نشأ لوقيانوس في مدينة سميساط السورية الواقعة على نهر الفرات الأعلى, وكانت آنذاك عاصمة (الكوماجين- ديار بكر اليوم) ويتكلم أهلها اللغة السريانية, وهي أولى اللغات التي تكلمها لوقيانوس. أما أبواه فكانا من طبقة دنيا .... كان أبوه يحترف حرفة يدوية, أما أمه فكانت ابنة مثال, لها أخوان زاولا حرفة أبيهما. وهكذا ما إن غادر لوقيانوس المدرسة, حتى زج به عند أحدهما ليدربه على صنع التماثيل, ولكنه لم يلبث لديه طويلا لأنه ما إن كلفه تسوية نموذج من المرمر حتى أهوى عليه ضربة حادة فحطمه مما دعا خاله إلى أن يقسو في عقابه واذ لم يستسغ هذه القسوة, فر هاربا إلى أمه التي غاظها أسلوب أخيها في تعليم ابنها, وارتضت تخليه عن هذه الحرفة ليتابع الدروس التي يهواها.
والسؤال الذي في وسعنا أن نطرحه: ترى أين تابع هذه الدروس ؟ ليس ثمة جواب, وأصدق الظن أنه أرسل فورا إلى (إيونيا)* ولعله لم يبلغها إلا متأخرا, ولقد كانت إيونيا آنذاك متحفا حقيقيا على حد تعبير (فيلوسترات)* فمنذ عهد الأنطونيين* عم السلم والرخاء أرجاء الامبراطورية الرومانية وعني بالتثقيف بالأدب وبخاصة الفلسفة والتاريخ والبلاغة, فتجلت هذه النهضة في إيونيا بأجلى مظاهرها, إذ أسست فيها المدارس وجلب لها أشهر أساتذة البلاغة, أمثال (سكوبليان) القلازومي و (بوليمون)* اللاوديسي* وسواهما من فحول الأساتذة الذين أثاروا الحماسة في نفوس الشبيبة الظامئة للمجد.
ولقد بلغت سميساط شهرة هؤلاء الأساتذة, فعرف لوقيانوس سبيله إلى مدرستهم, كيما يستكمل معارفه في اللغة والبلاغة اليونانيتين.
لم نكن نعلم البتة شيئا عن حياة لوقيانوس الخاصة لولا ما أنبأنا به هو عن نفسه في بعض مؤلفاته وخاصة (الحلم) و(التهمة المزدوجة) و(الصياد) و(الدفاع) كما إننا نجهل تاريخي ولادته ووفاته, ولكننا نعلم أنه حين كتب مؤلفه (هيرموتيموس) حوالي عام 165 أو 166 للميلاد, كان في العقد الرابع من عمره, مما يحدونا إلى الافتراض أنه ولد في عهد الامبراطور الروماني (هادريان)* حوالي عام 125م.
يقول لوقيانوس في مؤلفه (الصياد): " إن مهنتي هي كره المتشدقين والمشعوذين والكذابين والمتكبرين وإني لأبغض هذه الذرية من الأرذال ".
وقد سار في البدء على مثال ديموسثينيز*Demosthenes, الذي يسهب في عرض فضائله ووطنيته في أحد حواراته (تكريم ديموسثينيزي) وكان على معرفة طيبة بمدارس الفلسفة المتنافسة, ولابد أنه قد درس تعاليمها جيدا, إلا أنه نفض يديه تماما منها جميعا, وربما كانت السخرية هدف قراره هذا.
لم يكن لوقيانوس شكوكيا فقط, بل وهازئا غير مؤمن تماما. فقد كان يحس بأن أفعال الناس وسلوكهم تنتقص من حقيقة مجاهرتهم بالإيمان, فاستنتج أن هذه المجاهرات نفسها عديمة القيمة ومجرد مظهر لدفع الريبة.
يحتل لوقيانوس في النثرالأدبي, كساخر ظريف, المكانة الفريدة التي يحتلها ارستوفان في الشعر الإغريقي. ولكن من غير الواضح جدا ما إذا كان مجرد ساخر, يضحك بينما يجلد الآخرين, أم مبغضا للبشر, يكره بينما يهزأ بهم.
إن لوقيانوس, ككاتب,بليغ,سهل وغير متكلف,ومتابع دقيق لأفضل النماذج الإغريقية, مثل أفلاطون والخطباء. وأسلوبه أسهل من أسلوب بلوتاركPiutarch, وبعض تآليفه, خاصة (حوارات الآلهة), (الآلهة البحرية) وفوق كل شيء(حوارات الموتى)تعتبر نماذج للإنشاء الإغريقي البارع, والمهذب والدقيق. ويظهر في تهكماته على الميثولوجيا الشعبية, محادثات أفلاطون, هيرميز*Hermes, كارون*Charon, والقائمين بالأمور في حاديس* hades, إنكار لأية حال مستقبلية من الوجود.
