مارتن أبيل
رحلة سوريالية عبر عراق صدام حسين: نجم والي وروايته رحلة إلى تل اللحم
القصص المخترعة وحدها تروي الحقيقة
بلاشك يملك العراقيون اليوم ما يكفيهم من الهموم، التي هي أكبر من أن تجعلهم ينشغلون بالأدب. لكن من الناحية الأخرى، من الضروري التأكيد هنا، إذا كان لا بد لهم أن ينجحوا بتثبيت ديموقراطية صلدة في بلدهم المستبعد على مر السنوات، فإن ذلك لن يتحقق إلا على يد أولئك الذين يبدون فضولاً للقراءة، وتصميماً على إيقاظ الإهتمام من جديد بالكتب. ولا يتعلق الأمر هنا، بأية كتب كانت - إنما قبل كل شيء بتلك الكتب، التي تمنح ما عانى منه العراقيون في العقود الأخيرة، تعبيراً، ينظر للأشياء بنظرة عميقة أبعد مما تقوله الوقائع اليومية.
من عاش تحت رعب سلطة صدام سنوات طويلة، عليه أن يتعلم في المقام الأول: التعبير بحرية علناً. عدد من المثقفين العراقيين هربوا من البلاد؛ يشاركهم في ذلك مؤلفون مهمون من بلدان عربية أخرى، مثلهم يعيشون ويكتبون في المنفى الأوروبي، على أمل - ليس بالضرورة بالأفق المرجو له النجاح - أن يكون بإستطاعتهم العودة إلى بلدانهم ذات يوم. أفق مسدود مثل هذا، لا يمكن أن يظل دون بصمات، دون أن يترك تأثيره على الكتابة.
نجم والي، المولود 1956 في البصرة، هرب من بلاده إلى ألمانيا عند إندلاع حرب الخليج الأولى. بالضبط عند نهاية عام 1980؛ أكثر من نصف حياته قضاها حتى الآن في المنفى، على الأغلب في مدينة هامبورغ، الميناء الألماني، الذي يذكره بمدينته التي يتحدث عنها بعشق دائماً البصرة، وبالجنوب كله، وحيث أيضاً، يعمل مراسلاً ثقافياً لأكبر الصحف العربية إنتشاراً وشهرة صحيفة الحياة الدولية. وما هو أكثر أهمية من الوطن بالنسبة للكاتب المنفي، القادم من جنوب العراق، هي الشروط التي يتطلبها الإبداع ذاته، كما كتب والي في مقالة له نُشرت قبل فترة قريبة؛ فضلاً عن ذلك، فإن صاحب تل اللحم يشير (في المقالة ذاتها)، أن المرء يرى جمال النخلة، أفضل وهو على بعد، وليس عندما يجلس تحتها. أنه أحد الذين كلهم قناعة، أن الكاتب المبدع بشكل عام يعيش في نفي وجودي، وإنه يفضل أن يكون على الأغلب في كتبه، التي هي بالنسبة وطنه الحقيقي.
الرواية الجديدة تل اللحم (هي كتابه الثالث المترجم للغة الألمانية)، التي صدرت في الأصل عام 2001 في بيروت، تقودنا عبر بلاد، غارقة حتى آخر زاوية فيها، في الخوف والريبة، في الكذب والخديعة والخيانة. بلاشك أن أعلى مصدر للوحشية هو السلطان (كما يسميه والي)، الذي يجعله يحضر في الرواية شخصياًً، حتى عندما لا يلفظ إسمه على اللسان. وخلال إحدى المناسبات الإحتفالية، تنفجر فجأة محاولة إنقلابية، مؤامرة (متفق عليها سلفاً على شكل تمثيلية طبعاً): إثر ذلك، يُعتقل ثلاثة ضباط بشكل إحتفالي ويقتلون خلال محاولتهم الهرب ، الحدث يصور أمام الكاميرات مثل تمثيلية إستعراضية، من أجل أن يتمتع الضيوف الحاضرين أولاً، ولكي يبث الذعر والرعب الذي يشل الجمهور ثانياً. الموت يتحول إلى حقيقة وليس إلى مفارقة إستعراضية، شو، كما كان متفقاً عليه.
تطور بخطى مُسْتَرَقَة
مكان أسلحة الدمار الشامل (عند والي موجودة فعلاً) هو تحت الماء، مخبأة في قصب بيوت سمكة الجصانية، وفي مصانع علف الدواجن التي تنتج غازات سامة؛ أما نظام البورديلات/المواخير، فهو موزع بتواز على طول البلاد وعرضها، وظيفته المحافظة على مزاج الضباط والعسكر ورجال الشرطة السرية والحزبيين. ومن أجل توفير الجيل الثاني، الناشئة، يجب توفير كل القدرات وبالقوة! إذ ليست هناك ممانعة، ومن يرفض يُصفى مباشرة! هذه المواخير تُسمى - كما لو أن السلطان قرأ جورج أوريل جيداً - البيوت الخدمية الضرورية .
