رحل الشاعر السوري الكبير علي الجندي ليلة أمس في مدينة اللاذقية ,و يعتبر الشاعر الراحل صوتا مميزا من مجموعة أصوات شكلت لوحة الشعر الحديث في سوريا . ولد الشاعر علي الجندي في سلمية عام 1928 وتخرج في جامعة دمشق قسم الفلسفة عام 1956 وعمل في حقل الصحافة الثقافية بين دمشق وبيروت كما عمل في حقل الترجمة عن الفرنسية وهو عضو اتحاد الكتاب العرب.وسبق له ان شغل مناصب اعلامية عديدة وادار التلفزيون السوري ويعتبر من أبرز شعراء التجديد في القصيدة السورية .
من أهم مؤلفاته :الراية المنكسة- في البدء كان الصمت- الحمى الترابية - الشمس وأصابع الموتى- النزف تحت الجلد - طرفة في مدار السرطان - الرباعيات - بعيداً في الصمت قريباً في النسيان - قصائد موقوتة - صار رماداً ...
من آخر أعماله :
يا من رأى بجانب (السبيل)
مرفأ (السبيل) بحر لا حدود صوى ولا مرافئ
السبيل واحة من الرمال والحجارة تذرعه الرياح من شرق إلى غرب ومن شمال لونه المجروح بالفضي والأصفر والأخضر والليلي..
بعضه التراب مغبر ومسمر ليلكي نصف المساحات قمر ونصفها وشم وياسمين وخارج على حدوده ولونه على الهواء والسحاب والغبار يا من رآه عابرا من قربه ملثما مثل الصباح معلما ومفردا يشهد للمغارة من صوته الذي أتى من الأعماق دونما بشارة عن الذي قام على جانبه محدودباً يملأ درب الأفق بالصراخ والمقاومة نادى: يا ارض ابتلعي ماءك زنار من دفق الماء ولا ماء قل للكابوس اذا كان.. ولا كابوس ما هذا الفائض من جنات الأرض الأخرى اصلال وعفاريت وغربان تزحف فوق الأرض وتحت الأرض مياه جوفية تمرق من بين الزهر وآثار الأفكار البرقية طوبى للعابرين بين الرمل والماء للسائر تحت الماء وجنب الماء وتحت الرمل وفوق الماء لصديق الصحراء لنبي الأسرى ورسول الأشياء للزهرة تتفتح بيضاء فتغدو سوداء للطفلة تولد آثمة فتصبح بالقدرة عذراء من نادى أطفال العالم كي يتحدوا أو يفترقوا سعداء لكن العالم غير العالم صار والزهرة غير الأزهار المبثوثة في الشمس تتفتح كل الأزهار بوهج العرس ولد المحبوب على الساحات الحمراء ولد هنا وتوهج زهرا قامته زهر لا يولد إلا من عمق الماء المترسب في الرمل في القلب تواشج والأحلام ومات بين الأزهار يموت بلا وطن يا وطن الحرية والخوف افدنا كيف تكون .. ووراءك أسوار وسدود .. أولست تعود تبعث بين أيادينا صنما أولست تعود كي تقهر أو نُقهر في بادية التيه نحاول عبثا رسمك بالحجر الجلمود نرسم وجهك لكن الغائب يعصى يكتب بعدك أو قبلك شكلك يصفك .. مات بين ضجيج العاصفة وانين الفقراء يا من رأى لي بحضنه ابنة الجراح تعيد سيرة الأميرة الحبيبة الممراح وخلفها قصيدة تعدو مع الصباح ترحل لا تسأل عن أمامها أو أمها ولا عن الحوار والنهاية السعيدة تسأل عن قصيدة مفاتن مضى قبيلها ولن يعود يبحث عن (....) فريدة تطول الرحلة في الضباب من افرد جنحيه وطار يرود العالم بحثا عن دنيا توحي للأجنحة العملاقة ان الدنيا دانية وأن الخوف بعيد والكون شراب لكن بعد فراسخ من حلم الأزهار