الصفحة الرئيسية
مذكرات أكرم الحوراني
167
1965 : شبكة التجسس الأميركية - قضية الجاسوس الاسرائيل كوهين - لقطات من محاكمة كوهين - تساؤلات كثيرة تطرحها النشرة الداخلية السرية للاشتراكيين العرب - قصيدة الشاعر سليمان العيسى في الجاسوس كوهين.
إن أهم ما شغل الرأي العام السوري أوائل عام 1965 قضية شبكة التجسس الأميركية وقضية الجاسوس كوهين، وكانت المحكمة العسكرية قد أصدرت قبل ذلك بعام (30/3/1964) حكماً بالاعدام على أحد عشر متهماً بالتجسس لحساب اسرائيل وعلى اربعة آخرين بمدد تتراوح بين المؤبد والسنتين.
لقد أصدرت المحكمة نفسها بتاريخ 20/2/1965 حكماً بالاعدام على الجاسوسين فرحان الأتاسي ومعين الحاكمي الضابط في الجيش السوري، كما نص الحكم على مصادرة الأموال النقدية المدفوعة إلى كل منهما مع مصادرة سيارة البيجو التي اشتراها الحاكمي من أموال التجسس، وكان الحاكمي قد اعترف بأن فرحان الأتاسي اتصل به في شهر آب 1963، وبدأ العمل بجمع المعلومات عن الأسلحة الروسية التي وصلت الى الجيش السوري، كما أفاد بأن فرحان الأتاسي قد أوفد الى الولايات المتحدة لتدريبه على التجسس حيث تعرف على المدعو هاري كنت(1) ، وهو من رجال المخابرات الأميركية وشاهد بعض الأفلام التي تستخدم للتجسس، وكان على اتصال بالسكرتير الثاني في السفارة الاميركية في دمشق والتر سنودن الذي طلبت الحكومة السورية إخراجه من سورية بعد اكتشاف هذه القضية(2). بينما نفذ حكم الاعدام بالجاسوسين.
لقد علقت احدى النشرات الداخلية للاشتراكيين العرب الصادرة في تلك الفترة على اكتشاف شبكة التجسس الأميركية ومحاكمة الأتاسي والحاكمي، تحت عنوان أخبار وتعليقات بما يلي:
اعترف الجاسوس فرحان الاتاسي انه كان يتقاضى راتباً شهرياً قدره /600/ ل. س من نادر الاتاسي عدا عن اجرة السكن وان نادر الاتاسي كان ينظم عقوداً تجارية صورية باسم فرحان الاتاسي، وان هذا الأخير كان يعمل مع قريبه المحامي موفق اتاسي على حل قضايا الشركات الاجنبية المدرجة في القائمة السوداء - لدى مكتب مقاطعة اسرائيل. والذي لفت انتباه الناس ان الوقائع لم تشر الى استدعاء (المليونير) نادر الاتاسي او موفق الاتاسي فلماذا؟ ومما تجدر الاشارة اليه ان ميشيل عفلق كان قد عقد المؤتمر الخامس للقيادة القومية في دار فرحان الاتاسي بالذات بينما (تبرع) المليونير نادر الاتاسي بمنزله لنوم القادة المؤتمرين واطعامهم، وفي هذا المؤتمر تمت مؤامرة تمزيق الحزب وطرد قادة الاشتراكيين الأحرار وعلى رأسهم اكرم الحوراني. ان المحاكمة قفزت فوق هذه الفضائح والشعب يطالب الشرفاء في الحكم كشف ما طمس بفتح تحقيق جديد.
أما القضية الثانية التي هزت المجتمع السوري والتي أثارت, ولا تزال، كثيراً من الأسئلة التي لم تجد لها جواباً حتى الآن فكانت قضية الجاسوس كوهين الذي جرت محاكمته علنياً من قبل المحكمة العسكرية التي كانت برئاسة المقدم صلاح الضلي وعضوية النقيبين في الجيش محمود الحمرا وخالد أرسلان والرائدين سليم حاطوم ومحمد رباح الطويل، وكان القبض على كوهين قد تم في منزله الواقع في آخر حي أبو رمانة والمواجه لقصر الضيافة حيث كان يقيم رئيس مجلس الرئاسة أمين الحافظ، وقد روى لي الدكتور مدحت البيطار انه سمع من منصور الأطرش قوله: "لقد لفت نظرنا ان بعض المداولات السرية لقيادات البعث كانت تُذاع من اسرائيل".