يظهر لوقيانوس تمكنا من اللغة على نحو رائع, سواء في تصريفاتها أو في مفرداتها الكثيرة المنوعة. ويمكن لنا القول, من باب الثناء, أن من يقرأ صفحات لوقيانوس يجدها سهلة وممتعة كما لو كانت رواية إنكليزية أو فرنسية.
والحق أنه يستخدم بعض الأشكال والتراكيب التي لم تكن مستخدمة في زمن أفلاطون و ديموسثينيز, وباعتباره واحدا عاش تحت الحكم الروماني, فإن لديه ميلا نحو استخدام المصطلحات اللاتينية.
إلا أن آراءه في ملائمة الأسلوب تتجلى في تأنيبه لليكسيفانيسlexiphanes بقوله:"لو إنك اختصرت أينما كان كلمة غير مألوفة, أو ابتكرت واحدة تعتقد أنها مناسبة, فإنك تجهد نفسك لتكييف معناها, وتعتبر الأمر خسارة إذا لم تنجح في إيجاد مكان لها, حتى عندما لا تكون هذه الكلمة مطلوبة حقا ".
عاش لوقيانوس في القرن الثاني الميلادي, وقد نشر باسمه ما يقارب من ثمانين كتابا, أكثرها من تأليفه والبعض منسوب له, وهناك مثل يقول: " لا يقرض إلا الأغنياء" ولو أنك عددت هذه الآثار أصدق تعداد وذكرت أن أسرة لوقيانوس كانت سورية, وإن أول لغة نطق بها وتعلمها هي اللغة السريانية التي كانت دارجة في سورية, بينما كانت اللغة الآرامية في المناطق الجنوبية, واللغتان ساميتان تعتبران من الأسرة العربية, لألفيت أن نبوغ لوقيانوس بعد ذلك باللغة اليونانية كان أمرا عجيبا, إذ تعمق بمعرفة أسرار هذه اللغة, وامتلك ناصية ألفاظها وصيغها, واستغلال طاقاتها, وبزّ ببديع تصرفه بصرفها ونحوها أهل زمانه كافة, وكانت هذه الخصلة مأثرة من مآثر الشعب السوري الذي اعتاد أبناؤه – في كل عصر – أن ينبغوا في اللغات الأجنبية نبوغهم في لغتهم, وينشروا على العالم أجمع في تلك اللغات ما توحيه إليهم روحهم الثائرة من تعاليم وطرق.
ولئن اشتهر كل من أساطين الأدب اليوناني بفن من فنون الأدب, فكان هوميروس بملحمته ألمع من صنف الملاحم, وخلد ايشيل وسوفوكل واورويبيد فن التراجيديا, ووضع سقراط وأفلاطون وأرسطو قواعد الفلسفة الحديثة, وسنّ ديموستين مبادئ البلاغة, وأوجد هيرودوت أسس التاريخ وابتدع بندار الشعر الغنائي والحماسي, فقد كان لوقيانوس يمثل شعبه السوري بمواهبه الجامعة, وحبه لشتى فنون الأدب, كما كان يأبى أن يحصر خياله بنوع واحد من أنواع التصنيف, أو يأسر فكره في ضرب واحد من ضروب الإنشاء.
لقد كتب في الفلسفة فأبدع, ولجأ إلى الحوار فجدد, وتولى البحث في نهج التاريخ فحاز قصب السبق, وأثبت مهارة نادرة في تكييف وجوه البلاغة, واستعمال التهكم ورواية الأحداث, وابتكار القصص, والتعمق في النظريات والعلوم, ثم السخرية منها, وأخيرا تحطيمها.
ويمثل لوقيانوس عبقرية شعب سورية بمرونة فكره, وحدّة ذهنه, وسرعة خاطره, وقوّة حافظته وخصب إبداعه. فكان أول من تخيل الرحلات بين الأفلاك, وفتح القمر, واتصال سكان الأرض بسكان الكواكب المجاورة, وقد أخذ عنه كثيرون من كتاب الغرب, منهم"سويفت" الإيرلندي و "توماس مور" البريطاني و"سيرانودي برجراك" الشاعر و "رابليه" مؤلف (غارغنتوا) وكان في تهكمه اللاذع, ونظرته الساخرة للحياة, وأسلوبه الذي يجمع بين السهولة والعمق في الكتابة معلّما ل "إيرازمس" و"فولتير" و"رينان", و"أناتول فرانس" و"برناردشو". وقد تناولت سخرية لوقيانوس البشر كافة, وساذج غرورهم, وحقير طموحهم, وسخيف جشعهم, و سجودهم للأصنام نشدانا للمال الزائل والعز الباطل. كما تناولت شتى المذاهب الفلسفية القديمة, إذ عمد إلى إظهار ما في كل منها من تناقض, وتعقيد, ومخالفة لواقع الحياة.
