آخر الأخبار

يسعد صباحك... من ترانيم الذاكرة (الأخيرة)

نعم يا صديقتي، يتبع...

ذلك أنني أمهل و لا أهمل....
---

أميرة ،
في ذلك العام، أي في سنتي الجامعية الثانية، كنت قد قررت أن أكون الأول على دفعتي. لا رغبة مني بهذا الموقع -الذي أحتقره و أسخر منه كما أسخر من كافة التشريفات الرسمية- لكن كي أقدم ذلك كهدية -بسيطة- لأبي.

و لأجل ذلك بذلت جهدا جبارا.

جهدا جبارا لا على مستوى الدراسة، لا! إذ أنه كان من أبسط الأمور علي أن أكون الأول حين أرغب و حيث أرغب! لا!

أنا بذلت جهدا جبارا على صعيد حضور المحاضرات... ذلك أنه و كما يمكنك أن تتخيلي، كان أصعب الأمور على نفسي هو أن أحضر درسا لـ دكتور أنا أتفوق عليه في مجال اختصاصه و بما لا يقاس... يعني يكفيك أن تعلمي أنني في إحدى محاضرات مدرس الفيزياء استخدمت معادلاته كي أبرهن له أن قوة الجاذبية لا وجود لها على سطح القمر... و هو عجز عن اكتشاف موقع الخطأ... أما مدرس الكيمياء فقد برهنت له على استحالة وجود الماء النقي... و أما مدرس الدارات الكهربائية فقد برهنت له استحالة إنشاء دارة كهربائية تتضمن مقاومات متوازية، و هلم جرا

بصراحة يا أميرة: الكثير من أساتذتي كانوا أدنى من مستواي -علميا أعني. لكني أرغمت نفسي على حضور محاضراتهم لأنني كنت أعلم من سابقة أصابت زميلنا محمد صالح، كنت أعلم مدى الحقد الذي يمكن أن تصل إليه إدارة المعهد العالي تجاه طالب متفوق لكنه لا يتابع المحاضرات...

طبعا إن رغب محمد أن يتحدث عن ذلك فهو سيتحدث، أما أنا فسوف سأتحدث عن أنا...

نعم! لقد بدأت بمتابعة المحاضرات بانتظام لدرجة أذهلت جميع البشر و راحوا يسألونني عما حل بي و هل أنا بحال جيدة؟

كنت مصمما على الحصول على ذلك المركز الأول السخيف إياه... و رحت أتقدم للإمتحانات و أحصل على العلامات المرعبة بضخامتها (بالنسبة للمعهد العالي)... و انتهى الفصل الدراسي الأول و ذهبنا لقضاء العطلة و أنا أعلم علم اليقين أنني سأكون الأول على دفعتي... و مالي لا أكون الأول؟ أوليس فخرا للمعهد العالي أن أكون الأول؟

...

بعد انقضاء أيام قليلة من العطلة رن جرس الهاتف في منزلنا و كان المتحدث هو زميلي آصف ج. كان صوت آصف مشحونا بالغضب حين أخبرني أن نتائج الفصل الأول قد صدرت...

سألته أنه يعني كويس عال، ما الذي يزعجه؟

أخبرني آصف عندها أنني لست الأول...

لوهلة ظننت أن آصف يمازحني... لكن ليس من عادة آصف أن يمارس المزاح السيء: حين يرغب آصف أن يمازحني فمزاحه رقيق و جميل...

سألته: من يكون ذلك العبقري الذي خرق جدار الصوت و تفوق علي في ربع الساعة الأخير؟

أجابني أنه لا عبقري و لا هم يظرطون... لكن إدارة المعهد العالي قررت تغيير أسلوب حساب المعدلات فتراجع ترتيبي للمركز الثامن... و كان المركز الأول من نصيب الجحش سامر الكسم...

واش؟

واش؟ سألته إن كان يتكلم جديا... إن كانت إدارة المعهد العالي قد غيرت أسلوب حساب المعدلات بعد أن انتهت الإمتحانات؟ سألته إن كان يتكلم جديا أنني في الموقع الثامن؟ (هزلت و رب الكعبة هزلت!)...

أجابني آصف أن نعم...

وضعت سماعة الهاتف و ذهبت لمحطة الباصات و توجهت مباشرة لدمشق. أنا أرغب أن أفهم ما قصة التعريص هذه...

وصلت للمعهد العالي و توجهت للائحة الإعلانات و شاهدت ما قاله آصف...

....

أميرة،

لن أتعبك بحكاية حساب المعدلات هذه، سأذكر لك مثالا من شهادة الثانوية العامة (البكالوريا) السورية (الفرع العلمي)... ففيها تحتسب علامة الرياضيات من 60 و علامة الكيمياء من 20... مما يعني أن علامة الرياضيات أهم بمرات ثلاثة -لعن الله الثلاثة- من علامة الكيمياء...