ولا شك ان هذا ما نبه العناصر الوطنية في جهاز المخابرات السورية الى التحري عن موجات الإرسال، مما أدى الى اكتشاف الموجات التي كان كوهين يبثها من منزله، والتي كان يأمل ألا تكتشف بسبب وجود المنزل في منطقة للسفارات حيث تكثر موجات الإرسال.
لقد تبين من إجابات الجاسوس كوهين أمام تلك المحكمة أنه مصري الجنسية ومن مواليد الاسكندرية، وقد اختارته الموساد بعد هجرته لاسرائيل اثر حرب 1956 للقيام بمهمته التجسسية في سورية بعد أن اخضعته لدورات تدريبية عديدة، وبعد انتهاء تدريبه سافر الى الأرجنتين بجواز سفر صادر عن الجمهورية العربية المتحدة باسم كامل أمين ثابت، وهنالك اتخذ صفة مهاجر غني وصاحب أعمال متحمس لخدمة القضية العربية، وتعرف على كثير من المهاجرين العرب.
وفي الرسالة التي أرسلها من الأرجنتين عبد اللطيف الخشن صاحب جريدة العالم العربي الى المحكمة ليبرىء ابنه كمال الخشن الذي أحيل الى المحكمة في قضية كوهين يقول الخشن انه تعرف على كوهين عندما زاره في أيار 1961 (قبل الإنفصال بأربعة أشهر تقريباً) للإشتراك بجريدته، ثم أصبح يلحظه في بعض الحفلات الاجتماعية ولا سيما في نادي الشباب العربي، كما كان يرتاد النوادي العربية الأخرى ويحضر حفلات بعض السفارات العربية آمناً مطمئناً ويجتمع بالكثيرين، ثم ينهي الخشن رسالته بهذه الجملة:
وبعد الانفصال وصل إلينا سعادة القابض على زمام الحكم في سورية اليوم الفريق محمد أمين الحافظ رئيس مجلس الوزراء ليتولى منصب الملحق العسكري، وقد أرسلت لسيادته الآن رسالة مسهبة تتعلق بموضوع هذا الجاسوس، وأرجو ألا يضن علي بالجواب مهما بعدت المسافات والقياسات واختلفت الرتب والمناصب والألقاب فأنا صحفي عربي، لم أعهد نفسي انني كتبت لملك عربي، أو لرئيس جمهورية، أو لحاكم في قضية تتعلق ببلادي رسالة إلا تسلمت جواباً عليها. (الحياة 3/3/1965).
كما كشفت محاكمة كوهين اتصاله بالمدعو ماجد شيخ الأرض - بتوصية من الموساد - ليتولى اصطحابه الى دمشق والعمل على عدم تفتيشه عند الحدود السورية اللبنانية، كما تولى شيخ الأرض تعريف كوهين، بصفته من اغنياء الجالية العربية في الأرجنتين، بالأسر الدمشقية وبالشخصيات السورية السياسية والوطنية فأقام عدداً من المآدب لهذا الغرض كانت إحداها في غوطة دمشق حيث حضرها حيدر مردم وفخري البارودي وجلال السيد وأخوه سعيد وبدر الداغستاني ولاجئون بعثيون عراقيون في سورية.
كما كشفت المحاكمة عن أسماء من كانوا يمدون كوهين بالمعلومات من موظفي الإذاعة والدوائر الحكومية، وعن أسماء كثير من الرجال والنساء والفتيات الذين أقام معهم مختلف العلاقات، وتبين أيضاً انه قام بزيارة الجبهة السورية ثلاث مرات بحجة زيارة حمامات مدينة الحمة، وأنه قد اطلع خلال احدى هذه الزيارات على حركات الدبابات السورية أثناء تمارينها.
وتحت عنوان "قضية كوهين قضية الساعة" تعرضت النشرة الداخلية للاشتراكيين العرب لبعض الملاحظات حول محاكمة كوهين بمقال ورد فيه ما يلي:
إن أهم ما يشغل ذهن المواطن العربي في سورية خلال هذه الآونة هو قضية كوهين الجاسوس الخطير الذي عاش بيننا اكثر من ثلاث سنوات استطاع اثناءها أن يكشف لاسرائيل العدوة كل صغيرة وكبيرة ظهرت على مسرح الحياة السياسية والاجتماعية في هذا القطر.
