مدخل ..
في تحليلنا ومناقشتنا ونقدنا لأي نظام ودولة ,لا بد لنا بداية من الإتفاق على تعريفات اساسية تشكل أساسا للنقاش التالي لأنه بدون اتفاق على الأوليات يصبح الكلام غير ذي قيمة .
وحتى لانخوض كثيرا في النظريات وفي المقدمات وفي تكوين الدول ونشأتها والدراسات حولها سأمر سريعا على ذلك لأنه ضروري للدخول في اي نقاش أو دراسة وتحليل:
سئل أحد الكتاب عن رأيه بقارة أفريقيا, فأجاب بأنها مقوّسه !! هكذا أفريقيا بكل ما فيها من حروب ومجاعات وأوبئة ويورانيوم وذهب ومياه وشعوب ...مقوّسه . طبعا كان الكاتب يسخر من السائل .
من مدخلنا هذا لا معنى أن نعطي رأيا بأن دولة أو نظام بكل ما تحويه الدوله من مكونات وعناصر ,هي دولة جيدة أو سيئة . فهذا كلام لا معنى له وساذج بعيد عن العلم والإهتمام, تمام كأن نقول عن أفريقيا أنها مقوسه.
والمطلوب هو التحليل والبناء على أساس علمي يستند إلى معطيات واقعيه وقوانين تحكم بنيان الدولة وتفسر سبب قيامها واستمرارها.
إن النظام والدولة ليست مصطلحا عقليا أو كائنا هائما في الفضاء لا جذور له ولا اسباب لقيامه وديمومته , بل هي تجسيد مادي وبناء فوقي يستند على بنى اجتماعية –اقتصادية تشكل فيما بينها وتنشأ عنها مجموعة معقدة وكبيرة من المصالح والعلاقات (التنافسية –الإستغلالية)وذلك في درجة معينة من تطورها .وهذه العلاقات والمصالح تنزع بطبيعتها لأن تكون سيطرة واستغلال وتناحر وقد تصل إلى العنف والإضطراب .
وإن العنف هنا والثورة والإنقلابات قد يفسر قيام الأنظمة والدول ولكنه لا يضمن استمراريتها بدون العودة لتلك العلاقات المسيطرة والمتحكمةوالبنى التي قد تتواءم معها وتصبح (الدولة)هي المعبرة عنها والراعية لمصالحها,او أن تفترق المصالح وهنا نشهد توترات مستمرة واضطرابات وقمع.
إذن العلاقة بين الدولة والمجتمع في هذه المرحلةهي علاقة عضوية تنشأ الأولى عن الثاني ولكنها لا تنعزل عنه بل تصبح العلاقة تفاعليه بينهما وفي مرحلة لاحقه تؤثر وتتأثر وبنجم عن هذا التفاعل بنية أعلى (أو أدنى) تعيد نفس الدورة وهذا يتم في جملة مفتوحه ,أي ليست منعزلة عن التأثر بالخارج,وتنعكس فيما بعد سيطرة للفئة الغالبة صاحبة النفوذ وبهذا تضمن ديمومتها, لأن الناس يتوجب عليهم أن يأكلوا ويلبسوا ويسكنوا..الخ أي أن يحافظوا على حياتهم وذلك قبل أن ينصرفوا إلى العلم والسياسة والفلسفة ..الخ
وهذا الكلام ينطبق على دولنا وعلى مثالنا السوري , حيث أن النظام قد نشأ بالعنف في الستينيات بدون أن نخوض في المقدمات التي أدت لذلك ,وهذا كما قلنا قد يفسر نشوء الدول.
لكن ماهو الشيء الذي أتاح للنظام وللدولة أن تستمر طيلة هذه السنوات ؟
لا يمكن لنا إذا أردنا العودة لتلك المرحلة إلا أن نذكر ونشير للإنقلابات العسكرية , وهذا ما سأبين اسبابه ..واعلم أنك تريدين التركيز على فترة 1954-1958لأن هذه السنوات يعتبرها الكثير من الكتاب سنوات ذهبية , فهل هي كذلك ..سأجيب على ذلك ,ولكن أولا سنعود قليلا لسنوات الإستقلال الأولى وهي الممتده من 1946 إلى 1954 , وهذه الفترة لا يمكن النظر إليها على أنها كانت تشكل اللبنات الأولى لقيام الدولة ,لأنها كما ذكرنا لم تكن تدور حول أهداف وشعارات ولم يكن الصراع قد أخذ شكلا مطلبيا او دستوريا على اسس الدولة وتوجهاتها أو صراع على الخيارات الرئيسية , بل كان صراع رجال عاديين وجدوا أنفسهم في وضع غير مستقر فأنهكوا أنفسهم وانشغلوا في مهمة واحدة هي الإحتفاظ بالسلطة , ولم يكن لديهم أية خبرة أو مؤسسات لدولة استقلت حديثا .
وزاد في الطين بلة حرب 1948 حيث كشفت تلك الحرب هشاشة وضعف الجيش ,وكان السياسيون قد ضللوا الشعب ووعدوه بالنصر , إلا أن الحرب كشفت عن ضعف استعدادهم .
وهذا ما أدى لإثارة الضباط الشباب في الجيش وكان ذلك نقطة انعطاف , حيث بدا هؤلاء يقتنعون بقوة أن السياسيين مهملين إلى حد الخيانة والإجرام .