الميتة غادرنا نحو الأعماق... تولى عنا مشدوها بالأسرار الكونية مفتونا بالحب الشامل للإنسان ورأى ان الحقد عميم يولد من قلب الأزهار صديد فدعا للرحلة خلف الغيم فر من الوهم وأحلام الغيم خلفنا في الخوف يتامى نبحث عن حلم مبتور ما بين الظلمة والنور نسعى كالنحل المسعور الظلمة نور والظلمة سيف مكسور مرمي في زاوية الماخور والساعي في الأرض ينبه من خطر القادم في الجور يبكي ما شاء له العمر المقهور يا رب الوحشة قاسية والدرب إلى الله عثير من أين يجيء النور من أين النور..؟! حتى الشعراء أنصاري في الهم وفي الكلمات منهم نفر شاطرني خبزي قاسمني ملحي ثم تبدى وحقيقته عورة في لوح الشعر المكتوب يرشح سما سعلاة قردا شيطانا يكذب نكذب كل اليوم فنرى سحنتنا في كل مكان يا قائد جيش الأزهار المتروكة من غير صديق كيف تركت قوافلها تعبر برزخ ماضيها وغدرت بها ـ حاشاك ـ غدرت وما تابعت الرحلة كوفئت على الحب الخانق بالضيق تركت القوم وذهبت بعيدا بين سراديب الليل ما عدت إلينا إلا في تابوت يحمل تاريخ السنوات العشرين والتين... وهذا البلد الحزين وما أنت حل بهذا الزمن ولا بناسه الميتين ابتعد بي خلف غيوم اليباب واقترب بي صوب البلاد الخراب لتولد بي تحت أطلالها طفلة مهربة لا تحس طعم الشباب ولا تعرف الأفق من نيوب السراب فيأكلها القيظ أو شتاء الذباب وأنت حل ولا تريم كل ما ظل من ديار النجوم جثة فاسرقوها واحلموا بالبعيد القديم صيف وخريف وشتاء وربيع وفصل خامس انذر الأرض بالثبور فنادى أيها الناس ودعوا بعضكم فالذي كان قادم والذي قادم صار في الغيب فلا تنذهل من جنون الحياة وخالف قليلا كل هذا الجنون ودمر ودمر ودمر قم فأنذر ولا تنتظر لذاك عاقبة سوى فوران الجنون الجنون الجنون وطني الشمس وأنا مالي تفاحة أو رغيف أنا بيتي ثلج وارضي يباب وعلى شرفتي يعيش غراب وعلى شرفة الهوى الترحاب وتنامى نهر وراء ضلوعي وبحار ما بين سنّي وناب أي شيء إلا الخراب ... الخراب وأنا واضع على مفرق النار عند الصباح ثيابي أتوضأ بالريح من عاصف الثلج من نارها باللعاب أيها الشمس يا شمسي بيتي ثلج وارضي يباب وأنا مالي تفاحة أو رغيف.
---------------------------------------------------------------------------
علي الجندي
على مقربة من تكريمه في سلمية...الشاعر علي الجندي : ليكن لي مستراح أخير في جهة التراب المجاورة للروح
وقبل أربعة عقود علي الجندي : لم يعد للشعر مكان فوق الارض..
أحد المغتربين الجميلين , باتجاه فوضى العمر و القصائد و أرض الشهوات , و الكتابة المتعالقة مع شجون النفس و النساء ..
و قدر القصيدة أنها كالمرأة المحبوبة , تتآمر على ضعف الشاعر , و تتحاور مع صبواته و خيباته, على أنها محطُّ اهتمامها و انشغالها .. و هي حقاً منشغلة و شاغلة , و تشد ُّ الشاعر إلى أرض الفتنة , و حقول البهجة المسورة بالفوضى الحنونة , و الأمطار المتغاوية ..
علي الجندي كاهن عجيب يدير أسقفية أحزان , رهبانها الأحلام و الضلالات , التي يهتدي بها إليها ..