لقد القي القبض على الجاسوس الياهو كوهين ورافق القبض عليه سيل من الشائعات والقصص التي تجعل الانسان العربي يترنح من هول هذه الصدمة النفسية الرهيبة والتي تقذف به في دوامة من الحيرة والذهول والدهشة متسائلاً أإلى هذا الحد يبلغ نشاط الجاسوسية الاسرائيلية في بلادنا؟
كيف استطاع هذا الجاسوس أن يتغلغل في مجتمعنا ويشق طريقه ممهداً الى أجهزة الدولة؟ وقبل أن يعلن عن المحاكمة انطلقت صحيفة الأحرار في لبنان الناطقة باسم القيادة القومية تناشد الصحافة العربية واللبنانية بالذات أن تمتنع عن ذكر كل ما له مساس بأسرار الجيش من ذكر قطعات أو أسلحة أو أسماء ضباط انسجاماً مع ميثاق "الشرف العربي" الذي أقر في مؤتمر الصحفيين العرب في الكويت.
وفي اليوم التالي طلعت الصحيفة المذكورة على الملأ بمقال جديد تحاول فيه تبرئة القيادة القومية والسلطات الحاكمة في سورية من أي ارتباط أو علاقة بعصابة كوهين.
ان مجرد نشر هذين المقالين في صحيفة الأحرار أبرز في الجو علامات استفهام جديدة، وجعل الناس يظنون ظناً يكاد يصل الى حد اليقين عن وجود علاقة بين عصابة كوهين وبين بعض العناصر.
ثم أخذ الناس ينتظرون المحكمة بفارغ الصبر وكلهم أمل باستجلاء الحقيقة ومعرفة القضية بحذافيرها وعندما أعلن عن المحاكمة تحلق الناس حول أجهزة الراديو والتلفزيون، ولكن ما إن ظهرت الجلسات وسمع ما دار فيها من أحاديث حتى أصيب المواطنون بخيبة أمل مريرة نتيجة هذا التخريج وهذا الثوب الذي غطيت به الحقائق.
ان أي مواطن مهما كان فطري التفكير ومحدود الفهم السياسي أدرك ان هذه العملية التي دعيت محاكمة علنية ليست إلا مسرحية رخيصة يراد بها طمس كل ما يمت الى الحقيقة بصلة، ومن الطرف التي تناقلتها ألسنة المواطنين التي ظهرت خلال الجلسات، بعد عملية الرتوش طبعاً، ما يلي:
1- ان كوهين قد تعرف قبل حركة الثامن من آذار على نيف وأربعين مواطناً بين رجل وامرأة ووثق علاقاته معهم في غضون سنة وثلاثة أشهر، ولكنه لم يستطع بعد الثامن من آذار وخلال سنتين تقريباً التعرف ولو على شخص واحد فقط، فهل هذا من المنطق في شيء؟
2- كانت الأسئلة توجه من قبل رئيس المحكمة وأكثرها ضحل تافه، وكوهين يعطي لكل سؤال جواباً مبتسراً تكتفي به الرئاسة دون أن تلجأ الى المناقشة، وأحياناً يناقش رئيس المحكمة أموراً ليست في صلب الموضوع والمثال على ذلك حين سأل كوهين:
ما هو رأيك باسرائيل؟
وعندما بدأ كوهين بإبداء رأيه لم تتوفر عند الرئاسة نعمة الصبر، بل انطلق متبرعاً بإلقاء محاضرة توجيهية وطنية حول اسرائيل! ومثال آخر:
ذكر الجاسوس انه قد غادر دمشق الى بيروت بصحبة بعض أعضاء شبكته -أو رفاقه- وأخذ يثرثر عن هذه السفرة وعن الفتاة الالمانية والذهاب الى البلاج والتفتيش عن بائعات الهوى في الفنادق وكأنه لم يغادر دمشق ويتكبد المخاطر والمصاريف إلا من أجل تلك الأغراض، ولكن الرئاسة من جانبها لم تقم بتوجيه أي سؤال عن اتصالاته في تلك الرحلة، فهل هذا من المنطق في شيء؟
3- اعترف الجاسوس وذكرت السلطات بأن البث (أي الاتصال باسرائيل) من قبل كوهين كان مستمراً طيلة إقامته في سورية ولكن المعلومات التي حصل عليها هي:
أ- الخلاف بين عبد الكريم زهر الدين القائد السابق للجيش وبين الدكتور ناظم القدسي رئيس الجمهورية السابق.
ب- تكليف صلاح البيطار بتشكيل الوزارة.
