آخر الأخبار

أحمد الجلبي:قصة العلاقة مع (سي آي إيه)-3

كيف تشكلت القناعة لدى الأميركيين بإسقاط نظام صدام حسين؟

- حصلت الانتخابات الأميركية بعد أقل من أسبوعين من انعقاد مؤتمر صلاح الدين. خسر بوش الأب الانتخابات لولاية ثانية اواخر عام 1992، وفاز كلينتون. وركز برنامجه في الفترة الأولى من رئاسته على الشؤون الداخلية، وكان هناك برنامج للضمان الصحي يركز عليه مع زوجته هيلاري. وكان كلينتون يعتبر أن مشاكل العراق موروثة من عهد الرئيس بوش الأب وكان يريد أن يتخلص منها. في تلك الفترة، أدلى كلينتون بتصريح، اعتبرته زلة لسان واستفدنا منه، قال: «إذا اهتدى الانسان فنحن نصفح عنه». كلينتون كان يتحدث هنا عن صدام، وقال: «الإنسان يمكن أن يهتدي وهو على فراش الموت». وفسر كلامه بأنه كان يريد أن يتفاهم مع صدام. بالنسبة لي، كان المدخل الى كلينتون هو مارتن انديك (مستشاره لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي) وهو يهودي صهيوني واسترالي جاء الى أميركا عام 1984، وأسس معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. وفي أواسط الثمانينات بينما كان انديك يؤسس المعهد، قام بجولات في الشرق الأوسط للقاء مجموعات من المتبرعين لمعهده. وكان مهتما بلقاء مسؤولين وأشخاص عندهم أفكار وآراء حول منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً من العرب. في تلك الفترة كنت في عمان، رئيسا لمجلس إدارة بنك البتراء، وكنت مدعواً لحضور حفلة زفاف في واشنطن، جاء انديك، فعرفوني به. أنا احترمته واحترمت الأشخاص الذين كانوا برفقته، وعندما زار المنطقة ساعدناه وسهلنا أمره. هكذا بدأت العلاقة معه. التقينا في عمان وتوالت اللقاءات. هو كان مستشار كلينتون في الانتخابات، ولما صار كلينتون رئيساً عين انديك مستشاره لشؤون الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي. وعندما جاء بوش عين زلماي خليل زاد مكانه. في مجلس الأمن القومي هناك مستشارون للرئيس لمناطق مختلفة، لكن الأهم كان المسؤول عن الشرق الاوسط، وتضمنت أجندته عملية السلام.

كلينتون لم يكن مهتماً بالسياسة. أنا اتصلت به مرة وسألته عن العرض بالعفو عمن يهتدي. قلت: «هل تريدون أن تتصالحوا مع صدام»؟، أجاب: «لا». قلت له: «حسنا، يجب اذن ان تفعل لنا شيئاً بسرعة». فقال: «ماذا تريدون؟». قلت: «نحن قمنا بزيارة لجيمس بيكر، ونريد أن يلتقي وفد من المؤتمر الوطني العراقي مع مسؤولين اميركيين، على الأقل مع الوزير وارن كريستوفر». قال: «حسنا». فقلت: «اريد ان تتم في اول مئة يوم من تسلمك رئاسة الجمهورية». فاتفقنا وقمنا بزيارة لأميركا في الشهر الرابع من العام 1993. أنا لم أكن ضمن الوفد، لكنني رتبت للزيارة. استفدنا من الزيارة لجمع الناس. جمعنا ستة أشخاص: السيد محمد بحر العلوم ومسعود بارزاني وحسن النقيب وجلال طالباني وصلاح الشيخلي وشخص آخر لا أذكر اسمه. وضعنا برنامج الزيارة. وسافرت الى واشنطن قبل سفر اعضاء الوفد.

كنت قلت لأعضاء المؤتمر: «أريد منكم موضوع محاكمة صدام. بين أيديكم تقرير للمدعي العام في الجيش الأميركي عن جرائم حرب قد يكون صدام ارتكبها في الكويت، انشروه». غبت عنهم يومين، قالوا بعدهما إنه نشر. فقلت أريد شيئا آخر، أن تقول أميركا أنها مهتمة بمحاكمة صدام. فقالوا حسنا. جاء الوفد الى واشنطن، وقابلوا كريستوفر. وخلال المقابلة مع كريستوفر، قال لهم إن الولايات المتحدة تؤيد تشكيل لجنة في الأمم المتحدة للنظر في جرائم ضد الإنسانية قد يكون صدام ارتكبها، وإنها تنظر في الأدلة. عندها عرفت أن ما طلبته تم.

كان هذا في الشهر الرابع عام 1993، وكان تطورا خطيرا توقعت أن بإمكاننا أن نبني عليه مدخلا مع إدارة كلينتون، وأن نجعلهم يلتزمون بهذه القضية. وفعلا هذا الشيء ساعدنا.

بعد ذلك، قابل الوفد مستشار الأمن القومي للرئيس كلينتون انتوني ليك ثم زار نائب الرئيس آل غور. كنا وضعنا برنامجا للوفد ليطرح مع آل غور التدمير البيئي الذي قام به صدام في أهوار العراق في منطقة الجنوب، وذلك على اعتبار أن آل غور مهتم بالبيئة. وتم هذا الأمر.

> أنت لم تكن مشاركا في هذه اللقاءات؟

- أنا لم اكن أشارك في هذا اللقاءات، لكنني كنت موجوداً في واشنطن.

> وتحمس آل غور ضد صدام؟

- طبعا.ً هو لم يتحمس فقط، بل قام بشيء كبير جداً، وقّع رسالة وأرسلها إلينا، بعدما كنا اقترحنا عليه أمراً. في ذلك الوقت كان صدام ألغى ورقة العملة من فئة الـ25 ديناراً، وتسبب هذا الأمر بضجة، إذا تسبب بخسارة الكثيرين لمدخراتهم. فاقترحنا عليه أن نؤسس مجلس نقد عراقي يصدر عملة عراقية تغطيها أرصدة الحكومة العراقية التي كانت محجوزة في العالم. وقلنا له إن هذه العملة ستكون العملة المتداولة في العراق، وصدام سيحتار. طبعاً كانت خطة عظيمة، لكنهم لم يأخذوا بها. وبدلاً من ذلك كتب آل غور رسالة وجهها لي بتاريخ 4 آب 1993، يقول فيها إن الولايات المتحدة اهتمت بالمستوى العالي من البحث الذي حصل مع المؤتمر الوطني العراقي، وإن الرئيس كلفه بأن ينقل إلينا أن الولايات المتحدة ستقوم بما في وسعها لمساعدتنا على مواجهة صدام وتغيير النظام.

> هذه كانت المرة الأولى التي يذكر فيها موضوع تغيير النظام؟

- أجل، والنص موجود عندي. لا اعتقد انهم قدروا حجم الالتزامات التي ترتبها هذه الرسالة عليهم. فاكتسبنا أمرين من هذه الزيارة، الأول موضوع المحاكمة، والثاني حصلنا على انطباع جيد من آل غور عن اهتمامنا بالبيئة، وبنتيجة الامرين كانت الرسالة التي ساعدتنا في اصدار قانون تحرير العراق.

