الجانب المظلم في عمل مألوف
النفط هو المادة التي تتوقف عليها حركة اقتصادنا، وهو مورد طبيعي، رئيسي، بالنسبة لرفاهيتنا. وباعتباره المادة، التي تستخدمها، المصانع لتحريك الآلات والمحركات، يبدو النفط اليوم كما لو أنه مادة لا يمكن الاستغناء عنها في الحياة اليومية ولا مجال لاستبدالها من خلال مادة أخرى.
خلال المائة عام الأخيرة، جرى استهلاك حوالي تريليون، أي حوالي مليون مليون برميل من النفط، علماً أن البرميل الواحد يساوي 159 لتراً. والملاحظ هو أن الطلب على النفط، قد ارتفع من حوالي عشرة ملايين برميل يومياً في العام 1964 إلى حوالي 89 مليون برميل في العام 2011. هذا ومن المتوقع، أن يواصل هذا الطلب، ارتفاعه في السنوات القادمة.
وبالنسبة إلينا، فإن التنقل يحظى بعظيم اهتمامنا: فقطاع النقل، يستحوذ على حوالي نصف كمية النفط المستخرجة. فبحسب ما أعلنه المكتب الاتحادي الألماني للمركبات (KBA)، بلغ عدد السيارات في ألمانيا وحدها حتى مطلع العام 2011 حوالي 50.902.131 سيارة، علماً أن حوالي 24.3 مليون من هذه السيارات هي سيارات خاصة. وحين يتحدث المرء في بلادنا عن النفط لا عجب، إذاً، أن نرى المواطنين الألمان، يكتفون في أغلب الأحيان بالإعراب عن عظيم امتعاضهم من الارتفاع المتواصل في أسعار النفط. أما ظروف الإنتاج، فهذا أمر لا يعيرونه اهتمامهم عادة. كما تفضل وسائل الإعلام، عدم توجيه الأنظار صوب الكارثة التي يسببها إنتاج النفط في بعض الدول المنتجة.
فوسائل الإعلام نادراً ما ترغب في توجيه الأنظار صوب أفريقيا لاسيما حين نكون، نحن أنفسنا، المستفيدين من الكارثة الناشرة ظلالها في هذه القارة. فمع أن النفط يجري استخراجه من حوض نهر النيجر في نيجيريا، منذ أكثر من خمسين عاماً إلا أن المرء لا يزال يستخدم نفس الأنابيب القديمة لنقله وما انفك أصحاب الشأن يتجاهلون ضرورة ترميم هذه الأنابيب وإصلاح ما حل فيها من عطب.
وما برح هؤلاء يحرقون الغاز، على مدار اليوم كله وفي كثير من الأحيان، في مناطق تبعد عن التجمعات السكنية أقل من 300 متر. فحرق الغاز أقل السبل كلفة للتخلص من الغاز، المتصاعد من الآبار التي يستخرج المرء منها النفط. وهكذا، صار يتعين على السكان، العيش مع الضوضاء، وأعمدة الضوء المتعالية ليل نهار، والاستكانة صاغرين، إلى السُخام والهواء الملوث. فهذا السخام يستقر على الجلد، وعلى الأغشية المخاطية والجهاز التنفسي ويلوث، أيضاً، الأراضي الزراعية والأنهار والبحيرات ويتسلل في نهاية المطاف إلى داخل أجسامهم من خلال تسلله إلى المواد، التي تشكل العنصر الرئيسي في غذائهم اليومي. وغني عن البيان، أن هذا التلوث يؤدي إلى أمراض خطيرة، أمراض تصيب الجهاز التنفسي وتسبب انتشار الأورام السرطانية بين السكان ووفاة الأطفال قبل ولادتهم وارتفاع معدلات التشوهات الخلقية، بين الأطفال حديثي الولادة.
من هنا، لا عجب، والحالة هذه، ألا يزيد العمر المتوقع عن 41 عاماً في المتوسط. على صعيد آخر، ما عاد بالإمكان التزود بالمواد الغذائية بالنحو التقليدي، أعني من خلال الزراعة وصيد الأسماك: فبفعل هطول المطر الملوث بنحو دائم وتسرب النفط من الأنابيب، إما لأن هذه الأنابيب قد علاها الصدأ، أو لأنها تتعرض، من حين لآخر،إلى عمليات تخريب مختلفة، لذا تراجعت إنتاجية القطاع الزراعي بنحو كبير وما عادت الأسماك قادرة على الحياة في المياه الملوثة.