إذن هذه هي المعلومات التي استطاع كوهين أن يحصل عليها في اكثر من ثلاث سنوات وهي معلومات يعرفها أي مواطن في سورية، وليست من الخطورة في شيء، فلماذا دربت اسرائيل كوهين، ولماذا رصدت الأموال؟ واذا كان يتمتع بهذه القدرة على إقامة الصلات والتأثير على الأشخاص فهل من المنطق في شيء أن تكون حصيلته خلال ثلاث سنوات هذه المعلومات التافهة؟
4- ذكرت صحيفة الأحرار من ضمن بيان رسمي صادر عن أحد المسؤولين ان الياهو كوهين لم يقم البتة بزيارة الجبهة، ولكن الجاسوس قال بنفسه خلال المحاكمة بأنه زار منطقة الحمة مع بعض أعضاء شلته، وإننا نتساءل: أليست الحمة ضمن مناطق الجبهة؟ وهل هذا من المنطق في شيء؟
5- من خلال أقوال كوهين ان الضابط معزّى زهر الدين كان صديقاً حميماً له، وانه زاره في مقر عمله في ادلب، كما كان معزى ينزل ضيفاً على كوهين في دمشق ومن شدة ثقة كوهين به انه كان يعطيه مفتاح منزله ويتركه فيه وحيداً، والغريب ان معزى لم يستطع خلال وجوده في منزل كوهين وحيداً أن يكتشف شيئاً مريباً يدل على جاسوسية كوهين فلم يجلب انتباهه (الهوائي) ولم ير ولو عن طريق الصدفة شيئاً من الأجهزة التي يخبئها تحت السرير رغم نومه عليه مراراً، فهل هذا من المنطق في شيء؟
6- ان كوهين دار ولف أمام المحكمة مرات كثيرة وكرر ذكر الفتيات والنساء اللواتي غرر بهن أو تعرف عليهن، وكأنه أراد من ذلك رسم صورة لمجتمع منحل اخلاقياً تستسلم نساؤه لقاء أي اغراء، دون أن يلفت ذلك نظر المحكمة أو دون أن تدرك ان الهدف من ذلك هو تضييع الوقت والالهاء عن المهمة الأصلية التي جاء من أجلها كوهين الى سورية، ورغم ذلك فقد قبلت المحكمة الحديث علىعلاته، وليس ذلك من المنطق في شيء.
وأخيرا هذه بعض الملاحظات التي لوحظت اثناء المحاكمة سردناها دون ان نتعرض للشائعات التي تتسم بالخطورة الشديدة وربما كان بعضها يتمتع بقسط وافر من الصحة.
اننا نناقش هذه القضية نقاشاً موضوعياً وعلى أساس من الواقع ونحن مدركون بأن كوهين وعصابته هم جزء من شبكة رهيبة تعيث فساداً في هذا الوطن وتخدم اسرائيل بكل امكاناتها وعلى مختلف المستويات، وقد تستر عليها كوهين عن عمد، لتبقى على نشاطها بعد سقوط حلقته، وكذلك فإن كوهين حاول تبرئة الكثيرين من معارفه وأعضاء حلقته حتى يستطيعوا ممارسة نشاطهم من جديد. والآن نتساءل كيف كان رد الفعل الشعبي على هذه المسرحية الهزلية التي دعيت محاكمة؟ ان طلاب الجامعة أذهلهم ذلك فوقعوا عرائض احتجاج، وطالبوا بأن يكون الموضوع جدياً وأن تكون المحاكمة على مستوى الجريمة.
اننا نضم صوتنا الى أصوات طلاب الجامعة ونطالب بإجراء محاكمة نزيهة تكشف تآمر الاستعمار واسرائيل على بلادنا.
ان الشعب يرقب بعين يقظة ما يدور على المسرح من أمور ظاهرة، وما يدور خلف الكواليس من أمور مستترة، والشعب لن يسكت على التلاعب بمصيره أبداً، مهما تفنن الحاكمون في إبعاده عن حلبة الأحداث." (انتهى مقال النشرة الداخلية للاشتراكيين العرب).