في ستينات القرن الماضي بدأ رحلته في غابة الدهشات , و أشعل قناديل أشواقه , في حارات النساء , اللواتي تصادقن مع ضوء أبهته, المشهودة ,في حينها.. و لم تنم قناديل الأشواق في رحلة علي الجندي , و لم تتوقف المرأة عن صداقتها الحميمة مع أشواقه و احتراقاته , التي لم تصر رماداً , بل صارت شعراً و شعوراً , أحيا في جسد المفردات نيران الدلالات و الإشارات , وأيقظ الخلايا النائمة , في تكوين الجمل الشعرية , نداءات القصيدة , و حروف جر و رفع و ضم الأفعال الإبداعية ..
علي الجندي و فايز خضور متجاوران في البدايات , و الطفولة و العيش, و خصوصيات الشخصية الحياتية اللافتة و الجديدة باستحضار اهتمام المرأة أولاً , و المجتمع ثانياً و التقيا و تشابها في تجربة الكتابة الشعرية , التي تميزا في غمارها , كتميزهما حضوراً جمالياً شخصياً صار اختلافاً لافتاً لكليهما : علي الجندي و فايز خضور شاعران متميزان حضوراً شخصياً و حضوراً شعرياً..
و في مرات كثيرة جمعتني و الشاعرين الكبيرين قال علي الجندي :
فايز خضور شاعر شرس , يسيطر على القصيدة ,و يملك روحها و مفاتيح إدهاشها , و يحرضها باتجاه فتنة اللغة , كما يفعل حيال المرأة , التي يسقط إليها , أين تكون كسقوط الشهاب إلى محترقه ...
أنا و فايز خضور تأتينا امرأة الضوء , و تصادق أغانينا , و تشعلنا إلى آخر الأغصان و الثمار و الشموس و الوهج..
و محمد الماغوط الغريب الراحل , كان شاعر الزَّبد : ترك الموج و اختص بالزبّد.. و الزبّد.. أرقى و أعلى شأناً من الموج ..قبل غياب الماغوط خيوط الكلام تربط بين شطين للأحزان و الذكريات , و أيام الحياة ..
محمد الماغوط في دمشق لم يتركها كما فعلت اذ اتجه بي درب العمر إلى اللاذقية , حيث المقهى القديم هنا , و الزرقة النائمة التي يفكّ أزرار معطفها الغروب أو رحيل النوارس..
محمد الماغوط و فايز خضور و أنا مثلهما , جميعنا غرباء باتجاه أرض الشهوات و الحب و الكتابة الموجعة ..
لا يغيب عني صوت و شعر فايز خضور:
/ قدر النوارس أن تبيض فراخها بين السفائن
لا البحر يعرفها و لا الجزر القصية
نغّصت جلجانها صيغ المرارة في البراري/
الشاعر يقطف من عناق الفصول مواسم الأغنيات..
وحين يرحل لا يصادف عند الزمان خريفاً أو ربيعاً أو شتاءً أو صيفاً ظامئاً..
الشاعر يعصر الأزمنة في جرار من كلام
ويسافر على متن زورق من غرائبه الجميلة..
ولا يطوي الشراع و كيف يطوي الشراع , و قدام عينيه فتنة الزرقة و امتداد المدى و البحور :/
.. تجئين مستوحده
ذراعاك مفرودتان لعشب البحار
ووجهك مرآة هذي القفار
و قامتك المائدة .. و.. أطلع صوبك من غصة القلب مستنفراً وحزيناً , أصعد في ذكريات إهابك كالنار ...
أحرق خلفي غبار الطريق و أحلف : إني لن أنهده !
.... و.. ماذا ترومين قولي ?
فإن السنين تولى وعشب البراري يولّي
وتورق أشجار بيتي اصفراراً وتفتح في الأفق نافذة للتجلي ولكنها نافذة ! و.. أتبع آثار حبي ,
ألاحق خطوات موتي !
في الأيام القادمة تحتفي ( سلمية ) أم علي الجندي الأولى به وتقيم له مهرجاناً تكريمياً , يتشارك فيه محبو الشاعر والنقاد وأبناءسلمية ومثقفون وشعراء من اللاذقية ودمشق وحماه وطرطوس والمحافظات الأخرى ...