في هذه الفترة طلبنا ايضاً من الإدارة الأميركية أن تسهل لنا الاتصال بالدول العربية، فحصل اجتماع مع سفير المملكة العربية السعودية لدى واشنطن الأمير بندر بن سلطان، وكان الاجتماع معه جيداً جداً. ثم طلبنا منهم أن يساعدونا على زيارة المملكة العربية السعودية، كي نكسر الطوق من حولنا الذي كان يشبه المقاطعة، فوافقوا. عاد الوفد الى لندن، ومن هناك تم ترتيب الزيارة الى المملكة العربية السعودية، وأرسل لنا المغفور له الملك فهد طائرة خاصة نقلت 14 من أعضاء المعارضة في قيادة المؤتمر الوطني مباشرة الى السعودية.

> في أي عام حصل ذلك؟

- في الشهر السادس عام 1993. قبل موسم الحج، وأدينا فريضة الحج ضيوفا على الملك فهد.

ذهبت الى واشنطن وشرحت الوضع، قالوا: هذه بداية عظيمة ونحن يمكننا أن نبني على ذلك.

كنا في بداية الشهر السابع من عام 1993، وقال الاميركيون: المرحلة التالية هي الكويت. رجعنا الى كردستان وبقينا هناك وبدأت في بناء مؤسسات المؤتمر الوطني العراقي، كنا بدأنا بإصدار جريدة في الشهر الرابع من ذلك العام ونحن في أميركا وأسسنا إذاعة وتلفزيون ومركزاً للإعلام الخارجي ومركز اتصالات مع الجيش العراقي داخل مناطق صدام وخطوطاً لشرح الوضع للداخل. كما بدأنا بتأليف كتاب عن محاكمة صدام باللغة الإنكليزية. سميناه «العدالة والمصالحة». وضمناه قرارات عدة، أولها مشروع قرار في مجلس الأمن حول تأليف محكمة لمحاكمة صدام ونظامه. أعدته مجموعة من المحامين بينهم الأستاذ كنعان مكية، ويتضمن أيضا 12 لائحة اتهام بحق كل المتهمين الرئيسيين: صدام حسين وأولاده وعلي حسن المجيد وعبد حمود وعزيز صالح وطارق عزيز وطه ياسين رمضان ومحمد حمزة الزبيدي وحسين كامل و35 شخصاً آخرين. وهم قيد الاعتقال وتجري محاكمة بعضهم.

بعدها ذهبنا الى كردستان وبدأنا العمل من هناك، وعقدنا اجتماعات للمجلس التنفيذي للمؤتمر الوطني في كردستان.

> نحن الآن نتحدث عن المؤتمر الوطني العراقي كمظلة للمعارضة؟

- نعم، في كردستان.

> من كان يضم؟

- الإسلاميين والأكراد وكل الأطراف.

> والمرحلة التالية؟

- كان علينا أن نقيم نشاطاً مهماً. وحصلت رحلة الكويت.

> ماذا حصل في تلك الرحلة؟

- كنت آنذاك في كردستان وذهبت الى طهران ومنها جاء معي الشيخ همام حمودي ممثل المجلس الأعلى لينضم الى وفد المؤتمر الوطني لزيارة الكويت. وجاء من لندن بقية اعضاء الوفد، وكانوا ستة. لطيف رشيد (وزير الموارد المائية الحالي) عن الاتحاد الوطني الكردستاني وهوشيار زيباري من الحزب الديموقراطي الكردستاني وصلاح الشيخلي من حركة الوفاق الوطني والشيخ همام وأنا. كان هذا في شهر 11. في الكويت استقبلونا استقبالاً كبيراً، وقابلنا وزير الخارجية آنذاك الأمير الحالي الشيخ صباح الأحمد.

> وكيف كان اللقاء؟

- كان اللقاء جيداً، وقلنا إن هذه خطوة مهمة علينا أن نقوم بها واننا نحترمكم. ثم قابلنا رئيس الوزراء المرحوم الشيخ سعد العبدالله وكذلك الأمير المرحوم الشيخ جابر الأحمد، ووعدونا بالمساعدة.

> أي نوع من المساعدة؟

- قالوا إنهم سيعطوننا مبلغاً من المال للمؤتمر للإنفاق على الأوضاع، ويساعدوننا لكنهم لم يساعدونا.

> إذن لم تساعدكم السعودية ولا الكويت؟

- لم يساعدونا. ساعدوا بعض أطراف المعارضة. لكنهم لم يساعدوا المؤتمر الوطني الذي كان مجموعة سياسية تمثل البديل لنظام صدام. و90 في المئة من اركان النظام الحالي هم ممن كانوا أعضاء في المؤتمر الوطني العراقي.

كانوا وعدونا بمبلغ من المال لم يصلنا. أنا أنهيت الاجتماع وذهبت الى فرنسا. كان عندي اجتماعات هناك. وفي ذلك الحين، كانت وكالة الاستخبارات الأميركية منشغلة بقضية اعتبرتها خطيرة: أحضرت سفيري العراق في تونس وكندا وقالت انهما سيلجآن إليها واعطتهما ضمانات بتوفير الاقامة لهما في بريطانيا بشرط أن يعلنا التحاقهما بالمعارضة.

> حدث هذا الشيء؟

- نعم. حامد الجبوري (الذي كان وزير دولة للشؤون الخارجية ومدير مكتب البكر وصدام) سفير العراق في تونس، أخذوه الى إيطاليا في زورق مع أهله ثم نقلوا أغراضه الى بريطانيا. والدكتور هشام الشاوي سفير العراق في كندا، أحضروهما الى بريطانيا، وطلبوا منا أن نساعد في ترتيب مؤتمر صحافي لهما. اعتبرت الوكالة هذا الأمر إنجازا على طريقتها. أعجبهم الكلام عن أن سفراء عراقيين ينشقون عن صدام. لكن الشاوي ما لبث أن تركهم بعدما أخلوا باتفاقهم معه ورحل الى السعودية حيث لا يزال. والجبوري بقي في بريطانيا.

الأميركيون يعتقدون دائما انهم إذا فعلوا هذا الأمر، فسيصلون الى الحلقة المحيطة بصدام وسيؤثرون عليه. هذا كان هاجسهم. بعد ذلك رجعت الى كردستان. وبينما كنت في الطريق بدأ القتال بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحركة الإسلامية في مناطق مختلفة من كردستان العراق، وعندما عدت كان القتال مستعرا. أرسل بارزاني أشخاصاً ليستقبلوني، وكان خائفاً أن يحصل لي شيء في الطريق. كان الوضع متوتراً جداً. رجعنا من إيران الى كردستان. الحركة الإسلامية كانت ضمن المؤتمر الوطني وجلال كان في زيارة خارج العراق عندما بدأ القتال، وبسرعة استطاع الاتحاد الوطني أن ينهي الوجود العسكري للحركة الإسلامية. كان رئيس الوزراء في كردستان الأستاذ كوسرت رسول علي (نائب رئيس الاقليم) وهو مقاتل شجاع، قاموا بحملة إعلامية شرسة ضد الإسلاميين وأعطوا انطباعا بأن أميركا تريد القضاء على الإسلاميين. فكرت حينها بأننا في كردستان والإسلاميون جزء من المؤتمر العراقي، فكيف نسكت عن هذا الموضوع. فانتصرت لهم.