وهكذا، صار لزاماً جلب الأبقار والماعز والأغنام من شمال نيجيريا. من ناحية أخرى، لا يوجد طريق معبد في المنطقة النفطية، كما لا يتوافر السكان على الكهرباء، ولا إمكانيات مالية لديهم لشراء النفط. وهكذا، وللحصول على ما يحتاجون من نفط، تراهم مجبرين على إحداث ثقوب في الأنابيب مراهنين على نجاتهم من الانفجار الذي ينشأ، من حين لآخر جراء هذه الثقوب، ومعرضين أنفسهم إلى المخاطر الناجمة عن تدخل القوات العسكرية. والملاحظ هو أن محطات تعبئة البنزين كثيراً ما تغلق أبوابها ــ فالبنزين يشح، في كثير من الأحيان، ليس في أسواق حوض نهر النيجر فقط، هذا الحوض الغني بالموارد النفطية، بل وفي أسواق باقي المناطق من نيجيريا.
وينشأ عن هذه الأوضاع البائسة ضغط يدفع الأفراد إلى التفتيش عن فرص للهجرة: فتراجع خصوبة الأراضي الزراعية بنحو مستمر، وتلوث المياه، بفعل استخراج النفط واستحالة الحصول على فرصة عمل (شرعية)، والأساليب التعسفية والقمعية التي تمارسها عناصر الشرطة والجيش والوحدات شبه العسكرية التابعة إلى شركات النفط، تدفع الرجال الشباب على وجه الخصوص، إلى الهجرة إلى عالم الرفاهية: إلى أوروبا، مخلفين وراءهم نساءهم وذلك لأن على عاتقهن تقع مسؤولية تربية أطفالهن في ظل ظروف لا تطاق.
الكفاح من أجل الوقوف في وجه الكارثة
يبذل مصورون يعملون لحساب الصحافة الدولية جهوداً عظيمة في بعض الأحيان لفضح خلفيات وملابسات إنتاج النفط. وغني عن البيان، أن احتمال نشر الصور الفاضحة لهذه الخلفيات والملابسات في الصحافة الدولية، يكون أكثر تحققاً حينما تختطف مجموعات متمردة مواطناً أجنبياً. عند إذن تتاح للمرء، لفترة قصيرة من الزمن، مشاهدة صور تكاد أن تعبر عما ستكون عليه الحال، بعد بلوغ العالم نهايته. ففي هذه الصور يشاهد المرء انتشار بحار بترولية لا نهاية لها وتصاعد أعمدة النار بفعل حرق الغاز، واختراق أنابيب النفط القرى المختلفة، ومتمردين متنكرين، ومواطنين تحولوا إلى جموع جائعة بائسة.
إن تاريخ المقاومة الشعبية أمسى، منذ عقود كثيرة من الزمن، بؤرةً تستقطب انتباه الرأي العام العالمي من حين لآخر. فعلى سبيل المثال وبعد محاكمة صورية أثارت استياء عالمياً، جرى في عام 1995 إعدام الكاتب والمناضل المدافع عن الحقوق المدنية كين سارو ويوا، ومعه ثمانية من شركائه في النضال. وكما هو معروف فقد كان كين سارو ويوا قد أنشأ في عام 1989 "حركة حماية شعب الأوجوني". وخلال عامي 2002 و 2003، احتلت بضعة ألوف من النسوة ميناء التصدير التابع إلى شيفرون/ تكساكو، وبضعة من محطات استخراج النفط.
وكانت هذه النسوة قد هددن بخلع الملابس والتعري بنحو تام. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التعري الكامل ينطوي بحسب الثقافة المحلية على لعنة لا ترحم. كما يُعتبر التعري، سلاحاً ينذر بنحو نهائي ببدء الصراع بين الحياة والموت. والملاحظ هو أن الصراعات والنزاعات تزداد تفاقماً، وأن حوض نهر النيجر، قد صار مسرحاً لعمليات تخريب واختطافات مختلفة وأن الحكومة تواظب على شن ضربات انتقامية. من هنا، كثيراً ما يلقى سكان المناطق النفطية، (بما في ذلك الأطفال أيضاً) حتفهم جراء أعمال العدوان والممارسات التعسفية المنتهجة من قبل قوى الأمن.