كذلك كان الأمر في المعهد العالي حتى تاريخه: كانت علامة الرياضيات (أي معدل علامات الطالب في مجموع مناهج الرياضيات) تحتسب من 10، و علامة الفيزياء و الكيمياء تحتسب من 6، و علامة اللغة الفرنسية تحتسب من 3، و علامة اللغة الإنجليزية تحتسب من 1، فالنتيجة تحتسب من 20.

و منه يتضح أن تفوقي المرعب في مادة الرياضيات كان يضمن لي المركز الأول، لا يغير في ذلك شيئا احتقاري لمنهاجي اللغتين الفرنساوية و العنقليزية...

بالمقابل... كان هناك بعض الجحوش ممن يعجزون عن حل معادلة الدرجة الثانية لكنهم يرطنون بالفرنساوية كالبلبل... يعني كاللولب... لأنهم من خريجي معهد اللاييك (بصراحة لا أعلم ما اسمه الرسمي)...

المقصود أبناء الطبقة المخملية في دمشق، و خصوصا: الجحش إبن الكسم...

كانت القضية واضحة: إدارة المعهد العالي رفضت و بكل وضوح أن يكون النصيري الفلاح عمرو الخيّر هو الأول في دفعته، و كي يمنعوه من ذلك غيروا مستوى أهمية المواد بحيث صار من يرطن بكلمتين فرنساويتين يحصل على نتيجة عامة أفضل من ذلك الذي يفلح على ربه الذي خلقه فسوى بالرياضيات... ففاز الجحش سامر الكسم -الذي لا يفك الحرف بالرياضيات- بالمركز الأول... و تهاويت أنا للمركز الثامن!

فواسخرية عمرو، و واسخرية الساخرين!

وقتها يا أميرة أنا رغبت أن أعترض و توجهت مباشرة للبناء الإداري للمعهد العالي....

فما كان من أبناء القحبة إلا أن أضافوا الإهانة للظلم...

حين، في المعهد العالي، كنت أرغب أن أعترض على ما أراه ظلما، كنت أتوجه مباشرة لمكتب الدكتور صلاح الأحمد (و حين تعرفت على الدكتور سامي الخيمي بعد وفاة الدكتور صلاح الأحمد، كان مكتب سامي الخيمي هو مرجعي للإحتجاج).

أرغب ألا تفهمي من ذلك أنني كنت أسمح لنفسي بدخول مكتب د. صلاح الأحمد بمناسبة و بغير مناسبة... لا! بالعكس!

مكتب د. صلاح الأحمد كان عندي مقدسا كما يقدس المسلمون الحجر الأسود، لا بل أكثر من ذلك:

المسلم حين يقدس الحجر الأسود فهو يقدسه لأسباب غــيــــبــــيـــة لا يمكن برهانها علميا... أنا كنت أقدس مكتب صلاح الأحمد لأني كنت أعلم أنه منهل للعلم و للمعرفة، و كنت أقترب منه -حين كنت أقترب- بخشوع تجاه هذا العالم الكبير، و هو يستحق ذلك و أكثر...

لكن في تلك الفترة صلاح الأحمد لم يكن موجودا... لقد أصيب وقتها بجلطته الأولى التي أضعفته... و كان في المستشفى بهدف العلاج...

و للأسف فإن جسد مدرسي الكبير صلاح الأحمد قد خان روحه العظيمة... فما أن شفي من جلطته الأولى إلا و أصيب بجلطة ثانية أدت لوفاته فخسرت سوريا رياضيا عظيما... و خسرت أنا أستاذي الكبير، الدكتور صلاح الأحمد

ما أرغب بقوله يا أميرة هو أنني لم أكن أستطيع أن أشتكي لصلاح الأحمد... مع العلم أنه يجب أن تلاحظي أنني حتى و لو اشتكيت لصلاح الأحمد لما قبل صلاح الأحمد أن يتدخل في ذلك الأمر -صلاح الأحمد يتعالى عن ذلك علوا كبيرا-، لا و أصلا أنا ما كنت لأسمح لنفسي أن أدخله في ذلك الموضوع: حاشا لي أن أطالب أستاذي الكبير أن يهين نفسه لدرجة أن يناقش قضية تافهة كهذه... لا: صلاح الأحمد يتعالى علوا كبيرا عن كل ذلك...