لم يبق ل علي الجندي , في سلمية بيت يرجع إليه , وبقيت له أمه الأرض , اتصل بمصعب الجندي ولد شقيقه المترجم والمثقف الراحل المشهود له د. سامي الجندي مترجم كتاب / لويس أراغون مجنون إلسا/ الذي حمل هموم وتعبيرات روح شعرية كبيرة , إنها روح أراغون الشاعر الكبير , الذي استفاد عنوان كتابه الشعري, من مجنون ليلى الشاعر العربي الكبير , الذي عاشها ومات في محبوبته ليلى, قيس ين الملّوح ...
ليلاً هتف الشاعر ل مصعب الجندي ليسأله عن الأرض المجاورة للبيت القديم .. .قال له : يا مصعب : عشت معها وفيها , وزرعتها بالأشجار , وربيت فيها الدجاج والماعز
يوم أموت تختار لي مكاناً لقبري في أرض سلمية حيث كانت الشجرة الكبيرة , وحيث الدرب المؤدي إلى النبع القريب رتب حدود الأرض وقسمها كما ترى , لكن لاتنس يا مصعب أن تختار ل عمك الشاعر الغريب مكاناً لمستراحه الأخير في جهة التراب التي تجاورت مع الروح أيام الطفولة والشباب , وإلى اليوم , رغم البعد , لم تزل متجاورة مع الروح ونهدات القلب المتبقية : وديوانه الأخير المطبوع / سنونوة للضياء الأخير / ارتحل علي الجندي بين العناوين الأخرى والقصائد , وتاه بين المرافىء وصوت النوارس وبين زاويتين من كحل وماء ... أصدرت جورجيت عطيه ابراهيم أعمال علي الجندي شبه الكامله ... وظل في والروح متسع للغناء , وأوجاع الغربة والرحيل باتجاه الزرقة المتعبة وقبرات البكاء والوجد وأسئلة الوقت الضائع في خراب عجيب , لايليق بالشعر وسوسن الشعراء
في اللاذقية حيث وقت الزوجة والجسد المتصدع من ثقل العمر والوجع ومواسم الفرقة والغياب , ينام ويصحو علي الجندي على بحة مزمور الحنين ونهدات ريح المسافة , بين شط القلب وأوجاعه , بين مستراح الفؤاد غير المهيأ للاستراحة وبين طفولة ودروب وأم من تراب هي سلمية , وأم من الحب واللقاءات والكتابة والأصدقاء والحبيبات هي دمشق ...
الهجرة التي يبدؤها الشاعر ويختمها بلعنات العمر الضائع في مجاهيل الكلام والرغبات المتمرسة بالاحتراق واللقاء والافتراق ...
علي الجندي صديق الحبر والقصائد والمرأة وصديق الشعراء والمحبين على مقربة من دمعة وحب المكان الأول ( سلمية ) وتكريمها الحاضن لسرب قطا ونايات عناق بين المسافر والمحبين المنتظرين المتورطين بأحوال الحب الثقافي الجميل , رغم كلّ المرارات والهجرواللعنات
(حسين عبد الكريم)
------------------------------------------
من آخر الحوارات مع الشاعر أجراه نبيل صالح:
- كأنني أرى طيف زوربا في ملامح وجهك؟
قال: - سمعتها من كثيرين.. ولكني اشبه زوربا الذي كان يسكن روح كازاتنزاكي وليس الزوربا الواقعي الذي عاش معه في جزيرة كريت.
* والموسيقى، كيف بدأت علاقتك بها وكيف تموسقت مع لغتك الشعرية؟
- في طفولتي كانت اسرتي تعيش في بيت منعزل عن الضعية، وكنت كثير الحركة، ابحث دائماً عن شيء ألهو به في هذه العزلة، اتتبع أعشاش العصافير، أركض خلف السحالي واستمع إلى زمزمة النحل. وكان أكثر ما يفتنني صوت الحليب عندما يتدفق من ثدي البقرة.. بقرتي الوحيدة التي كنت ارعاها حافياً.. حتى الآن مازلت أذكر ذلك الصوت السحري، عندما أقطف ورقة تين وأكورها على شكل كأس تحت الثدي ثم أحلب الحلمة: بش بش.. كنت أحس بكل طمأنينة العالم وكل هذا الارتواء.
ومن يومها وأنا أحاول أن أنسق بين هذا الصوت الدافئ وبين موسيقى الشعر الذي افتتحت حياتي بها.