لقد كانت محاكمة كوهين مهزلة من المهازل، وإهانة لذكاء الشعب في سورية، وفصلاً من فصول الكذب والتزوير الذي ما زال يعم عالمنا العربي حتى الآن، فلقد تجنب كوهين -ولا شك أن ذلك بتوصية من المحكمة العسكرية- ذكر أسماء من تعرف عليهم من المدنيين والعسكريين البعثيين، بينما ذكر اسماء بعض من كانوا يمدونه بالمعلومات من موظفي الإذاعة ودوائر الدولة، وذلك لأن الناس في سورية وكذلك وسائل الاعلام العربية كانت تتهم بعض أعضاء المحكمة العسكرية بعلاقاتهم المشبوهة معه، وكان أكيداً ومعروفاً في بعض الأوساط، ان إحدى فتيات كوهين، وهي مضيفة طائرة ورد اسمها في المحاكمة، كانت عشيقة لصلاح الضلي رئيس المحكمة الذي حاول بغباء نفي التهمة عن سليم حاطوم بالوقت الذي كان فيه متهماً هو بالذات، قال الضلي لكوهين:
هل تعرفت على سليم حاطوم في السابق؟ أجاب كوهين:
ما بعرفو... ما شفتو... فقال له الضلي:
طلّع عليه، بلكي بتلاقيه هون! فقال كوهين:
بكون رائد على كل حال ... ليكون هذا، وأشار الى حاطوم. قال الضلي:
شو أعطاك معلومات؟ إذاعة بغداد بتقول انك تعرف سليم حاطوم وانك صديقه وصديق شخصيات كبيرة في البلد. قال كوهين:
هي أول مرة بشوفو واسألوه إن كان رآني من قبل!
وعندما كال رئيس المحكمة الشتائم للإذاعات وأصحاب الصحف العربية واتهمهم بأنهم عملاء مأجورون، سأل كوهين عن رأيه فوافقه بأنهم عملاء مأجورون بالمصاري.
وكان أخطر ما جاء في أقوال كوهين لرئيس المحكمة عندما نهره قائلاً: اسكت جاسوس... فأجابه كوهين: أنا مبعوث مو جاسوس.
فوافقه رئيس المحكمة على ذلك قائلاً: انت مكلف وغيرك مأجور، أنت تقوم بواجبك بس هؤلاء .. فقاطعه كوهين قائلاً:
مأجورون بالمصاري.
في تلك الفترة أجرى الصحافي السوري زهير المارديني، وكان يعمل آنذاك مراسلاً في مجلة الاسبوع العربي التي تصدر في لبنان، مقابلة مع أحمد سويداني رئيس المخابرات في سورية، ولا بد ان تلك المقابلة كان موعزاً بها من سويداني الذي وضع تحت تصرف المارديني ملف التحقيق مع كوهين، وقد وردت في ذلك العدد، نقلاً عن ملف التحقيق، تفصيلات ومعلومات عن قضية كوهين اكثر مما ورد في المحاكمة، ومن المؤسف انني فقدت ذلك العدد، وكانت النشرة الداخلية للاشتراكيين العرب قد لخصته كالآتي:
صرح المقدم أحمد سويداني لمجلة الاسبوع العربي بأن المعلومات التي كان يرسلها كوهين الى اسرائيل هي:
1- معلومات عن القوات المسلحة السورية بالتفاصيل.
2- معلومات عن رجالات القطر السوري، وعن كل ما له علاقة بهم وبتصرفاتهم.
3- معلومات اقتصادية وزراعية وتجارية.
4- معلومات عن التحويل الاشتراكي.
5- معلومات عربية عامة.
وقد علقت النشرة على ذلك:
إن الجاسوس لم يعترف أمام المحكمة إلا بمعلومات تافهة أرسلها لدولته، وقبلت منه المحكمة أقواله على علاتها، فهل هذا يعني ان المحكمة لم تنظر الى تحقيقات المخابرات السورية بصورة جدية؟
كما اثبتت النشرة الداخلية للاشتراكيين العرب أوائل عام 1965 بعض أقوال الصحف بما يتعلق بقضية كوهين:
- "ان كوهين قد دخل سورية كمغترب مليونير باسم كامل أمين ثابت وأصبح صديقا مقرباً لقيادة البعثيين عن طريق تغطية النفقات المالية للحزب" (المحرر اللبنانية).
- "نفت السلطات السورية أن يصبح يهودي بعثياً قيادياً كبيراً، ولكنها أقرت بأن كوهين كان يرسل أسرار سورية، لسنوات، الى اسرائيل، ووفقاً لإحدى الاشاعات كان كوهين على صلات وثيقة مع ثلاثة من اعضاء المحكمة" (مجلة تايم).