لكن لو كان صلاح الأحمد هناك لكنت وجدت أذنا مصغية لما حل بي من ظلم، و لكان صلاح الأحمد وعدني أن مثل هذا الظلم لن يتكرر، يعني صلاح الأحمد كان يقدر أن يضمن لي حقي في المستقبل و أن يؤنب أولئك اللصوص الذين نهبوا حقوقي في الماضي...

لكن صلاح الأحمد لم يكن هناك... صلاح الأحمد كان في المستشفى....

فحين توجهت لإدارة المعهد العالي كي أعترض... قالوا لي أن بإمكاني أن أعترض في مكتب مدير المعهد العالي و مكتبه هاهنالك...

مكتبه هاهنالك ... ففهمت أن هذا الشخص كان قد احتل مكتب د. صلاح الأحمد.

يعني هناك شخص استغل، و بكل صفاقة، استغل غياب صلاح الأحمد (كونه في المستشفى بهدف العلاج) كي يحتل مكتبه...
و بكل صفاقة...

وقتها أنا أحسست بالإشمئزاز بسبب هذه الصفاقة، لكني حين دخلت لمكتب د. صلاح الأحمد و شاهدت، و من ثم عرفت، من هو الشخص الذي يحتل مكتبه، فإن اشمئزازي تحول ليصبح قرفا و غيظا!

أميرة،
قلت لك سابقا أن مكتب صلاح الأحمد كان بالنسبة لي يمثل قدس الأقداس . كان ذلك المكتب هو مصدر العلم و المعرفة الذي يعلو فلا يعلى عليه... و إذ أدخل لهذا المكتب -قدس أقداسي- و ألاحظ ذلك القرد و قد احتله؟

و من يكون ذلك القرد؟

اسمه عبد الحليم منصور...
و بالمناسبة: فهو ابن أخت عبد الحليم الآخر، يعني عبد الحليم خدام... لكن ليس هذا ما كان يزعجني...

طلاب المعهد العالي الذين حصل لهم و التقوا بهذا الشخص يعلمون أنني محق حين اقول أنه و إذا أشار محدثا فكأنه قرد يقهقه ، ذلك أن هذا الشخص كان يعاني من عاهة فيزيائية تجبره حين يتحدث أن يفتح فمه و أن يغلقه بأسلوب لا إرادي، يعني تماما كما لو أنه قرد يقهقه...

أميرة،
من حيث المبدأ أنا أرفض أن أسخر من العاهات الفيزيائية للبشر: نحن جميعا لدينا أمراض أو عاهات أو غير ذلك: هناك أناس يتصفون بالسمنة، هناك أناس يتصفون بالنحول... هناك أناس يتصفون بالقصر، هناك أناس يتصفون بالطول المبالغ به... هناك أناس مصابون بمرض الربو (أنا)، و هناك أناس مصابون بضعف النظر... و كل هذا لا يجوز أن يكون مبررا للسخرية من البشر...

لكن حين يكون أحدهم يمثل مجموعة من العاهات، من قمة رأسه لأخمص قدميه هو مجموعة من العاهات، و أهمها العاهات الأخلاقية... فعندها أنا لا أشعر بأي تأنيب ضمير حين أشير لعاهاته الفيزيائية...

نعم: المذكور كان إذا أشار محدثا فكأنه قرد يقهقه أو عجوز تلطم...

و يكفيك برهانا أنه بلغت به الصفاقة أن يستغل غياب صلاح الأحمد -و هو كان في المشفى بهدف العلاج- كي يسمح لنفسه أن يتطاول على القامة السامية لصلاح الأحمد و يحتل مكتبه...

هزلت، و أقسم برب العالمين أنها هزلت!

حين دخلت لمكتب د. صلاح الأحمد و شاهدت ذلك القرد و قد وضع مؤخرته القذرة فوق كرسي صلاح الأحمد، لا بل و بلغت به الصفاقة أنه وضع قائمتيه الأماميتين على المكتب الذي يعود لأستاذي صلاح الأحمد، بكل صراحة لم أعلم ما الذي يجب علي أن أفعله: أصرخ غاضبا أم أنفجر مقهقها؟

في النهاية قررت أن لا أفعل لا هذا و لا ذاك:

لمكتب صلاح الأحمد رب يحميه، و صلاح الأحمد سيعود قريبا و سيسحق بحذائه الأنيق هذه الحشرات، و أنا جئت هنا فقط للدفاع عن حقي... و هذا ما حاولته...

***

قلت له:
يا دكتور عبد الحليم، قراركم هذا قرار مجحف و أنتم اتخذتموه فقط بهدف حرماني من المركز الأول الذي أستحقه و بهدف أن يكون الأول هو ابن الكسم!

أجابني بحديث مطول كما يليق بالمنافقين و أنهم اتخذوا هذا القرار كي ينبهوا الطلاب لأهمية اللغة الفرنسية...

