميلة لفيروز التي قدمتها الفرقة ، رغم تعليق البعض حول الطريقة والأخطاء في عملية تأدية هذه الأغاني ، كذلك ما قدمته الفنانة نور صفية من لوحات غنائية بديعة بصوتها المخملي العذب أمتع الحاضرين ما رفع من مستوى الأداء للمهرجان ،يضاف إلى ذلك ما قدمته الندوة حول الثقافة المرئية والتي أثارت عاصفة من التساؤلات لدى جمهور جبلة حول ما حققته الدراما السورية والإنتاج التلفزيوني من نجاحات وإنجازات وما تتعرض له من أزمات وصعوبات تقف حجر عثرة أمام سرعة حركة تطوير الدراما، وتأثير السلبي للمسلسلات الدرامية المدبلجة و التي تعرض على بعض الفضائية العربية والتي تتنافى وأخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا ، شارك في هذه الندوة الفنان جمال سليمان والمخرجة ريم حنا والكاتب قمر الزمان علوش وتولت الكاتبة والروائية سمر يزبك عجلة قيادة الحوار وغاب عن الندوة كل من المخرج حاتم علي و الفنان جهاد سعد وبدون تقديم عذر كما قالت يزبك .
كما كان هناك عرضاً لمسرحية ورطة عن رواية المستنقعات الضوئية للكاتب إسماعيل فهد إسماعيل ، وإعداد اللجنة الثقافية في جمعية العاديات وإخراج بدر زكريا .
الجمهور السوري مستمع مهم
أما في اليوم الثالث كان من المفترض أن يكون هناك ندوة حوار حول مدخل نقدي إلى تاريخ الفكر الإسلامي ، لكن عدم حضور المفكر الجزائري محمد أركون حال دون إقامة الندوة ما أفقد فعاليات المهرجان جزءاً من بريقها ومتعتها، لكن الأمسية الموسيقية لشربل روحانا وفرقته أعادت الروح والبريق للحالة الاحتفالية في المهرجان من خلال المقطوعات الموسيقية والغنائية التي قدمت ولامست بكلماتها وألحانها هموم المواطن العربي عامة واللبناني خاصة ما جعل الجمهور يتفاعل بكل أحاسيسه وعواطفه مع كل نغمة وكلمة تقدمها الفرقة ، ما دعا شربل للقول في لقاءنا معه : حفلة اليوم من أجمل ما قدمته في حياتي الفنية وبت مدركاً بأن الجمهور السوري مستمع مهم ويقدر الفن الجاد ويحترم من يقدمه ، والرائع في الأمر أن أغلب الحضور من جيل الشباب وهذا ما يدعو للتفاؤل وبنفس الوقت يحملنا مسؤولية كبيرة لتقديم الجيد والأفضل .
وقدمت الندوة الآثارية في صباح نفس اليوم معلومات مهمة وقيمة حول المكتشفات الأثرية في الساحل السوري ولا يمكن الخوض في تفاصيلها لأنها تحتاج عدة صفحات شارك فيها د.بسام جاموس وجمال حيدر ومسعود بدوي ورومان ريفالييه ، بالإضافة لأمسية شعرية لرولا حسن من سوريا وللشاعر الإسباني أوزمندي ليكاييه وغاب عها الشاعران سيف الرحبي من عمان وخوسيه ريبول من إسبانيا .
[img]http://www.jablah.com/modules/xcgal/albums/userpics/10144/Picture%20060....
عزف منفرد
بينما تميز اليوم الرابع بعزف منفرد للعازف العالمي غزوان الزركلي على آلة البيانو ، والذي قدم مجموعة من المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية ، وقال لتشرين : تقديم الموسيقى الكلاسيكية يحتاج لتحضير كبير ، ويجب نشر هذا الفن وتقديمه للجمهور بأحسن صوره ، ولا يكفي أن نقدم هذه الموسيقى لمرة واحدة في حفلة أو مهرجان ، بل يجب تقديمه بشكل متكرر كي يتعود عليه الناس ويتعود على أجوائه الخاصة ، فالمكان الذي عزفت فيه اليوم مسرح جبلة الأثري كان رائعاً وأكسب هذه الموسيقى رونقاً خاصاً لكن كان هناك بعض الثغرات والسلبيات في عملية التنظيم، فالضوضاء والحركة تؤثر على نوعية ومستوى الأداء حيث يحتاج هذا النوع من الفن إلى الكثير من الهدوء والتركيز.