* هذي هي الموسيقى التي تعيد لك طفولتك.. ولكن ماهي الموسيقى التي تعيد لك شبابك؟
- موسيقى كعب حذاء نسائي يخطر خلفي على الرصيف، كأصابع فنان تعزف فوق مفاتيح البيانو.. في تلك اللحظة تتفتح مصاريع ذكرياتي وأشعر بالحنين لكل هذا العدد من الحسناوات اللواتي سأغادرهن يوماً.. ولكن، آه ياولعي المجنون بالحياة، اقفر الساح وعربد الأصيل..
* ألا تخشى من ان تسمعك زوجتك؟
- دلال؟ هذه آخر حسناء اقفلت علي الباب.. لقد ولت ايامي والصبايا الان ينادينني (عمو علي) وللحقيقة فقد غدا شعوري أبوياً نحوهن.
* ضحكت متخابثاً وأنا اردد مقولة زوربا: (عندما يفقد أحدنا أسنانه يصرخ قائلاً: من العار أن تعضوا أيها الأصحاب).
- هيه.. كن طيباً وإلا امتنعت عن الحوار معك!
* في هذه الحالة سأجري معك حواراً غيابياً..
- وأنا لا مانع عندي لقد مللت من اولئك الصحفيين الذي يسألونني عن تاريخ ولادتي واسم قريتي وشهاداتي واسماء مؤلفاتي ووزني أيضاً.. وما أرجوه هو الا يسألونني عن تاريخ وفاتي...
* الشعراء لا يموتون ,وانما يبقون احياء في اغاني الناس وذاكرتهم...
- اذن هيا بنا ننزل إلى الناس..
اعطاني آخر ديوان مخطوط له ريثما ينتهي من حلاقة ذقنه.. تأنق ثم تعطر ولما خرجنا زادت ابتسامته اتساعاً...
* هل ننزل في المصعد؟
- لا أحب السجون المغلقة.
* وهل جربتها يوماً؟
اختفت ابتسامته ثم أجاب:- لماذا تود تعكير مزاجي؟
* عفواً، (أبا لهب) لم أقصد ذلك.. ولكن، لماذا اخترت هذا الاسم المشاكس لابنك الأكبر: لهب؟
- كنت استمتع بمخالفة الاعراف، في الحياة مثلما في الشعر.
خرجنا إلى النور. وقبل ان نقطع الطريق صافح آذاننا صوت نسائي ناعم:- علي.. ياعلي.. انتبهت إلى سيدة اربعينية تحمل بيدها أكياس خضار قلت:
* هي زوجتك، السيدة دلال حاتم؟
- كيف عرفت!
* لانها نادت بـ علي (حاف) بكل بساطة.. أهلاً مدام.. تعارفنا ثم مدحنا بعضنا:
- كتاباتك لطيفة..
* شكراً لقد تربينا على قراءة قصصك في مجلة أسامة..
قبل ان تودعنا سألت مازحة: - ماهي اخبار بقرتك الثقافية؟
* انها تعكف على كتابة مذكراتها بعد تحسن وضعها المعيشي..
في الطريق كانت التحيات تأتي من كل أهل الحارة مستفسرة عن أحوال الاستاذ..
* سألته: إلى أين يا مولانا؟
- إلى مطعم "الشرفة" لنعمل بنصيحة سيدنا المسيح: كثير من الخمر يفرح قلب الإنسان!
* قلت مصححاً: - قليل من...
- يجب ان تعلم أن قليل الانبياء كثير بالنسبة لنا...
حسنا، انك تشرح النصوص بطريقة ممتعة...
هاقد وصلنا إلى مبنى الاتحاد الفخم. المصعد معطل. نرتقي الدرج. كانت الساعة قد بلغت الثانية ظهراً وموظفي الاتحاد يغادرون.. بينما كنا نصعد التقينا برئيس الاتحاد وهو هابط سلاماً فكلاماً:
- اهلا استاذ علي.. امازلت تسرج القوافي؟
- لكنها تغير نحو الموت دونما أعنة..
تحيات سلامات... ابتسامات ليعسوب الشعراء وظريف دمشق.. في الطابق الرابع أخذه التعب.