فقد ذهبت القوات السورية إلى الحرب بعتاد لا يتجاوز المائة طلقة للسلاح الواحد , وبرزت قضايا الفساد والربح الفاحش والرشوة وكانت قضية الضابط (فؤاد مردم) القشة التي قصمت ظهر البعير , فقد أرسل هذا إلى إيطاليا في مهمة عسكرية فابتاع سلاحا , وبسبب الإهمال أو الخيانة لم تصل الأسلحة بسبب تسريب الأمر لإسرائيل واعتراض الشحنه .
باختصار أصبح هؤلاء الضباط يرون أنفسهم الأبطال المنقذين للوطن وحمايته وسط عجز السياسيين بل وخيانتهم. وفي المقابل شن السياسيون الهجوم على ضباط الجيش واتهموه بالتقصير , وكان لانتشار فضيحة أخرى سميت وقتها بفضيحة (السمن ) الدور في التعجيل بتدخل الجيش وبالإنقلاب الأول في العام 1949.
وكان ذلك بالتنسيق بين ضباط أكرم الحوراني وبين حسني الزعيم.
إن عودتنا لهذه البدايات له دور في إلقاء الضوء على بداية تدخل الجيش في السياسة , وبالتالي اصبح هذا الجيش لاحقا أحد المكونات والحوامل اللازمة لقيام الدولة واستمرارها.
ولكن لن نخوض أكثر في التفاصيل ..فاستمرت الإنقلابات حيث انقلب الحناوي على الزعيم وأطاح الشيشكلي بالحناوي وبقيت البلاد سنتين تتخبط عشوائيا حتى عام 1951 في سبيل إيجاد صيغة وتوليفة تعبر عن الواقع الجديد الذي تلا الإنقلابات . ولم يدرك السياسيون القيود الجديدة التي وضعت على سلطاتهم فاستمروا يلعبون في البرلمان ويكتبون مسودات الدستور ويصدرون البيانات وكانهم يرفضون أن يقروا بأن الكلمة قد اصبحت للأركان العامه .
كان الشيشكلي بالتحالف مع الحوراني أول من أتى بمخطط للحكم وسعى إلى تأليف حركة سياسية تكون ظهيرا للنظام (حركة التحرر العربي) وكان عليه الإنتظار سنتين حتى يستطيع الحلول محل الساسة الدمشقيين فقد كان هو والحوراني محسوبين على اليسار ومن حماه بعيدين وغريبين عن نادي السياسة الدمشقية .
لقد أثرت فترة حكم الشيشكلي حتى 1954 على شكل الدولة القادم , فقد حدثت في هذه الفترة تحولات شهدت سقوط الأحزاب التقليدية وبروز أحزاب فتية يسارية و قوميه .
وبرزت المسألة الزراعية كحامل آخر لشكل الدولة القادمة وهذا يبرز من تعاظم دور الحوراني الذي كان أول من وعى هذه المسألة واثار الفلاحين في حماه على الملاكين .
سوف نختم هذه المرحلة مع بداية عام 1954 لأن هذه المرحلة قد شهدت بداية الحكم النيابي وستوصف الإنتخابات التي جرت وقتها بأنها الإنتخابات الحرة الأولى التي تجرى في العالم العربي.
وبرزت أحداثا مهمة خلال السنوات الثلاث التالية ستضع سوريا على شفا الإنحلال كمجتمع سياسي منظم وفقد الكثير من السوريون الثقة بمستقبل بلادهم ككيان مستقل , وهي اغتيال المالكي في 1955وتصفية الحزب القومي ,حرب السويس 1956 , دخول أمريكا على الخط ورفض سوريا مبدا إيزنهاور حتى وصل الأمر إلى تهديد تركيا باجتياح سوريا عام 1957 وبداية العلاقة مع الإتحاد السوفييتي بعد صفقة الدبابات التشيكية الشهيرة لمصر وتوقيع وزير الدفاع السوري (خالد العظم) معاهدة مع الإتحاد السوفييتي ,ووقوف مصر إلى جانب سوريا وقتها .
لقد أصبح يحكم سوريا من خلف الستار في ذلك العام 1957 مجموعه تقدمية : خالد العظم ,خالد بكداش, أكرم الحوراني , صلاح الدين البيطار, وصبري العسلي وكان هؤلاء الخمسة يجتمعون مرارا في بيت العظم للتنسيق والتخطيط, وتقاسموا السلطة مع حلفائهم العسكريين: عبد الحميد السراج ,وعفيف البزري والنفوري وعبد الغني قنوت ومصطفى حمدون .
هذه الأمور والأحداث الداخلية يضاف إليها العامل الخارجي الكبير المتمثل في أن لبنان والعراق والسعودية والأردن قد انضموا للغرب , بقيت سوريا ومصر البلدين العربيين الوحيدين الذين خرجا عن السرب واشتركا بنفس المبادىء وبدت لهما أنها اللحظة المناسبة للوحدة .
قد يقول قائل هل من جديد , ألم تتكرر الأحداث بصورة دورية منذ ذلك الزمان , ربما هذا هو السبب لتفصيلنا قليلا في هذا الموضوع , إضافة لتتبع ورصد اللبنات الأولى والحوامل المؤسسة للدولة والنظام في سوريا موضوع حديثنا ..واشكر سلوى لأنها جعلتني أعود لتلك المرحلة قبل أن نتكلم عن مرحلة الستينيات ..مايعتبر وصول الدولة-النظام لهيكل شبه نهائي , مع تغييرات في المظهر والشكل وصولا إلى نهايات القرن الماضي , حيث بدات الدولة –النظام في تغييرات أساسية سأتطرق إليها في وقتها .
