شهادة الفنان عبد الحليم كركلا والشاعر الكبير طلال حيدر في سعيد عقل.
كركلا قال: هو اللاممكن ان يكون الاهو، امير امراء الشعر، واميرشعراء الزمان، ملا الدنيا حكمة وتنويرا وفلسفة وشعرا، لقد لعب في اللغة وصنع منها اجمل اللغات لانه يختزن اسرار الكلمة، لقد سكن المجد داخله، فارسلته الهة الشعر واعطته ليكون رسولها، ولم يكن شاعرا عاديا، لانه لا يشبه أحدا، ولا يقارن بأحد.
اما الشاعرحيدر فقال: اللغة العربية كانت تجهل خلال الف سنة انها ستصل الى هذه الامكنة التي اوصلها اليها سعيد عقل، لقد ذهب الى امكنة لم يقصدها احد من الف سنة، ووضع فينا كبرياء الشعر، وجعلنا نمشي في الرهان الذي اخذه اي اللغة المحكية، ورؤيته للغة ليست نتيجة ايمانه ب»قومية لبنانية»،بل هي رؤية فلسفية وهدفه فتح رديف للغة الفصحى.
انفردت «الديار» بحديث غني وقيم وخاص للفنان عبد الحليم كركلا والشاعر الكبير طلال حيدراللذين تحدثا عن ابداعات الشاعر الكبير الراحل سعيد عقل ، كما انها انفردت بنشر بعض قصائد لم تنشر للشاعر الراحل.
كركلا
وقال الفنان الكبير كركلا: مسيرة الشاعر الكبير سعيد عقل، هي مسيرة تربيت عليها، وكأنك تغرف الضوء من العتمة، لا سيما منذ بداياتي الفنية التي تحتضن الموهبة، حيث وجدت الكنز وهو سعيد عقل الذي يعتبر كنز لبنان وصديقه وظله، وقد اثر في الكثير من الفنانين اللبنانيين، لانه لم يكن يعرف سوى الحب والمحبة.
كان يدور على الجمال ويفتش عن مصدر خلقه ، وكان مصنعا للقيم والعفة والطهارة، وقد سألوه في احدى المرات: ماذا تقرا؟، فقال لهم:اذا سعيد يقرا من سيكتب.
كان دائما يبحث ليترك المستوى الحضاري الكبير للاجيال الصاعدة والمقبلة، هذا الجيل سوف يلتقي سعيد عقل عندما يقرا اشعاره، وسيجد داخل كلماته المواطنة، والجمال ، ولقد عاصرنا سعيد عقل وفرحنا واعتزينا به لانه قمة في لبنان، وانا اريد ان اسميه بالتالي: هو اللا ممكن ان يكون الاهو، امير امراء الشعر، واميرشعراء الزمان، كانت معركته دائمة مع شعراء الجاهلية ومع المتنبي، كان يعلم ان الشعر العربي عظيم جدا، و يناطح كل الشعر ليتوج على هذه العظمة، فطوع كل شيء وحتى اللغة التي اصبحت بين يديه، ورسم طريقها لانها ليس هي من ترسم طريقه، وقدعلمت هذه اللغة الى اين وصلت معه لما يمتلكه من سكب و صور، ولا نريد ان نتحدث عن سعيد عقل كشاعر لانه رمز.
رمز للامة العربية
اذا اتهم سعيد عقل بشكل خاطئ لا يرد، ولكن اذا اتهم بشكل جدي يرد، فكل ما قيل عنه يجب ان تكون في وقته، لان كل احداث لها ظروفها واسبابها، وانا اقول: ان الكمال لله، لانه لا بد ان يمر الانسان في احاسيس وفي شعور وطني يدفعه الى ان يشتم اهله، نفس الشيء عندما يمر الانسان في شعور مؤلم ما يدفعه الى نكران ربه، والانسان عرضة للدراما التي تحدث معه خلال مسيرة حياته، ولكن عندما يكون مثل سعيد عقل يجب ان تسامحه كل الدنيا ليبقى رمزا لامتنا العربية، لان الهة الشعر ارسلته واعطته ليكون رسولها، لم يكن شاعرا عاديا، ولا يشبه باحد، ولا يقارن باحد، لقد ملا الدنيا حكمة وتنويرا وفلسفة وشعرا، و لعب في اللغة وصنع منها اجمل اللغات لانه يختزن اسرار الكلمة، والمجد هو من سكن داخل سعيد عقل الذي يقول:
المجد ما المجد
لا احتاج اليه انا
جبيني العالي
اليه المجد يحتاج
هذه لغة المتنبي، لغة التحدي الموجود، كان يقدم عملا يختلف عن كل الاعمال،
كان لديه رؤية تاخذه الى مسافة بعيدة والى افق، وكان يعلم ان الذاكرة ستخلده، وانه سيترك مجدا وعظمة للبنان والجمال والقيم والشهامة والعنفوان، فان صياغة هذه الامور كان على معرفة بها لانه سيترك للاجيال هذه العظمة.