قلت له (ساخرا) : أنا أفهم وجهة نظرك، لكن ألا يليق بكم في هذه الحالة أن تغيروا اسم المعهد العالي من المعهد العالي للعلوم التطبيقية و التكنولوجيا فتسمونه المعهد العالي للغة الفرنسية ؟

مجددا راح يبيض علي وطنيات عن ضرورة تعلم اللغة الفرنسية إذا أردنا أن نرسل طلابنا لفرنسا و إلخ...

أوجزت الأمر و قلت له:
دكتور منصور: أنتم اتخذتم هذا القرار بعد انتهاء الإمتحانات، فهو قرار غش و مخادعة! فإما أن تلغوا قراركم هذا، و إما أن تحتفظوا به و نعيد إجراء كافة الإمتحانات، و صدقني لن تكون لدي أية مشكلة أن أكون مجددا الأول على دفعتي!

عندها قال لي الجملة التي لم أنسها و لن أنساها:
يا عمرو، نحن اتخذنا هذا القرار و هو سيبقى! ...

نظرت إليه مطولا ثم قلت:

يا دكتور منصور، أنتم اتخذتم قراركم و هو حقكم، و أنا اتخذت قراري. و أشكرك لاستقبالي في مكتبك. ...

***

خرجت عندها من مكتب الدكتور صلاح الأحمد -الذي تم احتلاله من قبل القردة و الخنازير- و أنا في أشد حالات الغيظ...فالتقيت بصديقي حسام ح. (و هو يتقدمني بدفعتين في المعهد العالي). حسام لاحظ علائم الغيظ على وجهي و استفهم عن سببها فشرحت له... حاول حسام أن يهون الأمر علي و اقترح أن نذهب لمشاهدة مباراة في كرة القدم -أظن أنها كانت مباراة ودية- بين فريقي جبلة و الوحدة (الدمشقي)...

في تلك المباراة سمعت للمرة الأولي الجملة الشهيرة يا ضيعان المقالي يا محمد....

المهم... خلال تلك المباراة أخبرت حسام بقراري: أن أترك المعهد أيا كان الثمن... يعني أبناء الشرموطة يريدونني أن أكون الرياضي العظيم بتاعهم؟

فشروا!

حسام قدم لي وقتها نصيحة -و النصيحة بجمل و بأكثر من جمل...

قال لي حسام (بالمناسبة، هل هناك حاجة للتذكير بأن حسام هو دمشقي -لا بل و من إحدى أعرق الأسر الشامية؟ )

قال لي حسام:
لا تستعجل باتخاذ قرارك...
أولاد الشرموطة لا يريدون أن تكون الأول، لكن هل تعتقد أنهم سيحزنون إن أنت تركت المعهد؟
بالمقابل فأنت إن تركت المعهد ستخسر سنتين من حياتك!
تابع دراستك، خذ شهادتك كمهندس، و كس أمهم جميعا! ...

هذه كانت نصيحة حسام... و هو ما اقتنعت به و عملت لأجله...

يمكنني أن أضيف الكثير من القصص الحقيقية الممتعة/المؤلمة و ذات المغزى (قحمذمات) عما حصل بعد ذلك يا أميرة... لكني لن أفعل بل إنني سأطالبك أن تتأملي في مضمون هذه القصة...

مضمون هذه القصة

مضمون هذه القصة يا أميرة هو أن حمير مركز النتن و الوخم كانوا لا يمانعون في أن يكون النصيري الفلاح عمرو الخيّر هو الرياضي العظيم الذي ينتظرونه، لكنهم كانوا يرفضون أن يعترفوا له بذلك: هو لا و لم و لن يكون الأول على دفعته...

النصيري بالنسبة لهذا الشعب النجس هو خادم في بيت أبيهم ، هو رياضي عظيم كي يستخدمونه، لكن حين يكون الحديث عن السؤال هل هذا الرياضي العظيم يستحق موقعه هذا، فإنهم يسارعون باستحضار جحش شامي لا يفك الحرف في الرياضيات و يقولون أنه هو من يستحق...

أميرة،
هذا هو الشعب الصفيق... إنه شعب يطالبني بواجباتي... لكنه لا يعطيني أية حقوق... حتى، لا بل و خصوصا، حين تكون حقوقي هي جزء أساسي من واجباتي...

أميرة،
هذا هو الشعب النتن الذي جعلني أقرف و أشمئز...

و أنت و ربعك الكريم لستم منه و لا أنا منه... نحن يا أميرة بشر لدينا قيم إنسانية لا ننافق فيها،

و منه فللبشر الذين يمتلكون قيما إنسانية أقدم وردة

لك و لربعك الكريم تحياتي و حبي