آخر الأخبار

قصائد ضائعة بين الرحابنة .. وغيرهم

 
ِلملمت ذكرى لقاء الأمس بالهدب
ِورحت احضنها بالخافق التعب


أيدٍ تلوّح من غيب وتغمرني
ِبالدفء والضوء.. بالأقمار بالشهب


ما للعصافير تدنو ثم تسألني
ِأهملت شعركِ راحت عقدة القصب

رفوفها وبريق في تلفتها
ِتثير بى نحوها بعضا من العتب

حيرى أنا.. يا أنا والعين شاردة
ِأبكي وأضحك في سري بلا سبب

ُأهواه من قال إني ما ابتسمت له
ِدنا فعانقني شوقا إلى الهرب

نسيت من يده أن أسترد يدي
ِطال السلام وطالت رفة الهدب

حيرى انا يا انا أنهد متعبة
ِخلف الستائر في إعياء مرتقب

أهوى الهوى.. يا هلا..إن كان زائرنا
ِيا عطر خيم على الشباك منسكب

 

 

يا ريت أنت و أنا بالبيت
شى بيت أبعد بيت
ممحي ورا حدود العتم و الريح
و التلج نازل بالدنيي تجريح

يضيع طريقك ما تعود تفل
و تضل حدي تضل
و يزهر و يدبل ألف موسم فل
و تضل حدي تضل حدي تضل
و ما يضل بالقنديل نقطة زيت

(انا يا عصفورة الشجن)
أنا ياعصفورة الشجن 
ِمثل عينيكِ بلاوطن

بك ما بالطفل تسرقه
ِأول الليل يد الوسن

واغتراب بى وبى فرح 
ِكارتحال البحر بالسفن

ٌأنا لا أرضٌ ولا سكن
أنا عيناكِ هما سكنى

أنا يا عصفورة الشجن
انا عيناكِ هما سكنى

ٍراجع من صوب أغنية 
ِيا زمانا ضاع فى الزمن

ُصوتها يبكى فأحمله
ِبين زهر الصمت والوهن

من حدود الأمس يا حلما
ِزارنى طيرا على فنن

ِأى وهم أنتَ عشتَ به
ِكنتَ فى البال ولم تكن

هل ما زلتم تستمعون إلى فيروز؟ أم أن موجة الأغاني الشبابية الحديثة جرفتكم بتيارها؟

فيروز اسم لا يمكن تجاوزه في الغناء الحديث .. اسم ارتبط بالذاكرة الثقافية لجيل كامل وسيستمر لأجيال لاحقة. والأخوان رحباني صانعو الأذن العربية الذواقة لم يكونا ملحنين فقط بل شاعرين ومسرحيين ومكتشفي نجوم وهذا أقصى ما يمكن أن يصل إليه فنان على الإطلاق. تتميز كلمات أغانيهم بالرشاقة والشفافية والبساطة والعمق بآن واحد وتتميز خيارتهم للقصائد الأخرى بالإبداع والذوق. من بين من كتب لهم (ميشيل طراد ـ الأخطل الصغير ـ سعيد عقل ـ طلال حيدر ـ جوزيف حرب ... وغيرهم) بحثنا في أسماء الكتـّاب عن مؤلف قصيدة (لملمت ذكرى لقاء الأمس) وكاتب أغنية (يا ريت) وقصيدة (أنا يا عصفورة الشجن) وكاتب أغنية (أنا لحبيبي) . لم نجد اسما ً محددا ً .

بعض المواقع الالكترونية وضعتهم تحت اسم الأخوين رحباني إلا أننا لم نجد أي تصريح لها يوحي بأن أحدهما هو من كتب كلمات هذه الأغاني كما أن جو ومزاج هذه الأغاني يختلف قليلا ً عن جو الرحابنة. فهي قصائد حقيقية وكاتبها بالضرورة شاعر كبير، استقصينا عن هذه القصائد فوجدنا أن موقع فيروز على الإنترنت لا يجيب عن هذه الأسئلة بل ربما كان هو بحاجة لمن يمده بمعلومات عن نشاط الرحابنة الكثيف والمتنوع.

تابعنا البحث والتقصي فأفضي إلينا أن شيخا ً جنوبيا ً كان قد باع عاصي الرحباني عدة أغاني بـ 25 ليرة واشترط عليه ألا يضع اسمه على الألبوم حفاظا ً على وضعه الاجتماعي والديني وخرجت الأغاني إلى النور وبقي اسم الشيخ (علي محمد جواد بدر الدين) في الظل، من هو هذا الشاعر المنسي الذي أهدانا هذه القصائد الرائعة بذاك المبلغ البسيط؟ عدنا وبحثنا مرة أخرى ووجدنا أنه من مواليد لبنان بلدة حاروف، عام 1949 .. عاش شبابه في أكناف العلماء القاطنين في منطقة النبطية.

في العام 1969 قرر الذهاب إلى النجف الأشرف طالبا ً للعلوم الدينية وهناك تفرغ لدراسة الفقه  إلا أنه ورغم انهماكه في الدراسات الدينية فإنه لم يتنكر لشاعريته فقد انتسب إلى الرابطة الأدبية في النجف الأشرف والتي كان يرأسها العلامة السيد مصطفى جمال الدين.

له ديوان واحد لم نستطع الحصول عليه حتى الآن اسمه (سيدي أيها الوطن العربي). ومن أجوائه :

يارمل بيروت جئنا نفرش الهدبا

ونستعيد عيونا ً زيتها نضبا

غرست في الشط ذكراهم لتحرقني

حيث ارتميت يصير الماء بي لهبا

عام 1980 اختـُطف وهو في طريقه إلى المسجد ثم وجد بعد أيام جثة هامدة في أحد أودية الجنوب، لا شك أن حياة الرجل حافلة وتكوينه الثقافي متنوع إلا أنه توفي وهو في الثلاثين من عمره وهنا عدنا وسألنا مصادرنا في بيروت في أي سن كتب علي بدر الدين هذه القصائد؟ وكانت الإجابة أنه كتبها وهو دون العشرين من العمر إلا أنه كان يخفي معظم قصائده الغزلية ولا يصرح إلا بالقصائد الوطنية والدينية وذلك حفاظا ً على مكانته ومكانة أسرته.