يطلع الصبح هناك عاليا
فوق جبال تكحلت بالزرقة
وأعلت حدود البلاد
وعلى عيون ,رضعت البكورة
أول ضوء, وأول ندفة ثلج
وينزل رويدا
صوب الزوايا الهاجعة
التي تحلم
بالضوء
وبالهواء,يجري صاعدا و نازلا
من قمة (نيبال)
إلى تل (سيانو)
وصولا إلى تل (التويني)
هكذا منذ البدء
وهي تستحم
بزرقة الفجر البعيد.
يصل نداؤه طوفانا
يجتاح العيون المغلقة بالزرقة
ينداح شرقا,يسألني :
أترك غيمتك وتعال
هذا أوان القلق
ذهلت,تلّفت
كانت المدن تحمل أكفانها وتجري مسرعة
وكانت الجثث تتراقص عند الحافة.
تستفيق العصافير, جذلة
تحس بأن هذا أوانها ,وهذا مداها
تعلم أن لا أحدا يرحب بها الآن
ولكنها تبقى وفية لندائها الأولي
يسقط أول ضوء
على شوارع تمتلىء بحكايا الأمس
بقايا كلمات
وبقايا هواجس
يصبّح أول شعاع على البحر
يهمس له:
هل رمى أبو علي بقايا الموائد؟
وهل باتت المراكب في البور مطمئنة؟
جريت أمسك بتلابيب الوقت
أعطني وهلة
قبل قليل ,كان الرمل يتساقط في حوجلتي
حبة حبة
فكيف ذروت الرمل,وحطّمت الإناء
جرفني وغطّاني ببقايا رثة
وقرأ وصيته علي:
آتيكم بانكسار الأوطان
وقهقهة الرعود على سباتكم.
نهارا
تعرق المدينة وتمضي
بين ثلاث مقابر
(أنتم من لحم ودم)
,ولكن
ماذا ترى في المدينة ؟
أرى ملحا وتراب
ليس فيها متسعا لعبد القادر آت,ولالجابر صابور,لاكوفية للقسّام لابحر لزيتون, ولا مواس لآلام نديم محمد,يركب أدونيس في عربة الوقت, و يعود وديع اسمندر إلى سجنه متأبطا (لبشه),يكف الشلّا عن إخافة أولاد المراجيح,ويعود الشيخ حمّود لوضع الحبلة على رقبته ولكن بدون عربته الصغيرة,وتعود حزامى لتقود الصبيان بمظاهرة.
ربيع يزهر صديدا
فتشربه البتلات الغافلة
وتفوح رائحة العطن .
يمدّ الضباب أجنحة من الكبريت
والنهر ينز زيتا.
لاماء هنا ولا هواء
تلفت:
إلى أين الوصول؟
وحدها العظام تنتصب على المفارق
مآلا أو دليل.
تنهك الشمس
تلملم آخر أشعتها وترحل في سلام
لجبلة..الآن أن تنام
وتحلم
بأن تستحم بزرقة الفجر البعيد
ولها أن تغضب مثل طفل أضاع لعبته
ومثل صيّاد ,أفلتت منه حورية البحر
أوشك أن أقطف من حلمي
وأستعجل الرؤية:
رأيت البحر يلملم نوارسه
و البحارة يطوون حزنهم
على أقفية المراكب
رأيت الصحارى تتسع
ولا مكان لفيء أو صهيل
رأيت الرمال تتسرب إلى كل البيوت
ورأيت الملح يغزو الجراح
وأنا أمشي مدنفا بين نزيفها
أصرخ واه:
مهلا,يا ضرير
ليس عندك شيء ,سوى الأشلاء
خراب الأرض
,موت السنابل
وقتيلا يعتلي,
رأسا قتيل.
جبلة الآن...أو بعد قليل
يهجع الخلق,ويلتحفون بالكلمات
و بين شقوق الحجارة
المرمية بين المدرّج والمسجد
ينبقّ العشب ,
يأنس لحكاية تنسل بوحا:
يرنو المدرج نحو مئذنة
يخبرّها:
عبروني
زلازل وحرائق وخيول.
حطّموا جسدي
وهاأنذا أحيا ,لألف جيل.
تبوح له
كم مرت صواعق فوق هامي
فهوى جسدي
ولكن لم أميل.