يبدو كل ذلك مثل دعاية سياسية، وكان من الممكن أن يكون سبباً كافياً لكي لا نقرأ والي، فهناك من سيقول: الرعب اليومي لا يحتاج إلى تجميل أدبي، ذلك هو واضح للعيان. لكن ما يخترق هذه الرواية، هو شيء آخر: أنه التطور الخفي، الذي يستحوذ تدريجياً وبخطى مُسْتَرَقَة على الراوي وعلى القاريء أيضاً.
ظاهرياً يروي نجم والي - البطل في الرواية يُسمى نجم أيضاً - مجرد رحلة. عندما يعود نجم من حرب الكويت إلى بيته، للقرنة في جنوب العراق، يجد البيت فارغاً: زوجته وجيهة (الإثنان عملا مترجمين، مهنة خطرة سياسياً إلى حد كبير) إختفت. في تلك اللحظ تطرق عليه الباب جارته معالي وتقول له: أن زوجته وجيهة هربت مع زوجها أسيد لوتي. أسيد لوتي هذا يملك وظيفيتن غير عادتين: رسمياً هو صاعود نخل (يعني: مساعد في عملية تلقيح إصطناعي، بالمعنى المعاصر للكلمة)، لكنه في الحقيقة يمارس مهنة أخرى: ترويض الديكة. من أجل الرهان عليها؛ صحيح أن الرهان على الديكة كان ممنوعاً منعاً باتاً، لكنه ظل بين زبانية رجال السلطان أمراً شرعياً؛ شخوص الرواية يتحركون جميعهم إذن على أرضية خطرة. والحمقى الأغبياء، ومن أمثالهم من هؤلاء يظلون مادة مسلية للقتل على يد الديكتاتوريين ببساطة.
نجم ومعالي في الطريق - يظل أمر غير معروف، فيما إذا كانا سيعثران على شريكيهما السابقين، بل يظل أمراً غير مهم، أن نعرف، فيما إذا كانا الشريكان قد هربا فعلاً، لأن ما يهم الرواية هو هدف آخر. في طريقهما باتجاه الشمال، الذي يمر عبر المنطقة الأسطورية، تل اللحم، قريباً من مدينة الأنتيكا أور ، توضح معالي لمرافقها ولنا الأمر، ثم تحكي عن نفسها: بأنها تعرضت في حياتها كثيراً للإبتزاز على أيدي رجال الشرطة السرية ورجال الحزب، لكي تقدم لهم خدمات جنسية، قبل أن تقوم بتربيتها لاحقاً، أم القوادات في البلاد، إفطيم بي دي، لكي تهيئها لتسلم الدور لاحقاً بديلاً عنها، خليفة لها.
العراق كله يبدو مثل ماخور كبير، تجلس على هرمه الدولة، تشرف على الدخل، تحاسب. أما الخديعة والعنف فتدمغان العلاقة القائمة بين الرجال والنساء وبشكل عام : الرجال لا يتزوجون من نساء ناموا معهن مسبقاً، بينما تفعل النساء كل ما في وسعهن لكي تخيط بكارتهن من جديد. العلاقة غير المتكافئة أصلاً بين الجنسين، يتضاعف عدم التساوي فيها، عن طريق التعسف الدموي لزبانية صدام - لدرجة خطيرة. ومن يريد أن يتهيج جنسياً عند القراءة بسبب علاقات تواصل جنسية عنيفة، يدخل فيها الكتاب، فإن الكاتب سيجعله وبشكل ذكي، يقع ضحية منوارة منه متعمدة. إن هذا الماخور الكرنفالي الإستعراضي الهزلي العنيف في معظمه (حتى بما يحويه من حركة المقرنين العرب )، موجود في فنطازيا معالي فقط، بصفته صورة خيالية، درع واقي ضد ما يحدث من إعدام حقير ملتبس للأجساد والأرواح في العراق الموجود واقعياً.
وأن تكون معالي في النهاية ليست معالي، إنما أختها التوأم، فهو أمر مناسب جداً لكي نصل للإيحاء التالي: فمثل الكثير، تُفَتَت أيضاً الهويات الذاتية في هذه البلاد، التي ينتشر فيها الخراب مثل الطاعون .
وبمواجهة كل ذلك، لا يضع الكاتب أملاً أعمى، إنما يضع مكاناًَ خارجياً، سوريالياً: الشريكان المشردان، ينتهيان إلى فندق الحيارى ، الذي تجتمع فيه عصبة متنوعة، تعرف في كل الأحوال مخرجاً واحداً: رواية القصص. ولكن مهلاً أي نوع من القصص! أنها تلك القصص التي قالتها لنا الجملة التي وضعها الكاتب في مقدمة الرواية، والتي إستعارها من الفرنسي بوريس فيان: هذه القصة حقيقية، لأنني أنا الذي إخترعتها . وهذه هي تكملة نجم والي التي لم ينطق بها علناً: الإختراع هو ما تستحقه هذه الحقيقة.
*ناقد ألماني، المقال نُشر في الصحيفة السويسرية الكبيرة Tages Anzeiger Zürich في الملحق الأدبي الأسبوعي، بتاريخ 5.أكتوبر 2004، وترجمته للعربية: آنا كريستينا روزاتي - زينيا.