لا بأس ...سنعود إذن إلى الإنتخابات النيابية التي جرت في العام 1954 والتي تعتبر كما قلنا أنها أول انتخابات وصفت بالحرة في العالم العربي وكثيرا ما يعود إليها الدارسون والمحللون , لأنها تعطي فكرة أقرب للحقيقة عن توزع القوى السياسية في سوريا آنذاك , وايضا لتأثيرها اللاحق على مجرى الأحداث .
ولتكوين فكرة واضحة لا بد لنا أن نستعرض : الجو الذي أجريت به , الحكومة التي أجرتها , والنتائج.
ففي الجو :هيمنت على الحملة الإنتخابية قضية رئيسية واحده وهي: هل ستنضم سوريا إلى ميثاق دفاعي للشرق الأوسط تبناه الغرب وسيعرف لاحقا بحلف بغداد؟
الحكومة التي أشرفت : كانت حكومة سعيد الغزي , وكانت مهمتها الوحيدة إجراء الإنتخابات.
النتائج : (64 المستقلون, 30 حزب الشعب, 22 حزب البعث, 19 الوطني ,2 القومي السوري,2 الإشتراكي ,2حركة التحرر العربي, 1 الشيوعي)= المجموع 142 نائبا.
لم يكن للبعد الداخلي كبير الأهمية في توجه وبرامج هذه الإنتخابات , بل كان لجهتي المغناطيس الخارجي –العراق ومصر- الأثر الكبير في هذه الخيارات والتوجهات .
فنتيجة ذلك جرى اصطفاف لكتلتين كبيرتين :
فوقفت إلى اليمين تجمعات قلقه من الحزب الوطني والشعب مع عشرة نواب من المستقلين ووصل عددهم نحو 60 نائبا , في المقابل وقف تجمع يساري ضم البعث وكتلة خالد العظم وهي الكتلة الديموقراطية والشيوعي وكان عددهم يقارب الستين أيضا, وبقي حوالي 25 نائبا هم نواب العشائر والإسلاميون ومؤيدو الشيشكلي بدون إتجاه سياسي محدد.
فكلف خالد العظم بتشكيل الحكومة وحصل على الثقة بأكثرية صوت أو صوتين فاستقال , ثم كلف فارس الخوري فعجز أيضا عن تشكيل حكومة إئتلافيه بعد رفض العظم والبعث الإشتراك , ولجأ إلى حزبي الشعب والوطني , ولكي يهدأ المعارضة اليسارية أعلن أنه سيرفض الأحلاف الأجنبية ,محور الصراع كما ذكرنا.
فتربص به خصومه اللذين لم يقنعهم تعهده , وانتظروا أول انحراف له عن هذا التصريح ليسقطوه.
ولم يطل ذلك فقد رفض الخوري في مؤتمر وزراء رؤساء الوزراء العرب في القاهرة أن يوقع على بيان برفض الأحلاف الأجنبية ,وفي اليوم التالي سقطت حكومته في دمشق في بداية 1955 .
وكان ذلك السقوط نقطة تحول في السياسة العربية, حيث أمسك اليسار لأول مرة بزمام المبادرة, ولكي لا يعيد هؤلاء تجربة الخريف ويبقوا تحت رحمة نائب أو نائبين ,بحثوا عن حلفاء من ضمن الحزب الوطني الذي كان أكثر حزب تفكك تحت تأثير اشتداد قوتي الجذب (العراق ومصر) فأيد العراق منه: لطفي الحفار,سهيل خوري , بدوي الجبل ونجيب برازي...وآخرون وعارضهم : صبري العسلي , ميخائيل إليان ,عبد الرحمن كيالي ..وآخرون.
فتشكل حلف ثلاثي : العظم والعسلي والحوراني نتج عنه وزارة العسلي .
وستأتي الأحداث كما ذكرنا سابقا : حلف بغداد , اغتيال المالكي وإبعاد القومي السوري عن الحياة السياسية 1955 , حرب السويس 1956, محاولة تطبيق مبدا إيزنهاور للحلول مكان فرنسا وبريطانيا في المنطقةوتهديد تركيا باجتياح سوريا 1957 . لتزيح جانبا التطور الطبيعي الذي كان يسير , ولتصل الأمور إلى تفكك الدولة وصولا إلى عدم الثقة بمستقبل سوريا ككيان مستقل وسط كل هذه العواصف ,ومن هنا بدات شرارة التفكير في ان الوحدة مع مصر التي اتفقت في التوجه والأهداف مع المجموعة الحاكمة في سوريا هي العلاج والخلاص .
إن هذا الأمر يشير إلى عدم نضج العوامل الداخلية المؤسسة , ويشير إلى أن العامل الخارجي كان له الاثر البارز في تشكيل القناعات والرؤى , ويشير إلى أن أول انتخابات نيابية وصفت بالحرة قد أوصلت سوريا إلى حكم (تقدمي) قاد سوريا خلال سنوات ثلاث إلى تحالف مع مصر ورفض للغرب وتوجه إلى الكتلة الشرقية .
يبقى السؤال الآخر الذي سألته سلوى وهو عن الجيش .