وقدمت الفنانة الأوبرالية نعمى عمران - والتي شاركت وغنت في العديد من دول العالم - مجموعة من المقطوعات الغنائية الأوبرالية، ولأول مرة يقدم هذا النوع من الغناء لجمهور جبلة والذي تابعه بكل اهتمام ومتعة ، وقالت في اللقاء معها : عندما غنيت على مسرح جبلة شعرت بوجود أشخاص الماضي وعظمة الحضارات التي مرت من هنا ، وأكدت بأن المغني الأوبرالي يصل إلى مراحل من الانسجام مع الغناء والموسيقى تجعله يحس وكأنه يرتفع عن الأرض ، وهذا ما أحسست به اليوم .
كما عرضت أفلام قصيرة للمخرج رامي حنا " الهارب" ، ولجود كوراني" قبل الإختفاء" ولجود سعيد "مونولج " . وفي الأمسية الشعرية شارك بندر عبد الجميد من سوريا وبروين حبيب من الإمارات العربية وطاهر رياض من الأردن وغابت بيجان ماتور من تركيا .
بدوي الجبل مكرماً
وتوج المهرجان أنشطته في يوم الختام بندوة تكريمية للشاعر بدوي الجبل تحدث المشاركون فيها عن شخصيته وشعره حيث قال الشاعر الكبير أدونيس : أحس عندما أقرأ شعر بدوي الجبل أحس في أفق يربط بين عالمين واحد ينزل في النفس نزول القهر ، وآخر ينزل فيها نزول السحر ، وفي الحالتين كان يخيل إلي كأن الشعر العربي نبع بعمر التاريخ ، واليوم وبعد أكثر من نصف قرن على علاقتي الوثيقة بشعره أزداد إعجاباً به لأنني إزددت معرفة بشعره وموقعه في صيرورة اللغة الشعرية العربية .
وقال وفيق سليطين رئيس قسم الشعر في جامعة تشرين :من الخصائص المميزة لشعر بدوي الجبل أنه يتجاوز القاموس ولا يركن إلى خصائص الوحدات الساكنة ولا يخضع للقوة الماثلة فيها ، وتغدو المفردات لديه أكبر من قيمتها القاموسية .
وقال رضوان قضماني رئيس قسم الشعر في جامعة البعث : لم يكن شعر البدوي صدى للعصور الخوالي بل نجد فيه استمرار لتراث حي،و هو واحد من المبرزين والصورة عنده أصيلة طازجة غير مستهلكة وتتصف اللغة والصورة لديه بالحيوية والقدرة على التأثير وبهذا تفوق على جميع معاصريه من شعر الكلاسيكية القديمة . وتغيب عن الحضور محمد جمال باروت .
وكان هناك أمسية شعرية للشعراء عبد القادر الحصني، خضر الآغا ،إيمان ابراهيم جولان جاجي من سوريا .
واختتم المهرجان بأمسية غنائية بصوت وعد بو حسون الدافئ وعلى أنغام العود الحنونة .
كما رافق المهرجان معارض للكتاب والفن التشكيلي والتصوير الضوئي والنحت والإعادة والتدوير والمميز فيها كان معرض التراث الذي جمع الأدوات والتجهيزات التي كان يستخدمها أجدادنا في حياتهم اليومية في أحد أروقة المدرج مما أعطاه رونقاً ومعناً فريداً ربط بين التراث والتاريخ .
كلمة أخيرة
وفي نهاية المطاف لا بد من القول أنه هذا المهرجان نجح في مهمته وتأدية الرسالة في جمع أهالي المدينة في مكان واحد وزجهم في خضم الحركة الثقافية يؤثروا ويتأثروا ،لكن وحسب رأي البعض كان لضعف التنظيم أثره السلبي على رونق المهرجان وجاذبيته ،كما شكل غياب بعض الأسماء نقطة ضعف في خاصرته.