> هل أيدت الإسلاميين؟

- لم أؤيدهم، بل طلبت منهم أن لا يقوموا بأعمال مخلة باحترام قيادة الحركة الإسلامية. هم كانوا سيذهبون الى إيران، فأقنعت كوسرت بأن يطلق سراح مرشد الحركة الإسلامية الشيخ عثمان عبدالعزيز وأحد أولاده ومجموعة أخرى منهم، وأن يحضرهم الى كردستان، إلى منطقة مسعود حيث مقرنا في صلاح الدين. اقتنع كوسرت، وأرسلهم. وسألت الأستاذ مسعود، هل تستقبلهم؟ قال: طبعا، لكنني اخجل من مقابلة الشيخ. أنت استقبلهم، وخذ معك أخي. استقبلتهم وبقوا أياما في مقر ضيافة الحزب الديموقراطي الكردستاني ثم استأجرنا لهم بيوتا في صلاح الدين وفتحنا لهم مجال الاتصال بالخارج للإعلان عن بقائهم في كردستان. لم يكن عندنا موبايل بل تليفونات ساتيلايت. ثم حتى انفي لهم أن الأميركيين يريدون ضرب الحركة الإسلامية، رتبت لهم لقاء مع مندوبة وزارة الخارجية الأميركية في قاعدة انجرليك اسمها بربارة شيل التي قتلت بعد اسابيع في تحطم طائرة هيليكوبتر ضربها الأميركيون. قلت لها: أبلغيهم أن اميركا لم تطلب من احد ان يضربهم وان لا شيء ضدهم. انتعشوا. في شهر آذار 1994 زارنا وفد مؤلف من بروس رايدل نائب انديك والين لايبسن (ضابط استخبارات) وديفيد ليت (الذي صار لاحقا مدير مكتب شمال الخليج في وزارة الخارجية الاميركية ثم سفيراً في الامارات) زارنا الوفد واطلع على الإمكانات الموجودة عندنا وأعرب عن اهتمامه ثم تم ترتيب اجتماع للوفد الأميركي مع مسعود بارزاني في حضوري. قالوا له: نحن فرحون بالتقدم الكبير الذي أحرزه المؤتمر الوطني. مسعود بارزاني كان عضواً في مجلس الرئاسة في المؤتمر، وقالوا: نحن نريد ان نقوم بشيء لنرفع قيمة المؤتمر الوطني. قال بارزاني: اذا اردتم ان تساعدوا المؤتمر الوطني في شكل جدي في العراق، ساعدوا المؤتمر الوطني للسيطرة على الموصل، وهذا ممكن. عندها ساد الصمت وكأن على رؤوسهم الطير وانتهى الاجتماع.

التفت مسعود نحوي وقال: لقد كذبوا علينا عام 1975 (على والده في اتفاقية الجزائر) وسيكذبون علينا الآن. في هذه الدقائق اتضح وضع الأميركيين تماما. عاد الوفد الى أميركا. بعدها اتى وفد من وكالة الاستخبارات الاميركية في الشهر الرابع من عام 1994. الأوضاع كان تسير نحو التوتر بين الاتحاد الوطني والحزب الديموقراطي أي بين جماعتي جلال ومسعود. خلال هذه الزيارة لوفد وكالة الاستخبارات الأميركية تنبهنا أيضا إلى انهم لم يكونوا يعرفون ماذا يجري في كردستان وكانت مفاجأتهم كبيرة بعدما رأوا وضع المؤتمر وقيمتنا ووجودنا وإمكانياتنا في كردستان، ولم يكونوا يتوقعون هذا. وبدأوا يخافون من أن يخرج هذا الأمر عن سيطرتهم. ومنذ ذلك الحين توقعت أن تحصل مشاكل مع الـ «سي آي أي». في بداية الشهر الخامس من عام 1994 بدأت المعارك بين الاتحاد والحزب وكانت هذه الطامة الكبرى بالنسبة لي وللمؤتمر وللمعارضة العراقية. تصديت فورا لهذا الامر، ونجحت في وقف القتال. عندها اتصل بي ضابط مسؤول من الـ «سي آي أي». سألني: ماذا تفعل؟، فأجبت: اعمل على وقف القتال. قال: هذا ليس من شأنك. قلت له: هذا شأني. نحن في كردستان وهذا مقر العمل السياسي والعسكري لإسقاط صدام، وإذا حصلت حالة حرب بين القوى الكبرى المنتمية الى المؤتمر الوطني في كردستان فنحن لن نفلح. هذه قضية مصيرية بالنسبة إلينا أن يتوقف القتال لنتمكن من استئناف أعمالنا.

> وأقفلت الهاتف؟

- نعم. وبعد أسبوع نجحنا. طلبت الأطراف الكردية منا أن نقيم نقاط سيطرة للمؤتمر الوطني على الطرق، وأعدوا وثيقة في ما بينهم في مقر مسعود بارزاني. وطلب الطرفان رسمياً من المؤتمر أن يقوم بهذا الدور. سمع الأميركيون بالأمر، واتصل بي من وزارة الخارجية رونالد نيومان (الذي صار لاحقاً سفيراً في أفغانستان). قال لي: هناك رسالة لك من بيتر تارنوف وكيل وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية. سألت: ما هو القرار. قال: أريد أن أرسل إليك الرسالة، فأجبته: لا يمكنك أن ترسلها الى هنا، أرسلها الى مكتبنا في لندن وهم يرسلونها لي. وصلت الرسالة وفيها: نحن نثمن دور المؤتمر الوطني العراقي، ونكلفه بنقل وجهة النظر الأميركية الى الأطراف الكردية لمنع القتال بينها.

> هل هذا يعني أن موقف الاستخبارات كان مختلفاً عن موقف الخارجية؟

- نعم. ارادوا أن يشعروا الأكراد بأن القضية مهمة لأميركا. أخذت الرسالة الى الأستاذ مسعود، وقلت له هذه الرسالة، فقال: أنا مستعد أن أتعاون معك بالكامل. ثم ذهبت الى كوسرت، فقال كذلك نتعاون معك بالكامل. ماذا تريد؟ في 13 من الشهر الخامس، انهينا الاشتباك بين الطرفين. بعد هذا عاد جلال طالباني من الخارج، ورتب المؤتمر الوطني العراقي أول اجتماع بين مسعود بارزاني وجلال طالباني في اربيل بعد الاشتباكات بينهما في الشهر السادس عام 1994. بعد ذلك، دعاهم الأتراك للاجتماع بهم، ولم يهتموا بالمؤتمر.

> يعني أن الأتراك لم يكونوا يريدون الحديث مع المؤتمر الوطني؟

- لأن المؤتمر الوطني كان يطالب بإسقاط صدام. كما أنهم كانوا يتعاملون مع الأكراد كأكراد وليس كطرف رئيسي في المعارضة العراقية لإسقاط صدام.

> تركيا كانت تريد أن تتحاور معهم بصفتهم أكراداً؟

- بالضبط، وليس كقياديين في حرب عراقية لإسقاط صدام. وطبعا الأتراك كانوا يتعاملون معهم ويساعدون الحزب الديموقراطي الكردستاني بالسلاح والمال والرجال لمقاتلة حزب العمال الكردستاني في العراق. صرفنا الوقت في هذا المجال.

أريد أن أشير إلى شيء أغفلته سابقا. في خريف عام 1993 ذهبت الى واشنطن. حصل اجتماع معي حضره 15 مسؤولاً أميركياً من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي والـ «سي آي أي». طلبوا مني أن اعرض خطة لإسقاط صدام. كنت وحدي وقدمت لهم خطة المدن الثلاث: الموصل - البصرة - بغداد. تحرك عسكري - سياسي - إعلامي تقوم به قوى المعارضة بالاشتراك مع قوات موالية لنا داخل الجيش العراقي بمساعدة الغرب لإسقاط صدام.

