الرجل الذي حصل على لقب "أغنى أغنياء روسيا"، قبل ست سنوات فقط، يقبع الآن خلف القضبان ليقضى حكماً طويلاً بالحبس بتهمة التهرب الضريبي والاحتيال. لكن لا يزال لديه أمل ضئيل بأن يأتي حكم القاضي في القضية الثانية المرفوعة ضده لصالحه هذه المرة. يوم الأربعاء قرر القاضي تأجيل النطق بالحكم حتى السابع والعشرين من ديمبر الجاري. ويعتقد مراقبون أن اختيار هذا التاريخ كان مقصوداً، حيث يتزامن مع فترة أعياد الميلاد والسنة الجديدة، بعيداً عن الاضواء والاهتمام الداخلي والدولي. القريبون من ميخائيل خودوركوفسكي، وفي المقدمته والداه، يؤكدون أن ما يجري ليس سوى عمل انتقامي من قبل رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، ضد عملاق النفط السابق.
تنبعث أناشيد الأطفال من قاعة الرياضة، وتتردد أصداؤها في ممرات المدرسة الثانوية في كورالوفو، على بعد حوالي 50 كلم من موسكو. تقع المدرسة على تلة متموجة مفروشة بالثلج المتساقط دون توقف، عند حافة الغابة. هذه المدرسة الداخلية التي توفر المأوى والتعليم في وقت واحد للأيتام والأطفال الفقراء، كانت الأقرب إلى قلب مؤسسها، ميخائيل خودوركوفسكي (مواليد 1963).
"كان راغباً جداً بإنجازها" تقول أمه، السيدة مارينا خودوركوفسكا، التي تشرف على عمل المدرسة، وتضيف "اشترى هذه الأرض، وكان يريد بناء مدرسة أخرى مجاورة. هذه المدرسة تكفي ل، 220 طفلاً. كان المفروض بناء مدرسة أخرى، مع أماكن السكن، لإيواء 500 طفل. كان بالإمكان أن يكون المشروع قد اكتمل الآن."
سمعة ممتازة
لكن كل الأحلام توقفت مع اعتقال ميخائيل خودوركوفسكي عام 2003. آنذاك كان عملاق النفط لا يزال يحتفظ بلقب الرجل الأغنى في روسيا، وكانت شركته النفطية "يوكوس" تتمتع بسمعة ممتازة. كان يحلم بأن يجعل يوكوس الشركة الروسية الأكثر شفافية، وفي الوقت نفسه أن تكون أول شركة روسية تصبح بالفعل شركة متعددة الجنسية. في الوقت نفسه كان يستثمر الكثير من المال في التعليم، ويدعم عدداً من الأحزاب المعارضة. كان كل ما يفعله يثير نقمة الكرملين. كان ينتهك قانوناً غير مكتوب يقول إن كبار الأغنياء في البلاد عليهم أن يبتعدوا كل البعد عن السياسة.
لم تتأخر العواقب المتوقعة كثيراً. اعتقل الروسي الأغنى بطريقة استعراضية، من قبل وحدة بوليسية مسلحة في أحد مطارات سيبيريا. التهمة: احتيال وتهرب من الضرائب. كان أمراً معروفاً أن شركة خودوركوفسكي، وغيرها مما لا يحصى من الشركات قد استطاعت أن تستغل الثغرات الكثيرة في القوانين الروسية، لتقليص الضرائب إلى أدنى حد ممكن. لكن لا أحد على الإطلاق تعرض للملاحقة القضائية لهذا السبب عدا خودوركوفسكي وشريكه التجاري بلاتون ليبيديف، مما يعزز بقوة الشكوك بأن القضية سياسية بالدرجة الأولى. حكم على الاثنين بالحبس لثمانية أعوام. الشركة تمّ حلـّها، ثم آلت ممتلكاتها عبر تحويلات مريبة إلى ملكية الدولة.