* قلت ساخراً:- أنهم يقتلون الخيول؟
- هذا أفضل من أن تنفق مللاً...
* وهل تخشى الملل؟
- ولماذا برأيك نحن بحاجة للأولاد والأحباب والأصدقاء!؟ و.. اسمع .. هناك أسطورة تؤكد على أن الملل هو السبب في تطور الحياة!! تقول الأسطورة: أن الملال أصاب الآلهة فخلقوا الإنسان.. وأصاب الملال آدم لانه كان وحيداً فخلقت حواء.
وهكذا دخل الملال في العالم. وازداد بقدر ازدياد عدد السكان.. وكان آدم في ملال وحده، ثم أصاب الملال آدم وحوء معاً فأنتجوا أولاداً للتخلص من هذا الملال.. ثم أصاب الملال آدم وحواء وقابيل وهابيل كأسرة.. ثم ازداد عدد سكان العالم فأصبح المجموع في حالة ملال بالجملة كجماعة...
كنا لا نزال نصعد الدرج المتعرج عندما توقف من جديد:
- اسمع! هل تذكر ما قاله فاوست: ندور في حلقة مفرغة، على دروب متعرجة وقويمة.. واعرف جيداً أن الجهل مصيرنا. وهذا أكثر ما أبغض وأكره..) أكملت له المقطع: «وهذا أنا ضائع بين ركام من كتب يفتك بها الدود والغبار..».
أخيراً وصلنا إلى "شرفة" كتاب الوطن.. كان المكان فارغاً سوى من بعض الندلاء وشاعر شاب ينظر بلهفة إلى وجه صديقته وشفتيها اللتين تتحركان باستمرار.. قبل أن نجلس قطب علي الجندي وجهه فجأة وكأنه تذكر شيئاً!
- هيه؟ لماذا لم تقرأ في مخطوطتي التي أعطيتك إياها قبل أن تخرج.. شاهدتك وأنت تلقي بها جانباً يا... (قام بشتمي بطريقة فنية وناعمة).
* لأني أعتقد أن حياتك أكثر شعرية من شعرك، وأنا قد أتيت لمتابعة تفاصيلها بدلاً من تبديد الوقت في تصفح دواوين يمكنني قراءتها فيما بعد..
- أنت تشتم بطريقة ممتعة أيضاً..
جلسنا في الجهة الغربية لنطل على المساحات الخضراء المتبقية من هذي المدينة التي استعمرها الاسمنت.. وكأمير متقاعد كان الندلاء يحتفون بأبي لهب: غطاء الطاولة الأبيض والكؤوس البلورية الشفافة، قفص الطيور وعازف البيانو.. الجميع يخدمونه بسرور. امتلأت الطاولة وأترعت الكؤوس. وكنت أفكر بأننا سنعيش امتلاء اللحظة كحبة حنطة ناضجة.. أمسكت قلمي ثم تناولت ورقة وخططت عليها:
* وهذا أنا رهيف كسيف حزين/ وهذا رغيفي، وأنت.. أنا/ وكل الصحارى، وكل الندى تودع فصل الخريف/ وهذا بقايا الرغيف/ فهيئ لنا الزاد والمحبرة.
أخذ الورقة والقلم وخط عليها «وهذا زمان الحكايا الرديئة/ وتحت فروع الفلاسفة الصيد يورق صخر الخطيئة».
قلت له: - صحيح أن الفشل الدائم في الحب هو الذي يخلق الفلاسفة والفنانين..
- لأنه عندما يكون لديك أنياب قوية ومعدة جيدة لن يتوفر لديك الوقت للتفكير..
* ولكن، لماذا نحن ضعفاء أمام كل هاته النساء اللائي يحاولن امتلاكنا؟
- عندما تحبك المرأة أكثر مما ينبغي يصبح حبها سجناً لك.. وأنت كرجل معشوق تنتقل من ملكية الأم إلى ملكية الزوجة.. ما أغبانا ونحن الذين نظن أننا نحرك العالم! إنما النساء هن اللواتي حركن التاريخ. ولو أردت دراسة التاريخ لبحثت في سيرة زوجات السلاطين والفاتحين وعشيقاتهم.