> ماذا تعني بمساعدة الغرب هنا؟

- مساعدات عسكرية ومالية وتوسيع منطقة الحظر الجوي لحماية خطة المدن الثلاث. اخذوا الخطة ولم نسمع شيئا في ذلك الحين.

كان الأميركيون يصرون علي أن آتي الى واشنطن. ذهبت الى لندن في آب 1994 ومن هناك الى واشنطن، بقيت ستة أيام في واشنطن اجتمعت خلالها بـ37 موظف أميركي من جميع أقسام الإدارة المتعلقة بالسياسة الخارجية. كانوا يستغربون كيف نجحنا في وقف القتال في كردستان.

زارني المسؤول الخاص بالعراق في الـ «سي آي أي» في واشنطن، قال: «نريد أن نحرك الأمور، ونريدك أن تعود الآن الى العراق، لأن وفدا من الكونغرس من لجنة الاستخبارات ومجلس الشيوخ الأميركي سيزور المنطقة ليطلع على ما نفعله». قلت: «حسناً»، فأضاف: «سأعرفك على نائبي وهو يستطيع أن يحرك الأمور، وعندي ثقة كاملة به. تعرفنا إليه وكان اسمه بوب بير. رجعت الى كردستان في أول الشهر التاسع، ووصل وفدان، أحدهما من وزارة الخارجية بقيادة ديفيد ليت، ومعه سفير تركي مسؤول عن العلاقات الاميركية - التركية في وزارة الخارجية التركية، والآخر من الـ «سي آي أي».

> هل جاؤوا دفعة واحدة؟

- كلا، كل مجموعة لوحدها، وجاؤوا في أوقات مختلفة، لكنهم وصلوا جميعا في خلال 48 ساعة.

> هل اجتمعتم كلكم في وقت واحد؟

- كلا، لم يجتمعوا مع بعضهم. في البداية كان الاجتماع مع وفد الكونغرس، ثم اجتماع مع الـ «سي آي أي». الأتراك لم يكونوا مرتاحين للـ «سي آي أي».

وفد الكونغرس جاء بالطائرة وبوب بير جاء مع فريقه بالسيارة من تركيا. اهتم وفد الكونغرس بالوضع جدا. وذهب بير (من الـ «سي آي أي») الى جلال ومسعود، وكنت معه. عقد اجتماعا منفردا مع كل منهما. قال لهما إن حكومة الولايات المتحدة قررت أن تسقط نظام صدام.

> في أي شهر كان هذا؟

- في بداية أيلول 1994. اجتمع مع جلال ومسعود في حضوري، وسألهما: «هل انتما مستعدان للتعاون مع احمد الجلبي في هذا المجال»، فأجابا: «نعم. نحن نرحب بذلك». فرح الاميركيون بذلك. ثم طلب وفد الكونغرس أن نذهب الى منطقة الحدود مع الجيش العراقي. كانت لنا نقاط أمامية مع الجيش العراقي الذي كان في حالة معيشية سيئة، حتى الطعام لم يكن متوفراً لديهم. كنا على علاقات طيبة مع المواقع الأمامية للجيش العراقي. وصلنا الى منطقة النهر الفاصل بيننا. الجماعة في الطرف الثاني من النهر أصحابنا. فسألت الأميركيين: «هل تحبون أن تعبروا الى الطرف الثاني من النهر؟»، فأجابوا: «كيف يعني؟». قلت: «أن تعبروا وتروا الناس»، فسألوا: «بهذه السهولة؟». أجبتهم: «نعم». فقالوا: «فلتعبروا أنتم ونحن سنتفرج». قال أحدهم وكان مسؤولاً عن لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ اسمه كما اذكر كريس براود: «هذا ليس مهماً». أجبته: «يمكننا أن نعبر حتى ستين كيلومتر من دون مشاكل كبيرة». اهتموا كثيرا بهذا الموضوع، وكتب لي وفد الكونغرس رسالة بعد ذلك.

براود قال: «أنا تابعت العمليات الأميركية منذ سنوات، لم أشهد شيئا بهذا الحجم وبهذه الإمكانيات المتواضعة». الإذاعة عندنا كان ارسالها 25 واط في السابق، أحضرنا المهندسين وطورناها. أنشأنا مقرا للتلفزيون على جبل كوراك، وصار البث يصل حتى الموصل. صار حجمنا اكبر بكثير مما توقعه الاميركيون.

غادر وفد الكونغرس ومعه وفد الـ «سي آي أي». قالوا إنهم سيرسلون وفداً ليبقى في شكل دائم في كردستان. في هذه الأثناء حصل وقف لإطلاق النار في كردستان. لم يكن عندنا امكانية أن نترك 1200 مراقباً على الطريق، فانسحبنا. لم يساعدنا الأميركيون، ولاحقاً عرفت أن من لم يساعدنا كان جورج تينيت الذي صار لاحقاً مدير الـ «سي آي أي»، وكان آنذاك مسؤول التنسيق بين البيت الأبيض والاستخبارات. قال إن القانون لا يسمح لهم بمساعدة المؤتمر الوطني العراقي بهذه الطريقة، وأن ليس من مهمتنا نحن وقف القتال بين الأكراد. كانوا خائفين أن يصبح وضعنا قوياً ويعطينا شرعية، وأيضا كانوا خائفين من صدام. إدارة كلينتون لم تكن تريد أي اشتباك مع صدام.

في هذه الفترة، كنا بنينا جهاز اتصالات كامل، وكانت تصلنا تقارير عن أن صدام يسحب الدبابات والوحدات العسكرية من الشمال في اتجاه الكويت، وبقينا نقول للأميركيين إن صدام يتجه الى الكويت، لكنهم لم يهتموا.

في يوم من الأيام أصدرنا بيانا نشرته وكالة «رويترز». وفيه قلنا إن صدام يتجه نحو الكويت، وإن قوات مدرعة من الحرس الجمهوري صارت على مسافة 30 كلم من الحدود الكويتية. في اليوم نفسه اتصلوا بنا من وزارتي الدفاع الأميركية والبريطانية ومن الحكومة الكويتية، ليهزأوا مما قلناه. ثم بعد 12 ساعة أعلن كلينتون انه سيرسل 50 ألف جندي أميركي الى الكويت لأن صدام يهدد بغزوها. وزار الكويت وزير الدفاع الأميركي آنذاك وليام بيري، أراد أن يقيم منطقة آمنة في جنوب العراق بمحاذاة الكويت حيث كنا نتمنى أن يكون لنا مقر، لكن توني لايك (مستشار الأمن القومي) لم يوافق على ذلك. وصدر قرار من مجلس الأمن يفرض المنطقة الآمنة في جنوب العراق.

> هل أشار إلى مسألة الدبابات؟

- لم يتضمن شيئاً عن الدبابات أو عن القوات البرية. نحن طبعاً كنا على اتصال مع المعارضة المقاتلة في جنوب العراق، وكانوا يطلعوننا على مجريات الأمور، وكنا نساعدهم وننقل أخبارهم، ونريد أن ننقل العمل الى كل أنحاء العراق. كان لدينا اتصال مع بغداد وكنا نرسل أشخاصا من كردستان. عقدنا اجتماعات وحضرنا أنفسنا لنستولي على المناطق القريبة منا بسب سهولة ذلك وفي اتجاه إسقاط صدام.