منذ ذلك الوقت يدير والد ميخائيل ووالدته المدرسة الداخلية كورالوفو. يداوم في المدرسة حالياً 170 طفلاً معظمهم يحملون ماضياً معقداً: أطفال نجوا من حادثة الاحتجاز المروعة في بيسلان عام 2004، أطفال لجنود روس قتلوا في الحروب، وأيتام آخرون. صادرت الدولة الممتلكات المنقولة وغير المنقولة. دائرة الضرائب تلاحق اسر الأطفال الذين يدرسون مجاناً في هذه المدرسة مطالبة إياهم بدفع ضرائب عالية. كل هذه المضايقات بدأت فور حلّ شركة يوكوس، تقول الأم مارينا خودوركوفسكي.
غرائبية
كل هذه المضايقات تظل أخف أثراً على مارينا وزوجها بوريس من حضور جلسات المحكمة، في القضية الثانية ضد ابنهما وشريكه بلاتون ليبيديف. محاكمة غرائبية، حسب وصف الأم، حيث يأُتهم الاثنان بأنهما قد أخفيا طوال سنوات كل أرباح شركة يوكوس. معظم الشهود، بما فيهم وزراء حاليون وسابقون، اكدوا أن شيئاً كهذا مستحيل الحدوث. كانت يوكوس تفي دائماً بتعهداتها حيال الزبائن الذين تزودهم بمنتجاتها، مما أدى إلى شعور بالرضى لدى جميع زبائن الشركة. هذه الاتهام يتناقض أيضاً مع الحكم الصادر في القضية الأولى. فإذا كان خودوركوفسكي وشريكه كان يسرقان أرباح النفط، ولايبلغان عنها، فكيف حصل أنهما قد دفعا ضرائب عنها، كما ورد في قرار المحكمة السابق؟
لا تبدو السيدة مارينا خودوركوفسكي متفائلة بنتيجة المحكمة الثانية: "المعجزات لا تحدث إلا في الحكايات، ـأما منطق الأحداث فلا يعطي مبرراً للأمل." لكن وجها بوريس يضيف قائلاً: "الأمل هو آخر ما يموت."
طالب المدعي العام بعقوبة السجن أربعة عشر عاماً ضد المتهمين الاثنين. إذا حكمت المحكمة ببراءتهما،فهذا يعني أنهما سيغادران السجن في العام القادم، قبل موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية بقليل.
في الهواء الطلق
خلال المحاكمة تمكنت مارينا شودوركو فسكي من رؤية ابنها أكثر مما كان متاحا لها أثناء فترة الاعتقال في مركز الاعتقال السيبيري. لقد استعاد بعض تورد خده ووزنه. في موسكو لم يكن يخرج للهواء الطلق أبدا وحرم من أن يتمشى طوال فترة المحاكمة وكان يتناول وجبة واحدة يوميا، في الصباح كان دائما ما يوقظ من النوم لتفتيشه عدة مرات. بعد ذلك يذهبون به للمحكمة عبر الشوارع المزدحمة وفي المساء ينفذ نفس البرنامج معكوسا.
أثناء المحكمة بدا خودوركوفسكي مفعما بالحيوية وعالي التركيز وواثقا من انه سيكسب القضية، "كان يفكر في المستقبل ويضع خططه المستقبلية ويطلب المزيد من الكتب. وكان من المدهش انه لم يمنع عليه أي كتاب أدبي في السجن، لكني اعتقد انهم كانوا يقرأون أية كلمة يكتبها. كان يتابع كل ما يحدث بدقة وكان يناقشها معي في بعض الأحيان عندما نلتقي" تقول الأم مارينا.
كي جي بي
يؤمن الوالدان إيماناً مطلقاً بأن ابنهما ضحية لمؤامرة شخصية من قبل رئيس الوزراء بوتين. ولا ترى السيدة مارينا في ذلك مفاجأة: "حين وصل إلى الحكم أحد رجال الكي جي بي (جهاز المخابرات السوفيتي)، توقعت ماذا سيحدث للبلاد. إنها منظمة مرعبة. إنها كارثة على بلادنا، وكارثة على شعبنا."
( إذاعة هولندا)