ذكرت سابقا عن أسباب تدخل الجيش في السياسة , وفي هذه المرحلة التي تجاذبت سوريا سياسة المحاور الجديدة ,ازدادت شراسة وحدة في هذه السنوات , وكانت أموال الرشاوي والضغوط الخارجية قد قضت على كل اساس أخلاقي للحياة السياسية ,وتعرض الشعب لحملات دعائية خارجيه هستيرية وتهديدات بالغزو .
كل ذلك لم يكن ليجعل أي شكل ديموقراطي محتمل أن يسير بشكل طبيعي .
فأين كان دور الجيش ؟
لقد لعب التدخل العسكري المستمر منذ 1949 بالسلطة –أو التهديد بالتدخل- دورا أساسيا في ظل شبه غياب العوامل الأخرى أي السياسات الإقتصادية والإجتماعية وبرامج الإصلاح , فكان الجيش منذ تلك الأيام قد اصبح من المكونات الأساسية والحامل الآخر الذي يجب على الجميع أخذه بعين الإعتبار ,وسيدفع من لا يعي هذه الحقيقة الثمن غاليا فيما بعد. كان الجيش مقاوما لمحاولة جر سوريا نحو العراق وكان له الدور الحاسم في التوجه إلى مصر , وربما كان لافتا أن عدم قدرة أي قائد أن يسيطر على بقية الضباط في السنتين اللتين سبقتا قيام الوحدة ,انعكس ذلك بشكل مباشر على السياسيين مما زاد في حدة التصدع .
وسنرى لاحقا كيف أن الجيش قد أخذ المبادرة أخيرا وتبعه السياسيون في خطوة متعجلة نحو الوحدة مع مصر.
وفي الحكم النهائي على هذه التجرية كانت علة الإنتخابات النيابية عام 1954 أنها أتت مبكرة , وقبل أن تنضج الحوامل الأخرى اللازمة لقيام الدولة (الحامل الإقتصادي –الإجتماعي , حل مشكلة الأرض ,العمل النقابي, مأسسة الدولة ..الخ), فكان لا بد أن تشظي التجاذبات الخارجية القوية الوضع الداخلي وهذا أدى في النهاية إلى تفكك الكيان السوري ,بإلغاء التجربة برمتها ونقلها إلى سياق تطور الدولة في مصر .
قلنا أن البلاد وصلت في العام 1958 لمرحلة فقدان الثقة بها وباتت وقد عصفت بها رياح التجاذب الإقليمي والدولي عرضة للكثير من الأخطار ,وبات الناس لا يثقون بقدرة دولتهم على الإستمرار ككيان سياسي مستقل , إن التخلي عن التجربة القصيرة لبناء الدولة ,وتجاوز ماتم إنجازه حتى ذلك التاريخ من إرهاصات وبدايات كانت تسير بشكل طبيعي نحو إفراز عواملها اللاحقه ناجم عن أسباب عده ذكرنا بعضها في السابق ولكن سنعود الآن لاستعراض بعضها الآخر , وكل ذلك ضمن محور بحثنا ,العوامل التي اسست للنظام والدولة في سوريا :
لقد انهار البناء السياسي في مرحلة كانت سوريا تشهد فيه صراعا حقيقيا بين الفئات المكونة للمجتمع السوري ,وكان هذا الصراع يعد بإفراز نتائج تعبر أكثر عن مصالح وحقوق الفئات المختلفة لو تم ذلك في ظروف خارجية محايدة أو على الأقل غير ضاغطة بحيث تكاد تغيب العامل الداخلي .
وهذا أدّى كما رأينا لأن يكون للجيش دورا أساسيا في الحياة السياسية بعكس ما كان يرغب ويؤمل, إذ تخلى هذا الجيش عن دوره الطبيعي وذلك منذ حرب 1948 إضافة للتوتر الذي خلقه وجود دولة عدوانية ضاغطه على الحدود ,وبدا يشكل من وقتها عاملا مكوّنا للسياسة وحاسما في الكثير من القضايا,وباتت مركز القرار يتكرس شيئا فشيئا في الأركان العامة وليس في البرلمان أو الحكومة.
ويكفي أن نذكر مثلا :إذ أن كبار ضباط الجيش في العام 1958 قد ركبوا طائرة بدون إذن الحكومة وتوجهوا إلى مصر , وطلبوا لقاء مع عبد الناصر الذي فوجىء بهؤلاء يطلبون الوحدة الفورية , وحاول عبد الناصر أن يستبقيهم ويستبطىء الجواب وذلك بسؤالهم عن أمور جانبية ومن يمثلون , وابقاهم في ضيافته إلى حين وصول الوفد الحكومي .
وشكل ذلك بلبلة في الحكومة السورية ,فقرروا إرسال صلاح البيطار ليطلع على المدى الذي وصل إليه الضباط في خطوتهم ,وعندما طلب البيطار تزويده بتعليمات محددة حول المفاوضات التي سيجريها مع عبد الناصر ,رفض القوتلي وخالد العظم وأعضاء آخرون أن يلزموا أنفسهم بشيء, فذهب البيطار وهو لا يحمل شيئا محددا ,ولم يكن يستطيع فعل شيء سوى الإنضمام للضباط الموجودين في مصر دون أن يقدم اية شروط.
وقلنا أن المشكلة الأساسية وحامل التغيير الآخر الذي سيحدد شكل الدولة القادم في سوريا هي المسألة الزراعية , باعتبار أنه القطاع الإنتاجي الأساسي في شبه غياب للتصنيع والإستثمارات المختلفة وقبل استثمار النفط والثروات الأخرى بكميات مجدية ,وباعتبار هذه المسألة كانت تعاني من تخلف كبير وتحمل ظلما أكبر .