وتنطبق هذه الحقيقة، بنحو خاص، على الأساليب التي تنفذها "قوة المهمات الخاصة" التي جرى إنشاؤها عام 2004، وذلك لحماية مصالح شركات النفط. وابتداءً من عام 2006، تظهر في الساحة حركة متطرفة، تهدف إلى تحرير دلتا النيجر. وكانت هذه الحركة قد ألحقت خسائر فادحة بمعدات شركة رويال دتش شل ووجهت ضربات موجعة، لما تقوم به هذه الشركة في مجال استخراج النفط. كما كانت هذه الحركة قد قامت خلال عامي 2006 و 2008 باختطاف أجانب زاد عددهم على المائتين، ولم تطلق سراح الكثيرين منهم إلا بعد أن حصلت على مبالغ مالية كبيرة. وعلى خلفية النزاعات والتوترات المستمرة، أنهت شركة شل في عام 2006 أعمالها في القسم الغربي من حوض نهر النيجر.
الغطس في أعماق البحر
وينطبق الأمر ذاته على الشركات الأخرى الناشطة في تلك المنطقة، أعني شركات من قبيل توتال وموبيل وآجيب وشيفرون. فالتوترات المستمرة في المنطقة دفعت بهذه الشركات، في السنوات الأخيرة، إلى نقل الإنتاج إلى المناطق البحرية القريبة من الساحل. ومرة أخرى تبقى أبعاد الكارثة الناشرة ظلالها على هذه المنطقة خفية عن الأنظار (حتى الآن): فظاهرياً تسود الجو العام هنا منصات "نظيفة" لاستخراج النفط، ومعدات تستخدم أحدث التكنولوجيات، وعمال جاؤوا من شتى البلدان الصناعية وحازوا على مؤهلات متقدمة.
ويعيش هؤلاء العمال في أحياء سكنية محروسة بنحو قوي ومعزولة عن باقي السكان؛ وفي حين يعيش هؤلاء العمال خلف أسلاك شائكة عالية الارتفاع وفي أجواء عائلية تنعم بالرفاهية، وتمتع نفسها بما في مساكنها من أحواض للسباحة، يعيش إلى جوارهم سكان لم تتسع لهم غير مدن الصفيح ولا يتوافرون حتى على مياه الشرب النظيفة.
ويُستخرج النفط من البحار من عمق يصل إلى بضعة كيلومترات. وغني عن البيان أن هذه الأعماق يسودها ظلام معتم وبرودة عالية. وفي هذه الأعماق لا يستطيع المرء تلمس طريقه من غير الاستعانة ببرامج الكومبيوتر. وتتم الحفريات من خلال أجهزة تحكم تعمل من بعيد، أي من المنصات، ووفق أساليب غاية في الدقة. على صعيد آخر، فإن النفط الساخن إلى درجة الغليان يفقد شيئاً فشياً من السخونة ويتصف بالبرودة وهو يتجه إلى سطح البحر.
وفي سياق انتقاله تتكون مواد ضارة تتسبب في تآكل الأنابيب وإلحاق الدمار فيها. وبهذا النحو تنشأ فتحات في الأنابيب، لا يجري اكتشافها إلا في وقت متأخر جداً. بيد أن هذا كله هو ليس الأمر الوحيد الملوث للمياه: فلو أخذنا بحر البلطيق بمفرده، كمثال من بين أمثلة كثيرة، فإننا سنلاحظ أن عمليات استخراج النفط تضخ في هذا البحر، يومياً حوالي مليون طن من "مياه جرى استخدامها في عمليات الإنتاج" واحتوت بالتالي على مختلف المواد الكيميائية المضرة.
وتؤكد حملات الدعاية التي تقوم بها شركات النفط على اهتمام هذه الشركات بسلامة البيئة على مستوى العالم أجمع؛ زاعمة أنها لن توفر جهداً في استخدام "أنظف" التقنيات في عمليات استخراج النفط، وذلك رغبة منها في المحافظة على سلامة البيئة. ولكن، وعلى خلفية الدمار الناشئ في بيئتنا المحلية، لا مندوحة للمرء من أن يسأل عن فرص المحافظة على البيئة في بحار العالم الأخرى.
إيفا أورشبرونغ