- "كان لكوهين اكثر من بيت يستقبل في بعضها من وثق عرى الصداقة معهم، أو فتياته المقربات، وأفرد بيتا خاصا لشؤون التجسس وكانت كل أدوات المطبخ فيه عبارة عن أوعية تضم اللاسلكي الذي يخابر به، وكان يقصر مدة مخابرته الى ثلاث دقائق على ابعد حد حتى لا تستطيع الدولة التقاط موجاتها" (مجلة الموقف العربي 4/3/65) وهي المجلة التي كانت السلطة تصدرها في سورية عن مؤسسة الوحدة للطباعة والنشر والتوزيع، وقد نشرت في ذلك العدد أيضاً صوراً لما كان يستعمله كوهين من أدوات التجسس.
- قال ضابط سوري شاب:
كنا نرى الهدايا الثمينة تخرج من البيت الأنيق متجهة الى دور بعض النساء والرجال فنتبعها، إذ كان كوهين يرصد المناسبات، فلكل مناسبة هدية" (الاسبوع العربي). هذا ما جاء في النشرة الداخلية للاشتراكيين العرب، وقد تجنبت النشرة ما ورد في مقال الاسبوع العربي مما يتعلق بأمين الحافظ وصلاح البيطار واكتفت بتوجيه هذا السؤال الى البيطار:
هل رافق كوهين سيادة الاستاذ صلاح البيطار الى الأردن كما رددت الصحف اللبنانية؟
لقد كان الغرض من التركيز بصورة خاصة في مجلة الاسبوع العربي على علاقة أمين الحافظ والبيطار بهذه القضية إثارة الشكوك حولهما فقط، وفي الوقت نفسه كان تغطية على علاقات أخرى، ففي تلك الفترة كان الخلاف قد اشتد بين صلاح جديد والقيادة القومية من جهة وبينه وبين أمين الحافظ وصلاح البيطار من جهة ثانية، ولا شك ان حديث سويداني لمجلة الاسبوع العربي كان بإيعاز من صلاح جديد، ولكن ذلك لا ينقص من أهميته باعتباره مأخوذاً عن وثائق رسمية هي اضبارة التحقيق.
بعد مقال مجلة الاسبوع العربي وغيرها من الصحف ثارت التساؤلات في سورية وانتظر الشعب أن يقدم له المسؤولون بعض الايضاحات، ولكن تساؤلاته قوبلت بالصمت المطلق، وكان أهم التساؤلات حول ما روي من أن كوهين قد زار الجبهة ضمن وفد رسمي، وانه كان مرافقاً لرئيس الوزارة صلاح البيطار في زيارته للأردن، وان البيطار أرسله الى امريكا الجنوبية مع الوزير وليد طالب للاتصال بالمهاجرين العرب بهدف الدعاية للبعث ولقضية فلسطين.
لا شك أن أمين الحافظ وصلاح البيطار كانا مخدوعين بكوهين، إن كان صادقاً ما دار حول معرفتهما به من إشاعات شأنهما شأن الكثيرين الذين تعرف عليهم كوهين في سورية، ولكن هذا لا ينفي عن قيادة البعث، مدنيين وعسكريين مسؤولية عدم الحيطة الحذر من شخص غريب فتحت أمامه جميع الأبواب المغلقة حتى أصبح بمستوى القيادات الموجهة في الحزب والجيش، بينما كانت القيادات الوطنية مضطهدة وتحت الرقابة وفي الاقامة الاجبارية ثم رهن الاعتقال والنفي فيما بعد.
ولقد جرى في الغرب، خلال الثمانينات، نظير هذه القضية عندما استطاع أحد جواسيس ألمانيا الشرقية أن يصبح مديراً لمكتب المستشار الألماني ويلي براندت. ولكن المستشار الألماني تحمل مسؤولية هذا الموضوع مما أدى الى استقالته.
لقد كنت أتابع باهتمام زائد، وأنا بالاقامة الاجبارية، ما كانت تذيعه وسائل الاعلام السورية من وقائع محاكمة كوهين التي ابتدأت بتاريخ 23/2/1965 وانتهت بإعدامه بتاريخ 18/5/1965، وكنت قبل اكتشاف كوهين والقاء القبض عليه أشعر بشبهة ما يذاع من أخبار وتعليقات في الإذاعة السورية، وكان لكوهين كما ثبت في التحقيق، علاقة ببعض موظفيها، وأذكر انني سمعت مساء يوم 14/5/1964، أي في ذكرى تقسيم فلسطين، حديثاً طويلاً جداً في الإذاعة السورية عن الأحواز وعن إعدام حسين فاطمي، وقد أدهشني آنذاك اختيار ذلك التاريخ لمثل هذا الحديث.