وطبعا كان كل ذلك يجري بتفاعل وتاثر مع ما يجري في الخارج , وذلك بتأثير القانون الثاني الناظم للأحداث وتطورها ,هذا العامل تمثل في التهديدات التركية لسوريا على خلفية صراع المحاور , وكان كميل شمعون في لبنان يستنجد بالاسطول الأمريكي , وكل ذلك في إطار الطموح الأمريكي لمحاولة تطبيق "مبدا إيزنهاور" .
يضاف إلى ذلك نهوض الشعور القومي عموما وتصاعده بالتزامن مع صعود عبد الناصر الذي خرج من العدوان الثلاثي واقفا , وكان ذلك اول مؤشر على انحسار دوربريطانيا وفرنسا وحلول وتعاظم الدور الأمريكي.
التقى في اللحظة التاريخية الحدث مع الحوامل المذكورة معا لترسم معالم الدولة القادمة.
سنمر سريعا على أسباب عدم استقرار دولة الوحدة التي قامت نتيجة ذلك , ولم تكن الطريقه الفوضويه والمستعجله التي قادها بداية كبار الضباط وتبعهم السياسيون واصبح كل يزايد على بعضه في مطالبته بالوحده هي السبب ,على الرغم من أن ذلك يشير إلى الظروف والأوضاع التي سادت في سوريا قبل الوحده , بل إن من بين أهم الاسباب هو أن الذي جرى هو عملية احتواء للدولة التي كانت تمضي في تطورها الطبيعي في شكل آخر للتطور مخالف له ولمجرى الأمور وبدون حوامل موضوعية لذلك , وكان لفشل عبد الناصر في كسب الرأسمالية السورية وتعثره في حل المشكلة الزراعية (وشهدت سوريا من سوء حظ عبد الناصر سنوات جفاف أثرت بشكل كبير على الإنتاج) عاملا حاسما في فشله في بناء الدولة ,فقد وجد الرأسماليون في سياسة عبد الناصر عملية (تمصير ) لسوريا وإغراق سوريا بالمنتجات المصرية وأصبحت سوريا تصدر لمصر المواد الخام فقط, يضاف لذلك تطهير الجيش من العناصر القومية واليسارية ,فتم نقل قسم منهم إلى مصر ,إضافة لتطهير الحياة السياسية ومنع الأحزاب .
ماذا تبقى من أسس استمرار النظام ؟
فتحالف المتضررون مع ضباط مستقلون من دمشق وبتشجيع عربي ليطيحوا بالوحده ,وتم ذلك بسهولة غريبة فاجأت عبد الناصر نفسه ,إذ يذكر المؤرخون أنه لم تطلق رصاصة واحده دفاعا عن الوحده .
لقد اعتمد عبد الناصر على حب الناس له فقط وهتافهم له في الشارع ,ولم يستغل ذلك لبناء المؤسسات وإجراء تحالفات مع الفئات الفاعله والنافذه بالإضافة للعوامل المذكورة سابقا.
وماكان لدولة الإنفصال أن تدوم لأنها أتت لتعيد التاريخ للوراء ,وأتت نتيجة تحالف ظرفي مصلحي ,وأتت متبوعة بلعنة جلب الإنفصال , واستمرت بإهمال الجيش وأتت على البقية الباقية من القوميين والناصريين ,كل ذلك أدى لتخبط صناع النظام ,حيث انقلب عبد الكريم النحلاوي نفسه على صنائعه وحل البرلمان والحكومة وكان أول من أطلق السهام على البنيان الذي أقامه.
وجد البعثيون والناصريون والمستقلون الفرصة سانحه ,ولم يجدوا أدنى صعوبة في تنفيذ إنقلابهم على هذه التوليفة الفاشله ,ليستمر التناقض والتناحر بين المكونات الثلاثة حتى قام البعثيون أخيرا بالإطاحه بالمكونين الآخرين وانفردوا بالدولة .
تى البعثيون إلى الدولة وكان ينقصهم الكثير ,وكانت المشاحنات بينهم التي خمدت مؤقتا بسبب حاجتهم للإتحاد كي ينجحوا بإزاحة دولة الإنفصال كبيرة ,فقد تخلى مؤسسو البعث عنه وقبلوا بشرط عبد الناصر بحل الحزب , مما أفقدهم ثقة قواعدهم . لقد كانوا حتى الأمس منتدى ثقافيا حوارياولم يخوضوا أية تجارب عمليةو ليس لديهم أية تجربة في المؤسسات أو اية خبرة في إدارة الأمور ,وفجأة وجدوا أنفسهم على قمة الهرم وبات عليهم أن يجدوا الحلول ويديروا الدولة .وكان بينهم وبين الناصريين شركاءهم في الإنقلاب عدم ثقة ومرارة من فترة الوحدة ,وأصبح كل فريق يعد العدة لإزاحة خصمة ,وهذا ما سيفسر الأحداث التالية والصراعات العنيفة التي نشأت بينهم وبين الآخرين ثم بين أنفسهم.
وباعتبار أن الذي خطط ونفذ الإنقلاب ينتمون للجيش من الأطراف الثلاثة (بعث+ناصريين+مستقلين) فقد أصبح الجيش ملعبا جديدا لصراعهم ,وبدا ذلك في أحداث تموز 1963 حيث تم إقصاء الناصريين ,أما المستقلين الذين لم يكن لهم منهاجا واضحا أو بنية متماسكة فقد ارتضوا أن يذهبوا كسفراء أو ملحقين عسكريين وبعضهم اعتزل الجيش والسياسة .