أرسلت الـ «سي آي أي» وفداً الى كردستان. بقي فترة بسيطة ثم غادر في فترة عيد الشكر الى أميركا، وبعد اقل من شهر عادت الاشتباكات مرة جديدة بين الحزب الديموقراطي والاتحاد الوطني الكردستاني. كانت اشتباكات واسعة، ونحن انسحبنا من التوسط بينهما. احتدمت المعارك في شكل كبير وأعلنت إيران أنها سترسل وفدا للتوسط بين الطرفين. عندها قلت لديفيد ليت: «كلموني عبر الهاتف»، قال لي: «هل يوقف الأكراد القتال بحيث أنني عندما أصل يكون القتال انتهى؟». قلت له: «ماذا تريد؟». فأجاب: «أريد منهم إعلانا بذلك فقط». كتبت الى مسعود وجلال منفردين، وكل منهما رد خطيا بأنه مستعد لوقف القتال. اتصلت بديفيد ليت وأخبرته بذلك، فأجابني بأنه سيصل خلال 24 ساعة. جاء مع وفد الـ «سي آي أي» ومعه بوب بير والسفير التركي المسؤول. صار ليت يجول بين منطقتي الطرفين حتى يتحدث معهما وطلب مني أن أضع حراسا على طول الطريق. تحدث معهما، وعاد يقول: «نحن مقتنعون بأن تضع أنت خطة لوقف القتال وحكومة الولايات المتحدة تلتزم معك بتأييد هذه الخطة». سألته كيف؟، فأجاب: «لك كل ثقة الولايات المتحدة ورصيدها، واعتبر هذه الشهادة رصيدا في حسابك». وقال انه ابلغ مسعود وجلال انه سيتصل بهما من خلالي. كان هذا في نهاية الشهر الأول من العام 1995. عاد الى واشنطن وعقد اجتماعاً في شباط 1995 في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، حضره ديفيد ليت. تحدث عن أشياء كثيرة وأشاد بدور المؤتمر ولم يذكر شيئا عن الالتزام (بدعم الولايات المتحدة لخطته) في الاجتماع، وبعدها لم نسمع شيئا منه.

> هل تغير الموقف الأميركي في اتجاه إسقاط صدام؟

- في نهاية الشهر الأول من العام 1995، جاء وفد الـ «سي آي أي» وأقام في مقر كردستان. في تلك الفترة كنا في المؤتمر الوطني أسسنا مجموعات من القوات وأجرينا الاتصالات بضباط عراقيين من الفيلق الخامس الموجود في الموصل والذي كانت وحداته منتشرة في منطقتي اربيل ودهوك. وكان التحق بنا في تشرين الثاني (نوفمبر) 1994 اللواء الركن وفيق السامرائي الذي كان مدير الاستخبارات العسكرية العراقية. اجتمعت به ووضعنا الخطة التي تحدث عنها بوب بير في أيلول، حين قال للأكراد إن أميركا تريد إسقاط صدام وتريد أن تتعاون مع أحمد الجلبي. واجتمعت مع مسعود وجلال في بيت جلال في 13 أيلول (سبتمبر) عام 1994، وأخبرتهما عن هذه الخطة. وحضرت ورقة فيها جزء سياسي وإعلامي وعسكري وأرسلت نسخة منها الى السيد محمد باقر الحكيم في طهران.

> وهل كانت تقوم على انقلاب عسكري؟

- كلا. كانت تقوم على حركة سياسية.

> هل كانت هذه خطة المدن الثلاث؟

- تقريباَ، لكن مطوّرة، على أساس أن يصير تحرك في الجنوب أيضا. أرسلت الخطة الى السيد الحكيم، وأرسل الدكتور عادل عبدالمهدي نائب رئيس الجمهورية الحالي مندوباً عنه وبحثنا الخطة معه في كردستان في شهر أيلول أيضاً. ولما جاء وفيق السامرائي طوّرنا الحديث عن الخطة. هو كان يعرف الضباط من الاستخبارات العسكرية. أرسلوا الرسائل وأجروا اتصالات مع مجموعات كانت في منطقة سامراء.

> هل كان هناك دعم من الـ «سي آي أي»؟

- أبداً. حصلت حادثة في 12 شباط (فبراير) 1995. إذ هاجمت مجموعة من «فيلق بدر» فوجاً عراقياً في منطقة العمارة. أسروا 320 شخصاً ثم تركوهم. أحدثت هذه العملية ضجة كبيرة. جاء بوب بير، فسألته عن الموقف الأميركي من العملية. فسألني: «هل سمعت أن أميركا ادانت العملية؟»، قلت: لا. فقال: «هذا يعني أننا موافقون». كنت أريد فرصة لنا للقيام بشيء. إذ أنه كانت مضت ثلاث سنوات على تأسيس المؤتمر، ومنذ ذلك الوقت كان عملنا مقتصراً على الكلام والدعاية والاعلام، ولم نكن قمنا بعد بأي حركة حقيقية ضد صدام. أردت أن أقوم بشيء لأن الناس صارت تتململ والأحزاب السياسية لم تر أي نتيجة. وكلما أعلن بير أن أميركا تريد هذا، لم اكن أناقشه. مع علمي أن الكثير من كلامه مبالغ فيه، وان ليس عنده القدرة على الوفاء بما يقول. لكنني لم أكن أناقشه.

> ماذا كان منصبه؟

- كان ممثل الـ «سي آي أي» في كردستان. كان يتكلم بهذه الطريقة، ورئيسه كان قال لي أن اعتمد عليه. فكان يتردد علي كثيرا، الى أن حضّرنا أنفسنا. الأكراد كانوا يقاتلون. طلبت من بير أن يذهب معي للقاء جلال ومسعود لنقول لهما إن أميركا تؤيد هذه الحركة. وبالفعل ذهبنا. لم يقبل جلال المجيء الى اربيل. وكان القتال دائراً، ولم يرد أن يبدو أنه جاء ليسجل موقفا. فذهبنا نحن إليه، وكان ذلك خلال شهر رمضان وجلال كان صائما. قال بوب بير إن «أميركا تريد أن تقوم بعملية وقواتكم يجب أن تشارك وهذا احمد الجلبي المسؤول عن الموضوع». اتسم الموقف بالشدة. قلت له: «جلال افطر واطلب منهم أن يعدوا لنا الغداء». أجابني جلال: «وأنت تتحمل الذنب؟». قلت له: «اتحمل الذنب»، فقال: «أحضروا الغداء». تناولنا الغداء ووقعنا على الاتفاق. وقع جلال عن الاتحاد الوطني وأنا عن المؤتمر الوطني، وتقرر بموجبه أن توضع القوات كافة تحت تصرف المؤتمر في العمليات العسكرية لإسقاط صدام.

بوب بير قال: «أنا اشهد على الاتفاق، لكنني لن أوقعه». قلت: «لا أريد منك أن توقع. هذا ليس شأنكم، هذه مهمتنا، وانتم عليكم أن تساعدونا». طبعاً لم تكن هناك مساعدات، وكنت اعرف أن لا شيء بيده، ولو كانت أميركا تريد أن تقوم بشيء جدي، لكانت تصرفت بطريقة مختلفة عن هذه الطريقة.

بعدها ذهبنا إلى مسعود، وكان يوجه الأسئلة لبير، وبدا أنه منزعج منا، لأنه عندما كانت تصير مناوشات، كان بير يشتم الطرفين ويصدر اليهما الأوامر. انزعج منه مسعود. كان يسأل أسئلة محددة، وبير يرد عليه بقسوة، فيجيبه مسعود بحدة، لكنه قال: أنا التزم. قلت لمسعود: إننا سنضع اتفاقا. فجاء المرحوم سامي عبدالرحمن، واحضر مسودة بخط يده بصيغة مشابهة لتلك التي وقعناها مع جلال.