صمت علي وسرح بصره فوق دمشق. كان في عينيه التماعة من حزن وحنين.
تنحنح ثم قال: -كانت أمي تسرّح لي شعري وتزرر لي قميصي. تقبلني ثم تربت على ظهري: - هيا إلى المدرسة يا حبيبي.. أيضاً زوجتي كانت تفعل الشيء نفسه قبل ذهابي للعمل.. أيتها النساء لقد تعبنا من حبكن..
* ولكنك قد أدمنت هذا التعب.
- لأنه يساعدني على فراق الأصدقاء.. كل هذا العدد من الذين أحببتهم وغابوا.. بعضهم ابتلعتهم الأرض، وآخرون ابتلعتهم ديمقراطية الغرب بعدما رحلوا..
* وأنت بقيت هنا كطائر مقيم.
- اعشب الحزب على ارماس أحبابي، ولم يبق لحقلي من تخوم.. «ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فردا».
* سيف!.. ولكن البشر استغنوا عن السيوف هذه الأيام.. لقد غدا الشعر ترفاً أيها السيد.
- بعد ما كان خبزاً يقاتل البشر من أجله..
وبعفوية أخذ يخط على الورقة التي ملأها بالخطوط المتشابكة كحياته: جالس وحدي على مائدة الإيقاع أستجدي من الصمت قصيدة /طاعن في الوهم، لا شمس على دروبي، قوافيّ حزانى، وأمانيّ فريدة.
* أنت تبكي يا أبا لهب!
- لأن العالم مازال يصدمني، كالطفل ساعة الولادة: يبكي محتجاً لمجيئه إلى هذا العالم المجنون.
* مع ذلك فأنت تحب هذا العالم وتحاول تجميله بالشعر.. كم أنت شبيه بدون كيشوت..
تبسم من جديد وقال: -أهذا مديح أم شتيمة؟
* كلاهما معاً.. الشعراء فاشلون كبار، يقدمون حياتهم لإضاءة العالم.
والذي يحصل هو أن يحرقوا أنفسهم.. كل جيل يضم رجلين أو ثلاثة يضحى بهم من أجل الآخرين ومهمتهم أن ينشدوا في الآلام المروعة ما يستفيد منه سائر الناس. هذا ما كان يردده كير كيغارد..
بعد هذه الكلمات الجدية تابعت وبشيء من الشقاوة:
* أستاذ علي، أنت الآن في الستين. ألم تنته من اللهو بعد؟
- (شتيمة).. أنا أكبر من أن يرضيني اللعب واللهو، وأصغر من أن أحيا بلا رغبات.. كلما تقدّمنا في العمر تعلقنا بالحياة أكثر وعرفنا قيمتها.. وأنا لا أستطيع أن أعزف عنها عندما تهتز أمامي بكعب عال وساقين ممشوقتين.. كلما ابتعدت عن الماء عرفت قيمته أكثر يا صديقي الشاب..
كان يبحث عن فسحة بيضاء على الورقة الممتلئة فسارعت بوضع صفحة أخرى أمامه.. فبدأ يكتب بخط جميل:
وأمضي، أنقل خطوي برفق خلال المدينة/ إذا لاح طفل يحدق فيّ، يخيل لي أن أمسي يلوح بعينيه احزن/ يوقظ آلام عمري الدفينة، مررت على كل شيء قديم وصار يهلّ عليّ نشيد المطر/ لقد جمد اللحن في خاطري.. وأمسى جنون شبابي حجر!!
وعندما قرأت «نشيد المطر» علمت أنه تذكر صديقه الراحل بدر شاكر السياب فتركته لأشجانه ومضيت تاركاً إياه مع أحلامه القديمة المنسلة عبر شقوق المرارة والفرح وأنا عالم أني وأنتم وأنتن سنتسرب عبر رمال شبابنا داخل لعبة الزمن.. وكان لسان حالي يردد قوله:
كان نهر البكاء ينساب من أول الحقل المدمى إلى مشارف أهلي.. كنت من كوة الغيوب مطلاً، وعلى وهجها المريع.. أصلي.