مع أن هذه الدولة قد حاولت كسب الفئات الصغيرة والمتوسطة بإجراءات سريعه وغير مدروسة إلا أنها جاهرت بالعداء للرأسمالية السورية ,فقد مورست إجراءات صبيانية وارتجاليةمثل عملبات التأميم العشوائي ,وقيل أن أسماء الشركات قد أخذت من دليل الهاتف ووأدى ذلك لهروب رأس المال السوري إلى لبنان والدول العربية حيث أسس استثمارات مهمة واصبح هؤلاء سادة الصناعة والتجارة في هذه البلدان .
لقد أصبح التناحر والصدام هو السمة الغالبة في تلك السنوات الصعبه, ويمكن تشبيه الوضع بالإنقلابات السابقه في بداية الإستقلال ,وما كان للإنقلاب أن يستمر سوى بضعة أشهر في مثل هذه الظروف ,ولم يخف الحاكمون الجدد عداءهم التجار وكبار الملاكين واصبح مجرد الإنتماء لعائلة ثرية وبورجوازيه أو إقطاعيه تهمة بحد ذاته .
إن العنف الذي صبغ فترة الستينيات وعدم استقرار الدولة مرده إلى أن البلد كان يعيش مخاض التكوين الجديد يشكل يشبه كثيرا الصراع و التوترات التي حدثت بعد الإستقلال , وكأن البلد قد ألغى من تاريخه –مجانا- الآلام التي سببتها فترة المخاض الأولى ,ولكن مع فرق أساسي أن الصراع المستجد كان يحدث بعد تغييرات أساسية في نمط العلاقات السياسية , وتغيير كبير في بنية الأحزاب السياسية فقد اختفت أحزاب واضمحلت أخرى وتراجع دورها وبالأخص (الوطني والشعب) , لقد كانت منتصف الخمسينيات آخر مرحلة سيظهر على المسرح رجال السياسة التقليديون وتلك الطبقة التي تكونت في اواخر الحكم العثماني والفرنسي ,وكسبت الأحزاب القومية والناصرية الناشئة معظم الشبان الذين ينتمون للفئات المتوسطة والصغيرة بل وبعض البورجوازية أيضا .
لقد أصبح الصراع على السلطة يحدث ويدور داخل الجيش حصرا, على المستوى السياسي وقرارات النظام وخياراته , ولم تكن لباقي فئات الشعب وللعوامل الأخرى أي دور يذكر وكان هو المكون البارز لذا تم الإعتماد عليه داخليا , وكان ذلك من أسباب هزيمته في 1967 يضاف للعوامل الأخرى حيث أن الأمر قد تم بعد انكسار الجيش المصري والأردني بسرعة غير متوقعه,ووضع التفوق الساحق الذي وجدت إسرائيل نفسها فيه بعد هذا الإنتصار السهل مما أغرى (ديان) بتسلق الهضبة والتخلص من مدفعية السوريين المزعجة وكان ذلك في 9 حزيران.
ولم يكن من الممكن أن تعود الدولة للوراء إلى الشكل التقليدي , بسبب بروز العوامل الجديدة وسقوط الأشكال والأحزاب التقليديه وعدم وجود الفئات القادره على تجميع الحوامل لإحداث تغيير .
ولمّا لم يكن للبعث الخبرة والكفاءة لإدارة الدولة , ولم تكن له العدة النظرية اللازمة , فقد لجا أولا للماركسيين وكانت لمسات المفكر السوري ياسين الحافظ واضحة في المنطلقات النظرية التي أقرت في 1964 , ولجا لتركيب الدولة بطريقة فيها الكثير من الإرتجال وبطريقة عسفية إنتقاميه ,وبدأ البعثيون بعملية إقصاء لبعضهم البعض , فبدأوا بإقصاء المدنيين (البيطار وعفلق) ومن ثم العسكريين (أمين الحافظ ومحمد عمران والحاطوم )ومن ثم وبعد حرب حزيران بدأ الصراع بين رئيس الأركان أحمد سويداني المحسوب على صلاح جديد وبين حافظ الأسد وزير الدفاع .
كان جديد يحاول تركيب الدولة على النمط السوفييتي على شاكلة الترويكا (رئيس حكومة ورئيس دولة وامين عام للحزب) , بحيث يبقى الحزب هو المرجع والحكم والمخطط . وحاول أن ينقل مركز القرار والصراع من الجيش إلى قيادة البعث , إلا أنه افتقد للكوادر والأدوات وكانت محاولته تسير بعكس الخط العام في البلد ,إضافة لأنه أقصى من معادلته فئات هامة ومصالح طبقات نافذه وفاعلة.
وأهمل الجيش الذي كان قد أصبح له الكلمة الفصل في أي صراع( الخطأ الذي اشرنا إليه سابقا) .
ولما برز الخلاف بينه وبين الأسد حاول أن يسيطر على الجيش من خلال سويداني , وعلى الأمن من خلال عبد الكريم الجندي , وكانت قيادة البعث بيده .