> وعليها توقيع مسعود؟

- لم يكن مسعود وقع عليها بعد. هذا كان في نهاية شباط 1995. اتصلت بالسيد محمد باقر الحكيم في طهران، وقلت أريد أن ترسل لي مندوبين رفيعي المستوى من عندك. فسألني عن الذي يحصل. وأجبته بأنني لن أتحدث عبر الهاتف، فالقضية خطيرة. جاء مندوبان من عنده، أذكر انهما كانا الشيخ همام حمودي والشيخ أبو علي المولى، واجتمعا ببوب بير وبالوفد الذي كان معه. دام أول اجتماع سبع ساعات. همام بقي، وقال: «اقتنعنا ونحن سنتحرك». اصدروا توصية الى السيد الحكيم بأنهم سيتحركون عندما نتحرك نحن. الإيرانيون صاروا يتراسلون في ما بينهم بأن هناك خطة يتم تنفيذها، أسموها خطة بوب. هذا ما عرفناه لاحقا.

الإيرانيون كانوا يتبادلون الرسائل في ما بينهم من دون تشفير. عرف الأميركيون بالاتصالات، وقال لنا انتوني ليك مستشار الأمن القومي: «انتم تخططون للقيام بعملية ضد صدام؟ لماذا لم تخبرونا لنحضر أنفسنا عسكريا؟».

> من هي الجهات التي كانت تجري بينها المراسلات الإيرانية؟

- بين إيران وكردستان، وداخل إيران. انتوني ليك طلب مسؤول الـ «سي آي أي»، وكان اسمه رختر، ووبّخه، وقال له: «ماذا تفعلون؟» أجابه الأخير: «نحن عندنا توجيه». فرد ليك: «ليس عندكم شيء. أوقفوا الموضوع».

كنا نريد أن نبدأ العمليات مساء 4 آذار (مارس). قبل يوم من هذا التاريخ أخذت وفيق وذهبنا إلى كوسرت في اربيل، وأعلنا عبر التلفزيون أننا مستعدون للانقضاض على صدام. كان صدام يسمع هذه الأمور فتخيفه وتخيف جماعته، لكنه لم يكن قادراً على القيام بشيء. نحن كنا نعلن هذا في التلفزيون والراديو وكانت هناك حركة للسيارات والجيش وفي اربيل. جمعنا 16 ألف مقاتل، والأحزاب العراقية الأخرى. صدام كان عنده الكثير من الأخبار التي تأتيه عبر جواسيسه الكثر، لكنه لم يقدر أن يفعل شيئاً.

في التاسعة صباحاً وقبل أن نبدأ التحرك، جاء بوب بير ومعه شخص الى بيتي وكان وفيق حاضرا. دخل بير فسألته: «هل جاءتك الرسالة؟». قال: «أي رسالة، وكيف عرفت؟». قلت له: «أتوقع أن تأتيك رسالة». فأجاب: «وصلت الرسالة».

> بوقف كل شيء؟

- لم تقل وقف. الرسالة كانت من مستشار الأمن القومي الأميركي الى احمد الجلبي ومسعود بارزاني وجلال طالباني. وفيها أولاً: أن «العمل الذي تنوون القيام به خلال نهاية الأسبوع اصبح مكشوفاً وهناك خطر الفشل. ثانياً: إذا قررتم القيام به فأنتم تقومون به على مسؤوليتكم كعراقيين». فقلت لبير: «شكراً، هيا اذهب الله معك». قال: «إلى أين أذهب؟». قلت له: «أنت لا دخل لك». قال: «نريد أن نعرف». قلت له: «هذا الأمر نحن مسؤولون عنه كعراقيين». قال لي وفيق: «كيف تحدثه هكذا». فرددت على بير: «ارحل، وسأبلغك بما سيحصل».

خرج بير، واتصلت بجلال وقال لي: «هل جاءتك الرسالة من الأميركيين؟». قلت له: أجل. فسألني: وماذا سنفعل؟. أجبته: نحن عراقيون، وهم قالوا إن الأمر على مسؤوليتنا. وفعلاً صار الاميركيون يبثون إشاعات عنّا. الـ «سي آي أي» وزعت اخباراً في الصحافة الأميركية ان احمد الجلبي قام بمحاولة انقلاب فاشلة. وحركوا ضدنا جماعات أخرى ممن يعملون معهم. كان عندهم العميد عدنان محمد نوري ممثل حركة الوفاق في كردستان. صار يتحرك ضدنا، وكانوا يكلفونه بقضايا ويشترون الرشاشات من الجنود.

> وماذا فعلتم أنتم؟

- نحن هجمنا على الفرقة 38، أخذنا مقر كل فوج من كل لواء من الفرقة.

> وأين كانت هذه الفرقة؟

- بين الموصل واربيل. الأفواج من اللواء 848 واللواء 847 واللواء 130. كل الأفواج أخذناها وأخذنا مقر اللواء 847. سأروي حادثة حصلت، في منطقة بير داود كان يحصل إطلاق نار لمدة ربع ساعة، وبعدها يستسلمون. صار عندنا 780 شخصاً، ولجأ الينا قسم من أمراء الأفواج، كما قتل أحد أمراء الألوية. أتينا بمدافع ميدان عيار 122 ميلليمتراً و800 قذيفة. وأتينا بـ4 آلاف رشاش بندقية و130 رشاشاً ثقيلاً ومتوسطاً وأكثر من 150 مدفع هاون. الفرقة راحت كلها، الى أن بدأ القتال من جديد بين الأكراد، فتوقفت العملية. استمرينا 12 يوماً وهذا سبّب قلقاً حقيقياً لديهم. الأميركيون صاروا يبثون الإشاعات، وأبلغوا صدام بأن هناك مؤامرة لاغتياله.

> الأميركيون هم الذين ابلغوه؟

- نعم.

> بواسطة من؟

- بواسطة دولة عربية. قالوا هناك محاولة لاغتيالك. سحبوا بوب بير بعد أداء العملية وصاروا يحققون معه، ويسألونه: هل أعددت مؤامرة لاغتيال صدام؟ الـ «اف بي آي» حققت معه بواسطة جهاز كشف الكذب. وعندما شعر صدام بأن لا دخل للأميركيين بهذه العملية ارتاح.

وقع الاشتباك بين الأكراد وتوقف القتال بيننا وبين صدام. حصل هذا في نهاية الشهر الثالث من عام 1995. في هذه الأثناء كانت العلاقات توترت بيننا وبين الـ «سي آي أي» والإدارة الاميركية. وبقيت أنا في كردستان أعالج تبعات هذا الأمر. كان هناك 780 شخصاً من الضباط العراقيين الذين كنا نؤمّن معيشتهم، كانت مسؤولية كبيرة. قسم كبير منهم لم يعودوا واتصلنا بالصليب الأحمر. في النتيجة صار هناك تبادل وحصل لهم الصليب الأحمر على ضمانات وأعادوهم الى العراق.

دعانا الأميركيون الى اجتماع. في 21 أيار (مايو) ذهبت الى لندن. وجاء وفد من واشنطن، كان ضمنه شخص اسمه مارك باريس وبروس ريدل وشخص من الخارجية وضابط من الـ «سي آي أي» ومسؤول في مجلس الأمن القومي. قالوا: نريد أن نتفاوض على تحركنا في المستقبل.