كما كنت ألاحظ أحياناً ان إذاعة اسرائيل كانت تستبق إذاعة دمشق في نشر بعض الأخبار عن سورية، وأذكر ان الإذاعة الاسرائيلية قد ذكرت نبأ مداهمة منزلي بقيادة ابراهيم العلي صبيحة ليلة المداهمة وهو الأمر الذي لم تشر إليه الصحف السورية، بل اشارت إليه الصحف اللبنانية فيما بعد.
لهذا كنت اعتقد ان حكم الثامن من آذار هو حكم مخترق من الموساد الاسرائيلي، وكنت أقول ذلك، لكل من كان يزورني سراً عندما كنت متوارياً أو في الاقامة الاجبارية، فكان بعضهم يظن ان قولي من قبيل الوساوس والأوهام نتيجة لما أعانيه من تنكيل واضطهاد من قبل ثوار الثامن من آذار.
بعد عشر سنوات تقريباً من اعدام كوهين، وكنت قد أصبحت لاجئاً في بغداد، دعاني رئيس المكتب السوري آنذاك السيد نزار حمدون الى وليمة غداء في نادي المنصور وكان مدعوا إليها الفريق أمين الحافظ واللواء زياد الحريري والأمين المساعد للقيادة القومية شبيل العيسمي والسيد مصطفى حمدون وعدد آخر من اللاجئين السوريين الى العراق، وعندما قادنا الحديث الى قضية كوهين روى لنا الضابط محمد وداد بشير، وهو أحد الضباط الذين اشتركوا بالقاء القبض على كوهين، ان عدداً من الضباط قدأشهروا مسدساتهم لينتزعوا كوهين من بين أيديهم بعد إلقاء القبض عليه.
ومن الجدير بالإشارة إليه ان هذا الضابط قد اختطف فيما بعد في لبنان، من قبل المخابرات السورية ولا يزال هذا الضابط رهن الاعتقال حتى الآن (كتب هذا القسم من المذكرات عام 1990).
ان كل ما عرف من المعلومات عن قضية كوهين يدل على أن نشاطه في سورية لم يكن يستهدف التوسع بتنظيم الخلايا التجسسية لحساب اسرائيل، بل كان هدفه الأول إقامة علاقات واسعة وصداقات وثيقة مع أعضاء وقيادات البعث، ولا سيما العسكرية منها، سواء عن طريق إقامة الحفلات والسهرات الليلية الحمراء أو عن طريق تقديم الهدايا للمسؤولين الحاكمين، وتقديم المعونات المالية لحزب البعث، والتظاهر بالتعفف والترفع عن نوال المكاسب الشخصية والزهد بتولي المناصب التي اعتذر عن توليها (بتعليمات من رؤسائه في تل أبيب) لأنها تضعه في دائرة الضوء مما يمكن أن يؤدي الى فضحه وانكشاف أمره.
لقد كان هدفه الأول الاطلاع على خفايا السياسة السورية من مصادر الحزب والحكم، والقيام بدراسات دقيقة عن تطور الأوضاع العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في سورية، والسعي لتوجيه حزب البعث بما يلائم سياسة اسرائيل في سورية والمنطقة العربية ولذلك لم تقتصر جولاته على الجبهة بل انه تجول في انحاء سورية والقى في إحدى جولاته محاضرة في مقر حزب البعث في مدينة ادلب عن أهمية استرداد الأحواز بالنسبة للوطن العربي، قاصداً من ذلك صرف أنظار العسكريين عن الاهتمام بقضية فلسطين وموضوع تحويل نهر الأردن، واعتقد انه لعب دوراً خبيثاً جداً بإثارة النعرات الطائفية والمطامع الشخصية بين فرقاء الحاكمين في حزب البعث.
بتاريخ 8/5/1965 صدر حكم الاعدام على كوهين، وجاء في حيثيات الحكم ان المتهم دخل سورية خلسة عام 1962 حاملاً جواز سفر ارجنتيني باسم كامل أمين ثابت، وانه حصل على معلومات يجب أن تبقى سرية ونقلها الى العدو لذلك استحق الاعدام. كما حكمت المحكمة بمدد مختلفة على عدد من المتهمين. وأمرت بإطلاق سراح ثلاثين متهماً بينهم تسع نساء.