ومهما أمعن في الهزل أو أغرق في الجد فإن أسلوبه يظلّ مرصّعا بالفكاهة, مزيّنا بالألفاظ الساخرة اللاذعة إذ تفيض عليه بديهة تباغت القارئ من حيث لا يدري..... كما زوّدته ثقافته الشاملة بجملة من الكناية اللاذعة, والاستشهادات السارّة, والمقارنات المقتبسة من الميثولوجيا ومن الحياة المألوفة, صهرت كلها في أسلوب شفاف يعجّ بالألوان الزاهية, ويشعّ بالقريحة الوقادة والذكاء الحاد ولئن وجد بين الكتاب من ينافسه, فلن يوجد بينهم من هو أبدع منه نكتة, ولا ألطف ملحة ولا ألذ أسلوبا!..
وأخيرا فإن لوقيانوس يمثل شعبه في حبه للاستقلال, وهو القائل : إن الحرية "كانت أعزّ صديق له" وكان يستقبح بأشدّ الألفاظ قسوة من كانوا يسخّرون أقلامهم للدفاع عن الظالمين من أصحاب النفوذ في سبيل اقتناص المنافع المادية, وقد شبّه هؤلاء الكتاب بمن يحمل في عنقه أغلالا من ذهب, ومن كانوا يعيشون في ظل الأغنياء والمتسلطين, يتغنون بمحاسنهم, ويشيدون بمناقبهم. كما وصف سوء مصير المنافقين الذين هم من هذا الضرب, برسالة هامّة من رسائله صوّر فيها أدق تصوير لحياتهم "هؤلاء المهرجون والدجالون والجهّال الذين خلقوا ليزحفوا على بطونهم, وولدوا للذل, وعاشوا للهوان, وفطموا على المسكنة, وإنهم إذا استطاعوا أن يتخلصوا من هذا العمل المشين, فلن يجدوا لأنفسهم أي عمل آخر, لأنهم لن يصلحوا لسواه, وبذلك يصبحون عاطلين مدى العمر" وقال كذلك: "إنه لا يجوز اعتبار معاملة أسيادهم لهم إهانة, لأنهم صنعوا لها واستخدموا لنيلها!".
إننا إذ نقدم نماذج مختارة من محاورات "لوقيانوس" و "فصوله" إنما نؤدي واجبا علينا محتوما, فرضه الوفاء لهذا المواطن السوري العبقري الثائر الذي احتفى به الغربيون أيّما احتفاء فاغتنوا بعبقريته, وأهملناه نحن فضاعت من يدنا ثروة أدبية وفكرية نادرة, ويكفي أن الفيلسوف الألماني "هردر" أوصى به الشاعر "غوته" صاحب الأثر الخالد "فوست" كما تأثر بها "شكسبير" في مسرحيته "تيمون" وأفاد منها "فولتير" و "أناتول فرانس" في نهجهما الساخر, وأسلوبهما اللاذع, إذ اقتفيا إثر لوقيانوس وقلدا أسلوبه ونسجا على منواله حتى سمّي "فولتير" بلوقيانوس الساخر!.
*إيونيا: بلاد في آسيا الصغرى القديمة تقع على شاطئ البحر بين ازمير ومندليا, كان يقطنها مغتربون يونانيون.
*فيلوسترات: كاتب يوناني عاش في القرنين الثاني والثالث ولد في بلدة ليموس عام 175 وتوفي حوالي 249م.
*الأنطونيين: اسم أطلق على سبعة أباطرة رومانيين هم: نيرفا- تراجان- هادريان- انطونيو- ماركوس- اورليوس- كومودوس تولوا الحكم من عام 96 إلى عام 192م.
*انطونيوس بوليمون: سفسطائي سوري ولد في اللاذقية في القرن الثاني للميلاد أسهم مع سكوبليان في تدريس اللغة في إزمير.
*اللاوديسي: نسبة إلى لاوديسة "اللاذقية اليوم" مدينة على الساحل السوري.
*هادريان: امبراطور روماني ولد عام 76م وحكم من عام 117 إلى عام 138وهو ابن تراجان المتبنى وخليفته في الحكم, وقد ازدهرت في عهده الآداب والفنون والصناعة.
*ديموسثينيز: خطيب ورجل دولة اثيني385 ؟ - 332 ؟ قبل الميلاد.
*هيرميزHermes: إله إغريقي كان نذيرا ورسولا للآلهة الآخرين, ودليلا إلى الجحيم.
*كارونCharon: ابن إيربيس الذي ينقل أرواح الموتى, في الأسطورة الإغريقية, على نهر ستيكس.
*حاديسHades: مثوى الأموات في الميثولوجيا الإغريقية, وتعني الجحيم أيضا.