بينما عمد الاسد إلى تقوية نفوذه في الجيش ,فأتى بصديقه مصطفى طلاس وسلّمه رئيس الأركان مكان سويداني الذي اتهمه أنه كان ياتمر بأمر صلاح جديد وليس بأمر وزير الدفاع عندما حمّل الأسد مسؤولية هزيمة حزيران, وبدأ بتنظيم حزب آخر في قطاعات الجيش يكاد يكون مستقل عن القيادة القطرية للبعث , ومنع دخول أنصار جديد إلى قطاعات الجيش , وخلال سنة واحده لم يكن قد تبقى لجديد سوى أنصاره في قيادة البعث , فدعاهم لاجتماع في تشرين 1970 وكان ذلك آخر مؤتمر يعقده هؤلاء , وقد اتخذ المجتمعون قرارا بفصل الأسد وطلاس و دعوا لعدم تدخل الجيش بالسياسة !! ولكن كانت هذه القرارات لا تعني شيئا على الأرض فقد كان الأمر قد حسم .
كل ذلك يضاف إليه العوامل الخارجية (سوء علاقة مع جميع الأنظمة عربا وشرقا وغربا,الصدامات الداخلية )حتى أن الإتحاد السوفييتي لم يكن شديد الحماس لهذا النظام ولم يعترف بأنه كان يمارس الإشتراكية العلمية , إضافة للعداء العلني للغرب.
وكانت كل هذه الأوراق تلعب لمصلحة الأسد ولرؤيته التي سيطبقها لاحقا والتي سنتكلم عنها, فتم إجراء تصالحات وتحالفات جديدة وانتهاج سياسة الوفاق والتهدئة وتقاسم المكاسب بدل التناحر والإلغاء , كل ذلك في إطارالتخطيط والتنفيذ لمشروع حرب تشرين .
لقد ورث الأسد في بداية عهده عن صلاح جديد أفكار التخطيط المركزي للدولة ومحاولة البناء على النمط السوفييتي وضرورة تزودها بأهداف محدده وورث عنه أفكار مثل ضرورة إنصاف الفئات المنتجه الصغيرة وتوزيع الأرض )والتي طبقها جديد كما ذكرنا بطريقة متعجله ,وسابقة لأوانها , ومسألة النقابات , وضرورة قيام المشاريع والإستثمارات الكبيرة , ومسألة الأرض , ومسالة مصالح الفئات متوسطة الدخل وضرورة حمايتها .
ولكنه أضاف فيما بعد عاملا هاما كان لا يزال يؤثر ويفعل ولم تكن الإجراءات التي اتخذت في عهد جديد قد أفقدته قوته أو دوره وهو الرأسمالية السورية وفئة التجار المتوسطين .
لقد اتى الأسد بعناوين مثل المصالحة والتحالف في الداخل بدلا من الصراع , وعلى الصعيد الإقتصادي لم تكن لدى الفريق الجديد خطط إقتصادية مخالفة لما تم إنجازه في العهد السابق , بل استمر في تطبيق نفس السياسات ,وكذلك طرح وتبني مفهوم التضامن العربي بدلا عن التناحر والتقاتل والتآمر , وتبعه عدة إجراءات على صعيد الحريات العامه وإعادة عدد من المثقفين المنفيين وتم إعادة البرلمان وإقرار دستور للبلاد وتم كل ذلك في إطارالتخطيط والتنفيذ لمشروع كبير هو حرب تشرين .
سيسجل التاريخ للاسد مع السادات أنهما كانا أول رئيسين عربيين يخططان وينفذان أول (وآخر)حرب شاملةضد إسرائيل , بغض النظر عن افتراق الخطط والأهداف أثناء الحرب وما بعدها . هذه الحرب التي كان مقدرا لها أن (تقّلم) اختلاف درجة تطور حوامل الدولة وتصهرها بنار تلك التجربة الوطنية الكبيرة , جرت الأمور على عكس المرتجى نتيجة عدة عوامل .
إن تفاصيل وأحداث الحرب لازالت في ذاكرة الكثيرين , حيث أدىاختلاف الرؤى بين سوريا ومصر حول حجم الهجوم وأهدافه إلى أن ينجم أول تصدع في هذا المشروع الكبير , ومن ثم أتت تطورات الحرب التي أوصلت لانكسار حدة الهجوم العربي , وتراجعه لاحقا , إلى بروز فجوات تسلل منها كيسنجر وبدأ بنسج خيوط استراتيجية بعيدة الأمد ستغرق المنطقة في حبائلها لسنوات طويلة .
سوف لن نتحدث عن الأمور الإيجابية للحرب واثرها في استعادة العرب لثقتهم , وإدراكهم أن الهزيمة والإنكسار والضعف ليس قدرا , فهذا جلي ,بل سنأخذ منها ما أثر لاحقا على تطور الدولة اللاحق وأدى لاتخاذه مسارا مختلفا.
لقد خطط السوريون وبنوا كل سياستهم وتفكيرهم وجندوا كل مواردهم في سبيل شيء واحد وهو الحرب , وفي حمى الإعداد لها لم يولوا الجانب السياسي والدبلوماسي اية أهمية ,بينما كان السادات قد نسج خيوط إتصالات مع واشنطن منذ مدة .وهذا سيفسر مدى تباين الموقفين , إذ دخل كيسنجر كما ذكرنا بين هذا الشرخ ولعب على اختلاف الأهداف .
على الرغم من ذلك وجد السوريون أنفسهم بعد الحرب وقد استعادوا الكثير من الثقة و الإحترام العربي والدولي ونجم عن ذلك , أن تدفقت المساعدات لإعادة بناء ما هدمته الحرب .