وفي فجر يوم الثلاثاء 18/5/65 تم اعدام كوهين شنقاً في ساحة المرجة بدمشق، وحضرت اعدامه هيئة المحكمة وعدد من كبار الضباط والمسؤولين، كما حضر الاعدام حاخام الطائفة اليهودية في دمشق نسيم أنديو يرافقه مختار حي اليهود لتلقين المحكوم الذي طلب قبل إعدامه كتابة رسالة خطية لزوجته فسمح له بذلك، ثم تولى الحاخام تلقينه باللغة العبرية، فلوحظ انه يتقن العبادة اليهودية حتى أنه صحح للخاخام بعض العبارات.
وفي صباح اليوم نفسه توافد الى الساحة عشرات الألوف من سكان دمشق وضواحيها حيث كان معلقاً على صدر كوهين نص قرار المحكمة بالاعدام لارتكاب الجرائم التالية:
1- جناية دخوله متنكراً أحد "المحلات العسكرية".
2- جناية الحصول على معلومات يجب أن تبقى مكتومة حرصاً على سلامة الدولة وذلك لمصلحة العدو.
وذكر في نص القرار ان الحكم صدر وجاهياً، وصدق من قبل رئيس مجلس الرئاسة (أمين الحافظ) بتاريخ 17/5/1965، أي بعد عشرة أيام من صدور الحكم، "رغم النداءات الكثيرة التي وجهت في هذه الفترة من أفراد ومؤسسات كثيرة" كما ورد في البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الاسرائيلية التي أعربت عن ذهولها من هذا الحكم. (الحياة 19/5/1965).
بعد أيام قلائل من اعدام كوهين أخبرني العقيد أدهم عكاش -وكان آنذاك مديراً للسجن المركزي في دمشق (سجن القلعة) بهذه الواقعة التي حدثت على الحدود بين سورية ولبنان في منطقة سرغايا، عندما وجد بعض الرعيان جثة مخبأة في كهف فأخبروا مدير المنطقة الذي أجرى تحقيقاً مع السلطات في دمشق حول الموضوع، فتبين ان الجثة هي جثة كوهين وكانت في طريقها الى اسرائيل عبر لبنان، ولا بد أن الفجر قد فاجأ المهربين فتركوها إلى اليوم التالي، وكان تعليقي آنذاك:
لا شك ان تهريب جثة يحتاج الى عدد من المهربين مما يظهر ان سورية مخترقة بأعداد كبيرة من الجواسيس.
قضية كوهين بعد الخامس من حزيران
بعد هزيمة الخامس من حزيران عام 1967 بعثت قضية كوهين من مرقدها واكتسبت أهمية خاصة فأشادت وسائل الاعلام الاسرائيلية التي وزع بعضها سراً في لبنان، مغفلاً من التوقيع والمصدر، بالدور الهام الذي قامت به الموساد في سورية ولا سيما بالدور الذي قام به كوهين، وقد ركز هذا الاعلام على الفريق أمين الحافظ، مغفلة من عداه من السوريين، وكان غرض الموساد من هذه الاتهامات الكاذبة الاساءة الى سمعة أمين الحافظ والانتقام منه لأنها اعتبرته المسؤول عن اعدام كوهين برفضه كل وساطة لإنقاذ حياته.
لقد منحت الحكومة الاسرائيلية بعد هزيمة حزيران أعلى وسام لرئيس الموساد آنذاك وقدم رئيس دولتها لذلك بكلمة اشاد فيها بالدور الذي قامت به المخابرات الاسرائيلية التي كان لها الفضل في تحقيق الانتصار في حرب الأيام الستة، وكانت الحكومة الاسرائيلية قد منحت كوهين بعد موته وساماً مماثلاً وأطلقت اسمه على أحد شوارع تل أبيب، كما نقش اسمه تخليداً له علىالنصب التذكاري الذي أقامته اسرائيل لعظماء الرجال الذين قدموا لها خدمات كبرى.
ان قضية كوهين قد دمغت حكم الثامن من آذار بنظر الرأي العام في سورية مما هدده بالسقوط، بالإضافة الى تناقضات فرقائه، فلم يبق من مجال لاستمراره إلا بقيام أحد الفرقاء الأقوياء بانقلاب عسكري، وهذا ما قام به بعد عام صلاح جديد.
________________________
(1) أميركي من أصل فلسطيني اقام في سورية باسم هنري كتن أواخر الأربعينات كوكيل لأعمال شركة التابلاين، ثم أصبح مكتب المحامي ظافر القاسمي وكيلاً لهذه الشركة فيما بعد.
(2) لمزيد من التفصيلات عن هذه القضية يراجع الكتاب الذي أصدرته وزارة الاعلام السورية عام 1965 رقم 21 تحت اسم: الجاسوسية الأميركية أمام القضاء السوري.