قام انتوني ليك بإبلاغ كلينتون بأنني أريد أن أجرّ أميركا قسراً الى حرب. فقلت له: أنا تصرفت بحسب ما أراه في مصلحة العراق بإسقاط صدام، واستعملت القوة الموجودة وأنتم على علم بذلك. شرحت لهم بعض القضايا. كان ضابط الـ «سي آي أي» خائفاً أن ينكشف أمرهم. قال باريس الذي كان رئيس الوفد: نحن كنا قررنا أن نقطع العلاقة معك، لكن الآن يجب أن تستمر العلاقة. قلت له: انتم خذلتمونا في كردستان، وأنا الآن سأبقى هنا ولن أعود الى كردستان. قالوا: عليك أن ترجع. قلت: لا أنا سأبقى هنا. رجعوا الى أميركا وظلوا يتصلون بي. واشتدت المشاكل في كردستان بين الأطراف الكردية وأنا في لندن. ثم عينوا شخصاً اسمه بوب دودج الذي صار مدير مكتب شمال الخليج في وزارة الخارجية الأميركية. وأول مهمة له كانت التوصل الى اتفاق سلام بين الأكراد. اتصلوا بي وقالوا لي إن دودج سيذهب الى كردستان ويجب أن أكون حاضرا لأنني أعرف كيف تجري المفاوضات. قلت لهم لن اذهب، فقالوا: يجب أن يراك. قلت لهم: فليأت الى لندن، وسأراه. وبالفعل ذهب الى كردستان وبقي ثلاثة أيام ولم يفهم شيئا فرجع على أساس أن يبقى أسبوعين. جاء إلى لندن، واجتمعت به في المطار في لندن، ثم خرجنا وتناولنا الغداء. قال: «نريد أن نعقد اجتماعاً بين الأطراف الكردية، أين تقترح؟»، قلت له: «في أميركا». قال: لا، في أوروبا. لكن كل الدول الأوروبية فيها أكراد وكان هناك تخوف أن تحصل تظاهرات. قلت له: «في البرتغال لا يوجد أكراد». قال: «والله فكرة جيدة». غادر ثم ارسل برقية جاء فيها ان البرتغال لم توافق، وأن الاجتماع سيكون في ايرلندا. فقلت له إن وفداً من المؤتمر الوطني سيشارك. هذا الكلام كان في شهر آب (أغسطس) 1995. شكلنا وفدا من المؤتمر ضم المرحوم هاني الفكيكي وتوفيق الياسري وأنا. ذهبنا الى بلدة صغيرة اسمها دروغيدا في ايرلندا. في هذه الفترة ظهر ضابط كبير في الاستخبارات التركية اسمه محمد ايمور. كان رجلاً محترماً، لاحقاً حصلت له مشكلة سياسية في تركيا وسافر الى أميركا، واعتقد أنه رجع الآن. هذا كان الشخص الثاني في الاستخبارات التركية. جاء الى كردستان، واطلع على وضعنا، وقال: يجب أن نتعاون ودعاني. كنت دائما اذهب الى كردستان عن طريق إيران، ولما صارت العلاقة مع هذا الشخص صرنا نذهب عن طريق تركيا ويستقبلوننا ويسهلون أمورنا. وكان له الفضل لاحقاً عندما أنقذ جماعتنا سنة 1996 من سجن صدام.

اتصلت به ليشارك في الاجتماع. لكنه قال إنه لا يشارك اذا لم يتلق دعوة. قلت له: أنا أدعوك. ولما وصل فوجئ الحاضرون من وزارة الخارجية التركية، ومنعه الأميركيون من الدخول الى الاجتماع. غضب وقال: كيف تأتي بي الى هنا؟ ذهبت الى مسؤول الـ «سي آي أي» وقلت له: اخبرهم في مجلس الامن القومي أن يرفعوا الاعتراض عن الضابط التركي وإلا فالاجتماع سينهار، وسيتأثر وضعنا هناك وعلاقتكم انتم بتركيا. فقال: «هذا يخيف الأكراد». قلت: «هذا هو المسؤول عن المنطقة فعليا، وهو الذي يدير الوضع مع التركمان ووضع تركيا معنا. ما الذي تريده أنت». قال: «يجب أن ننتظر حتى يستيقظوا من النوم». فقلت: «هذا لا يهمني». اتصل بهم الساعة 10 صباحاً، وأخذ الموافقة وحضر الضابط التركي اجتماع العصر وساعدنا. ووقعنا وثيقة بالإنكليزية بين الطرفين الكرديين. كان هناك هوشيار زيباري وفؤاد معصوم وسامي عبدالرحمن ووقّعها بوب دويتش عن الخارجية الأميركية، ومندوب الخارجية التركية ووقعتها أنا عن المؤتمر الوطني. هذه الوثيقة حملت تواقيع خمسة أطراف. وفي اليوم الذي وقعناها فيه هرب حسين كامل الى الأردن في 8 آب 1995.

> هروب حسين كامل كان بالتنسيق مع من؟

- أبداً. حصل خلاف بين حسين كامل وعدي على الأموال وتهريب السيكار.

> كيف حصل خروج حسين كامل؟

- حسين كامل تعارك مع عدي. ومن يتعارك مع عدي يخاف منه، فأخذ عائلته وهرب الى الأردن. حسين كامل اعتقد أن بمقدوره أن يلجأ الى الأميركيين ويقود الوضع، لكن لم يكن هناك تنسيق. أنا الذي أبلغت مسؤول العراق في الـ «سي آي أي» عن ذلك. وخلال وجودهم في الاجتماع دخلت عليهم وقلت لهم: يا إخوان حسين كامل هرب الى الأردن. وقف مسؤول العراق في مكانه، ثم خرج واتصل بعمان، عاد بعدها ليقول: صحيح، وعلي أن أغادر في الحال. قلت له: الله معك اذهب.

لتنفيذ الاتفاق بين الاكراد كان يجب أن يحصل اجتماع ثان، قرروا أن يعقدوه في ايرلندا أيضاً، لكن هذه المرة في دبلن في الشهر التاسع. وصار شيء دراماتيكي. اخي حسن كان عنده بيت في لندن، وبيت أختي رحمها الله (جدة السيد مجيد الخوئي) وأنا كنت معهم وكان يوم سبت. رن الهاتف في السيارة. وكان المتصل فؤاد أيوب سفير الأردن. في منزل أيوب، التقيت الملك حسين وكان يعتقد ان اسقاط صدام بانقلاب امر متعذر (...).

بعد الاجتماع بيوم واحد، ذهبنا الى ايرلندا. هناك كان الاجتماع فشل بعد خلاف الأتراك مع الاتحاد الوطني. أخذ ممثل الاتحاد شروان مصطفى موقفا شديدا من الأتراك، والأتراك اخذوا موقفا على خلفية حزب العمال. اتصلت بالأستاذ جلال الذي كان في سورية، وكان موقفه متشددا في ذلك الحين. وفشل الاجتماع.

رجعنا الى لندن واتصل الأميركيون، وقالوا: عليك أن تذهب الى كردستان، ثمة مشاكل وبوب دويتش ذاهب الى هناك. أبلغتهم أنني سألاقيه في كردستان. وبالفعل ذهبنا، وحصلت اجتماعات مع دويتش مدير دائرة شمال الخليج في وزارة الخارجية الأميركية (العراق وإيران) في الشهر العاشر. وكان في اليوم الأول من الشهر العاشر وقع انفجار دبرته المخابرات العراقية على مقر الأمن للمؤتمر الوطني العراقي، قتل فيه 28 شخصاً. كان من المفترض أن أعود الى كردستان في ذلك اليوم (قبل وقوع الانفجار)، لكنني تأخرت.