لم يكن لدى فريق الاسد أية خبرة في مجال إدارة الدولة إقتصاديا فقد ورث عن العهد السابق ذلك ولم يوله الأهمية فقد كان جل همه كما قلنا التخطيط للحرب , أما ماذا بعد الحرب فلم يكن واضحا اي طريق ستسلك الدولة واية خيارات سيمضي بها النظام.
في هذه اللحظة التاريخية , كان لغياب الرؤية والإستراتيجية وفقدان الخطط التي ستؤدي لإعادة البناء وفقها , الدور البارز في الإخفاقات اللاحقة .
ولو وجدت في تلك اللحظة الرؤية والإعداد والتخطيط المسبق تلك لكان لسير الأمور منحى مخالف تماما , بالإتجاه الإيجابي طبعا .
فقدأدت تلك الأموال لحدوث استرخاء في البلد و وبدا وكان البلد يكافىء نفسه بعد معاناة الحرب ,تم صرف قسم كبير من تلك الأموال في مشاريع صناعية وزراعية على عجل لم تدرس جيدا ولم تكن لها الجدوى المراده , بل وبذرت أول بذور التصدع في البنيان الذي كان يسير بصورة مطمئنة وواعدة .
حيث أدت الوفرة المالية وفي غياب الرؤية الصحيحة لاستثمارها في مشاريع تكرس الحوامل السابقة وتخليق حوامل جديدة , إلى بروز الفساد وتفشي العمولات , واصبحت المشاريع تقام وفق العمولة وليس وفق الخطط المعدة سابقا ووفق حاجة البلد .
وسنتتبع حاملين مهمين : ففي الجاني الإقتصادي –الصناعي , تبين أن المشاريع التي أقيمت كانت فاشلة أو على الأقل لم تؤدي المطلوب منها (معمل الورق بدير الزور, معمل الإطارات , معمل الإسمنت ...) وبفعل احتكار الدولة للمشاريع الكبرى في ظل هذا الغياب لتخطيط السليم , اتجه راس المال إلى المنافذ الأخرى وبالأخص التجارية والمضاربات العقارية , فارتفعت أسعار العقارات بشكل جنوني , وأدى ذلك لتعثر ترسيخ هذا الحامل , بل على العكس أصبح هذا من عوامل الفشل والتقهقر .
وعلى الجانب الزراعي , كان لفشل ري الأراضي المستصلحة في مشروع الفرات الدور الأكبر في عوامل الإحباط التي بدات ترتسم على مسيرة البلد , حيث أصيبت هذه الأراضي بداء التملح , وتبين أن نوعية الأرض سيئة , وكانت هذه المساحات الكبيرة هي أمل سوريا في أن تقفز بإنتاجها الزرعي لمستويات قياسية .
و على الصعيد الخارجي فقد أتت أحداث لبنان 1975 إلى أن يصرف السوريون جل وقتهم واهتمامهم إلى تلك الجهة المشتعلة , وأدى لاحقا إلى تدخلهم المباشر .
وايضا كانت العين السورية الأخرى تراقب مايدور بين السادات والأمريكيين وإسرائيل , حيث بات واضحا أن السادات بات قاب قوسين أو أدنى من إخراج مصر نهائيا من معادلة الصراع .
واستمرت هذه العوامل تتفاعل وينمو تأثيرها , إلى وقت زيارة السادات للقدس والإعلان عن نية عقد معاهدة سلام مع إسرائيل , مخرجا أكبر دولة عربية من المعادلة ما سينجم عنه خلل كبير سيؤدي لأحداث كبيرة لازالت آثارها وارتداداتها تفعل وتؤثر حتى يومنا هذا .
هذه العوامل الثلاثة ستؤدي لأول تصدع يحدث في الجبهة الداخلية , حيث قام الإخوان المسلمين بحملة إغتيالات وتفجيرات واسعة في حرب معلنة ضد النظام السوري ستطبع الوضع الداخلي السوري بطابعها لأربع سنوات قادمة وستؤدي لتغيير مسار الأمور وخيارات الدولة والنظام .
نجم عن ذلك في النهاية أن الأمن اصبح له الأولوية المطلقة, واصبحت أجهزة الأمن المتعددة تقبض على جميع مفاصل البلد , وستأتي حرب 1982 وماتلاها من موضوع إتهام سوريا بالإرهاب والحصار الأمريكي والأوربي عليها خلال فترة لثمانينيات لتغيير شخصية الدولة والبلد , حيث اهملت المشاريع وتوقف إقامة الجديد منها(ولم يكن إمكانية لذلك على اية حال) وتقلصت الموازنات وبلغ التضخم مستوى مريعا , مما أدى لانهيار الطبقات المتوسطة و تضخم الفساد .
لقد أصبح هاجس البقاء خلال هذه الفترة له الأولوية على اي شيء .ووقعت الدولة والبلد في جمود خطير ونضوب في الموارد وتوقفت أموال الدعم العربي , وسوف لن تنتهي هذه المرحلة إلا في بداية التسعينيات , حيث ستؤدي الأحداث المتتابعة من (سقوط المعسكر الشرقي, احتلال الكويت, بروز العامل النفطي ..) إلى فتح بوابة أخرى سيستفيد منها النظام في صراعه للبقاء , ولكن ليس للبناء على اية حال .
هل الأمور سوداوية إلى هذا الحد ألم يكن هناك من عوامل إيجابية ؟ هذا ما سأتابع عرضه مع اختتام بنظرة مستقبلية ..
إضافة تعليق جديد