كان سعيد عقل يمتلك ثالوثا وهو الحق والخير والجمال، لا يمكن ان تحيط سعيد عقل لانه محيط ، لا يمكن الوصول الى مدى رؤيته، لقد كان رسولا للشعر بقوة ربانية وسبحان الخالق عندما يعطي الموهبة والقوة لانسان يصبح رسولا، ولا يتكرر سعيد عقل ،فعندما تحدث عن الامام علي قال: كلامي على رب الكلام هو الصعب ..الا انني السيف لا ينضب.
اما صلاح لبكي فقد قال منذ 70 سنة للشعراء : «اذا نزل هالشاعر من زحلة كسروا قلامكن كلكن».
اما بولس سلامة فقد قال قبل ستين عاما : هل لسوى الذرة فصفت رعود،لان سعيد عقل كان البرق والرعد معا وكلمته سحر.
قصائد في مسرحيات
ان اول قصيدة كتبها لكركلا هي في عام 1972 في مسرحية «اليوم بكرى مبارح» كانت على وزن دلعونا وهي:
خلونا نرحل يا البتحبونا
عاليوم مبارح بكرا خلونا
انكانت هالرحلة ليلة طويلة
منعمل قمرها دمع العيونا
وكتب قصيدة لمسرحية «اليسار» قال فيها:
روق يا ابو السيف وابا
سنح هالدني ولا تكركبا
ارجاع شكلو خصر بزند
قلو انا وانت الصبا
خليك عنا بهالجرد
هون الشعر منو سرد
بتليعبن بكرا وامس
عالاصبعين وعالخمس
وانتلعب علينا الشمس
اشرق انا وزت العبا
وكتب الراحل عقل لبعلبك:
بعلبك صخرك يسمعنا
يا سعرك ما جابو سعر
رقصنالك رقصنا الشعر
عواميدك رقصت معنا
الزمان المجد ضيوفك
والحب الي وين الوين
عطيتنا الشمس العنين
انت عطيتينا نشوفك
وفي مسرحية اليسار قال:
بيقولوا رجع لبنان
ليش مين قلكن انوفل
لبنان المجد الحرزان
عمرو لا غاب ولا كل
وكان سعيد عقل يزرع في داخلي الابا والعظمة، علمني كيف يكون الفن لمدح الوطن وليس الاشخاص، واسبوعيا كنت اجتمع معه، وهو اشترك في كل اعمال كركلا، وهو من اعطاني فكرة «اليسار»، فكان النبع الذي نرجع اليه عندما نحس اننا ضعفاء، هوالنور الذي ينير طرقاتنا، هو القيم التي نتظلل بظللها، لقد قال للشاعر ميشال طراد عن طلال حيدر : في كل يوم يولد عندنا طلال حيدر؟ شعره يضاهي شعراء اوروبا الكبار، انا خايف عليي وعليك منه.
عندما جاء الفيلسوف الشاعر الفرنسي ارغون واستقبله سعيد عقل في منزلي في بعلبك، واصبح يشرح للفرنسي، واستطاع ان يغطي على الضيف.
وعندما اغتيل باسل الاسد قال فيه: اليوم يا غضبي هادر، يسوع لها انفجارنا الم .
وفي الختام قال كركلا للراحل سعيد عقل:
شغلت الورا وملات الدنا، بشعر نقدسه كالصلاة ايها المعلم العظيم ،
سيبقى نجمك ساطع في السماء، نراه للابد من اعمدة بعلبك، والخلد والمجد لاسمك باق تسابيحه من حنايا الارز.
طلال حيدر
اما الشاعر طلال حيدر فقال: لقد بدات وكنت صغيرا، وعندما مررت من قرب قلعة بعلبك والتقيت الشاعر ميشال طراد واسمعته قصيدة فقال لي :هل تعلم ان مسمار في البصطار شاعر اهم من جوهرة بتاج ملك، اي في «البوط المسمر وشاغلو سكاف» ، واضاف:»صار فيي موت لانو اجا مين يكفي الطريق» ،لكن شوف المعلم سعيد عقل»،
وعندما التقيت الراحل عقل فرح جدا للبنان ،لانه اتى من يكمل الطريق في الشعر المحكي لانه هذا هو الرهان بالنسبة اليه، هذه اللغة المحكية هي رديفة للغة العربية، وعندما سمعني قال: ليس كل يوم يولد عندنا طلال حيدر.
سعيد عقل كان يبث فينا روح المجد والثقة والفخر، لكي نكمل في حين هو الضوء، ويمد يده لكي نطلع الجبل بع ان كنا في السهل، ومع الوقت بدانا نعرف بعض ابداعات سعيد عقل، وبدانا نعلم «شوي من ليش سعيد عقل وليس كل الليش»،
بدراية لغوية وفلسفية اكتشفت، انه من المتنبي وحتى اليوم، كل الذين اتوا كانوا تفريد على بنيوية جملة المتنبي، من بدوي الجبل الى الجواهري وغيرهما ، لان المتنبي لم يستعمل المنطق الحدثي بل الشكلي او الصوري، وهذا اراه في منهجية نثر وليس منهجية شعر، فاذا كانت الكلمة في النثر هدفها الطابق الموصوف في اي نوع، اما الكلمة في الشعر هدفها الابتعاد عن الموصوف حتى تخلق معنى لم يكن خاطرا على بال الكلمة،فمثلا عندما تقول:سجرة ، عليك ان تقرب لكي تريني السجرة في النثر، لكن عندما تقول سجرة النوم، تكون قد اعطيت للسجرة مكانا لم تعرفه من قبل.