> هل كنت أنت المستهدف في هذا التفجير؟

- اعتقد ذلك. حصل الانفجار، وقتل عندنا ضابط شرطة كردي مهم في بغداد اسمه سيف سندي. هو كان في بغداد والتحق بنا وصار مدير أمن، وكانت لديه معرفة واسعة بوضع بغداد.

هو كان كشف مرة محاولة لاغتيالي بالسم في الشهر التاسع من عام 1994. في أحد الأيام أحضر امرأة وقال لي إنه سيجندها للعمل معنا، فوافقت. كانت شقيقة زوجة ضابط استخبارات في كركوك، وقال إنها ستأتينا بمعلومات. وصار يبلغني أخباراً عن نشاطها. ثم أحس زوج اختها بشيء، فسألها: هل تعرفين المؤتمر العراقي؟ فقالت: نعم. فطلب منها أن تأتي إلينا وتجلب له أخبارنا، ووعدها بأن يتحسن وضعها.

جاءت الى سيف، وصار يعطيها بعض المعلومات التي أعجبتها، فأرسلها الى مدير المخابرات في تكريت الذي طلب منها معلومات اخرى. قلت لهم: أعطوها ما تريد. فبدأ وضعها بالتحسن، الى أن وصلت الى شخص اسمه الحاج عبد علي المجيد شقيق علي حسن المجيد وابن عم صدام. كان معاون مدير المخابرات في بغداد. ذهبت إليه، فكلفها بقضية، وطلب منها أن تعمل الى جانبي، وقال لها: «جيبي لنا شريط عن مؤتمر صلاح الدين». أعطيناها الشريط، وأوصلته إليه، فدب فيهم القلق. وفي النتيجة عرفوا أنها قريبة مني. وطبعا أنا لم أكن أعرفها. أرسلوها الى قصي. وذات يوم جاء سيف، وقال لي: جاءت هذه المرأة ومعها هدية لك، وأريدك أن تراها. وافقت. جلست معها في المكتب في حضور سيف. سألتني إذا كنت أعرف قصتها، فقلت: اعرف. ثم روت لي ما حصل معها. قالت: قصي أخذني الى صدام. عندما سمعت بذلك جفلت، وصرت أسألها عما كان يرتديه صدام، فترد فوراً. لم تكن تتردد وتجيب عن أشياء لم أتوقعها، صارت عندي ثقة بصحة كلامها. سألتها عما قاله صدام. قالت: قال لي عندي صداع اسمه احمد الجلبي خلصيني منه، وسأجعلك تختارين الشاب الذي تريدين لأزوجك إياه وأعطيك بيتاً وسيارة مرسيدس ومليون دولار. سألتها: وبماذا أجبته؟ قالت: «قلت له انت تأمر سيادة الرئيس. فأجابني: حسناً هناك طريقتان، الأولى أن تأخذي متفجرة في حقيبة وتتركيها بقربه، والثانية أن تدسي له السم. هذا السم يقتل فيلاً، لكن مفعوله لا يظهر فوراً، بل يتطلب وقتاً». قالت له: «سيادة الرئيس، أنا لا أفهم بالقنابل، اعطني الثانية»، أضافت: «أعطوني خمس قناني». وأخرجت أمامي خمس زجاجات تشبه تلك الخاصة بالإبر القديمة. زجاجات صغيرة فيها مادة تشبه الملح الأبيض يغطي رأسها المطاط. تركت الزجاجات عندي، وقالت: أرجوك انتبهوا أن تؤذوني. قلت لها: طيب. وغادرت.

أنا استغربت، ولم آخذ القضية على محمل الجد، أتيت بواحدة من هذه الزجاجات، وأعطيتها الى مسؤولي الـ «سي آي أي» عندنا وطلبت منهم أن يحللوها لنعرف ماذا يوجد فيها. أخذوها ومضى أسبوعان من دون أن يردوا علي بجواب. كان عندي صديق بريطاني، زميلي من أيام المدرسة في بريطانيا ويعمل ضابطاً برتبة عالية في شرطة سكوتلنديارد. اتصلت به من التليفون المشفر، وأخبرته عن القصة، وقلت له: «سأرسل الزجاجة إليك وأنت تخبرني ماذا تحتوي». قال: «حسنا، لكن أبلغونا قبل أن تصل الزجاجة، لأن نقل السم في بريطانيا جريمة، ويجب أن يتم تحت رقابة الشرطة». أرسلت المادة مع أحد الإخوان الى بريطانيا، واستقبله الضابط بنفسه في المطار. سلّمه الزجاجة، وبعد 48 ساعة اتصل بي، وقال: «هذا أخطر سم موجود. يتراكم في الجسد وتدريجياً يقتل الإنسان. والدواء المضاد له استعماله صعب جداً. هناك أشخاص من جماعتنا ماتوا بهذا السم. وعرفت أن القصة كانت صحيحة فعلاً». سيف قُتل في الانفجار، وهو كان يدير العملية. بعد ذلك حمّلتنا الـ «سي آي أي» المسؤولية. وصاروا يقولون إن التفجير صار بسبب إهمالنا، وبثوا الإشاعات.

ذات يوم جاء إلى بيتي وفيق السامرائي صباحاً. دخل الى البيت ثم خرج فوراً. ودخل ولد صغير وراءه، وقال: «دكتور. اللواء وفيق يريد أن يكلمك»، قلت له: «اخبره أن يدخل». فرد: «هو يريد أن يكلمك في الخارج، اخرج أنت». فخرجت.

سألني وفيق: «أليس هذا فلان (من الـ «سي آي أي») عندك؟» قلت له نعم. قال: أنا اعرفه. كان يمضي أشهراً في العراق، يزودنا بمعلومات أثناء الحرب على إيران عن التجمعات الإيرانية. قلت له: كيف؟ قال كان هناك تعاون بيننا وبين الـ «سي آي أي» بتشجيع من الأردن، وطبعاً كان صدام موافقاً. هذا الرجل كان في بغداد.

كانت الاستخبارات الاميركية تحضر للعراقيين صوراً من الأقمار الاصطناعية. وكان وفيق السامرائي في الاستخبارات العراقية مسؤولاً عن شعبة إيران وكانوا يسمونه العميد علي. هذا الرجل من الـ «سي آي أي» هو الذي جاء في تلك الفترة الى كردستان بعد سنة من الحادث. قالوا: ستنفجر المفاوضات بين الأكراد. وطلبوا مني أن أتدخل، فوافقت وقلت: اذهبوا الى جلال ومسعود. كانت العقدة عند مسعود. تحدثت معهم، وكان هوشيار موجوداً، وصار هناك تفاهم بين الأطراف عام 1995. أيضا قالوا: نحن نريد أن تؤسس قوة من المؤتمر الوطني لفك الارتباط بينهم، ونحن لا نقدر على القيام بذلك، يجب أن يبدو أن هناك نشاطاً عراقياً، سألت: كيف؟ قال: «الأكراد يجب أن يمولوا الموضوع». فأجبت: «الأكراد ليست عندهم الإمكانات، وحالهم صعبة». قال: نحن سنعطيهم الأموال.

> لماذا سيعطونهم النقود؟

- مساعدة، لكنهم طلبوا أن أسأل أنا الأكراد إذا تلقوا الأموال. فسألتهم: «ما القصة؟». قالوا: «نحن لا نستطيع أن نسجل عندنا أننا سنستعمل الأموال لتمويل قوة لفض الاشتباك لأسباب قانونية في أميركا».

ذهبت الى ا