اللغة العربية كانت تجهل خلال الف سنة انها ستصل الى هذه الامكنة التي اوصلها اليها سعيد عقل، ولقد سمي احمد شوقي امير الشعراء، انا اضع قوسين لهذه التسمية ،
لقد قال شوقي في تعريف الشعر: الشعراذا لم يكن ذكرى وعاطفة وحكمة فهو تقطيع واوزان، اما سعيد عقل فيقول: الشعر قله رنين الكون، قله الصدى لكف ربك اذ طنت على الزمن ، من هنا نرى الابعاد التي وصل اليها عقل، ونسال :هل هو صناع لغة؟.
جعلنا نرى الغير مرئي
نعم ان اللغة تطيعه كالمرأة بين يديه يوصلها الى المطارح التي يريدها، ولكن «مطرح ما بتوصل اللغة مع سعيد عقل»، كان المتنبي يقدر ان يصل الى نفس المكان، لكن مفهومه كان يمنعه الخروج من المنطق الى الحدث، الى الغير معقول، وهنا نؤكد ان هاجس سعيد عقل كان الغير معقول، وهو كان يجعلك ترى الغير مرئي، خاصة عندما يتحدث عن شبلي الملاط او معركة عنجر ويقول:
تلاحظت من اساها الخيل صاهلة
وفتت كاظمات حلقها اللجم
وقال كذلك:
ببالي خطرت اليوم فليشتعل بالي
كانك قصف الرعد في الجبل العالي
كانك لون في الطبيعة اثر
اواسم كطير الرخ اوشجر الضالي
ذهب عقل الى امكنة لم يقصدها احد من الف سنة، ولقد وضع فينا كبرياء الشعر وجعلنا نمشي في الرهان الذي اخذه اي اللغة المحكية.
لقد كتبت اللغة الفصحى واللغة الفرنسية ، لكني تركتهما لاني اقتنعت من خلال جلسات معه من خلال فلسفته وليس تبشير ما، وكان يقول لي: انت ترى حلمك بأي لغة؟، فأقول له: بالمحكي، فقال لي ان عدم وجود المسافة بينك وبين نومك هذه اللغة، لقد اثرت السريانية على اللغة واقطت حروفا، فالتسكين اسقط احرف، وفي مصر يقولون دا بدل هذا، فلقد اسقطوا هاء التنبيه، وحرف الذال اصبح دال، وابن الاثير يقول والابلغ ما بقي على اللسان، رؤية سعيد عقل للغة ليست نتيجة ايمانه ب»قومية لبنانية»،بل هي رؤية فلسفية للغة، وهدفها فتح رديف للغة الفصحى، في هذه المسيرة لم يكن هو المعلم فقط في هذا الامر، بل كان فكر وفلسفة اللغة ينقلها لنا على جلسات متطورة ، ويقول هذه هي اللغة اللبنانية، لا احد يستطيع ان يقف امام المياه مهما بنيت السدود، لان اللغة هي افراز اجتماعي، وقد قال: ان من جعل العرب يتحجرون هو وقوفهم في وجه اللغة، ان الابداع يقرر مصير اللغة، والابداع ليس عمل فرد بل حركة المجتمع.
وانا اول الف ليرة كانت في يدي من جائزة سعيد عقل، لان اهتمامه بالجائزة خلق فينا مسؤولية، وكان يقول لي:يجب ان تهزم نفسك يا حيدر في كل قصيدة جديدة تكتبها، وعظم مسرح كركلا كتبته لكن كان سعيد عقل دائما يضوي علينا في قطعة ويواكب الاعمال، وكان فرحا جدا لان رهانه في اللغة الرديفة قد نجح، لقد ظلموه وهاجموه بالشعوبية، لماذا يقفون في وجه الجمال؟.
واخيرا اقول لسعيد عقل:
صوتك مرق عالمسافة وسلم عليها
ما صدقت انو مرا تشافت الحنة عايديها
«بيقولوا سعيد عقل رحل، لكن ليقيم في دار الشعر الابدية، دق الباب شاف المتنبي قاعد،
وقلو الاخير بعد ما انحنى قدامو وصلت لمطارح ما كنت استرجي مد ايدي عليها شرف يا معلم قعود عتاج الملك».
قصائد غير منشورة
ولد الشاعر سعيد عقل عام 1912 في مدينة زحلة وتوفي في شهر تشرين الثاني من العام 2014 عن عمر يناهز المئة وسنتين، وان دواوينه واعماله وقصائده كثيرة ومعروفة، ومنشورة ولسنا بصدد تعدادها ، لانه يلزمنا صفحات وصفحات، ولكن نكتفي بنشر بعض من قصائده الغير منشورة.