آخر الأخبار

بانتظار التعيين..

في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر منها الوطن ، توجهت لشراء بذلة جديدة ، كي ابقى في كامل أناقتي ، يقظا ، يدي على قلبي و اليد الأخرى على هاتفي المحمول ، فالتعيينات قد تأني بين فينة و اخرى ومن يدري قد يفكر أحدهم في تحميلي مسؤولية في مكان ما تليق بمؤهلاتي ، مع أنني لم أتحمل طوال حياتي السابقة سوى مسؤولية الوصول حتى آخر الشهر بأقل الديون الممكنة .
أنا لم أمزق بناطيلي على طاولات خشبية و لم أطفئ نور عيني في غرف الدرس لتنتهي شهادتي جنب آية الكرسي في صالون البيت ،
وبصراحه لو كنت أعلم أن تعييني غير مضمون وأنكم لستم بحاجه ماسه لخدماتي كما كنت أظن عندما بدأت بدراسة الهندسة لفكرت مثلا بدراسة الصيدله أو معهد لتعويضات الأسنان أو لكنت أتقنت أية مهنه تدر علي مالا أنا بأمس الحاجة اليه.
لهذا السبب اشتريت بذلة جديدة ، فأنا أنيق هذه الايام ، و على استعداد لأتحمل جميع المسؤوليات الجسيمة أو السهلة أو حتى التافهة ، ففي سبيل الوطن كل شيء يهون ... .
و صحيح أنني لم أنخرط في حياتي مع أي حزب سياسي و لكن سبق أن انخرطت في عدة جمعيات ثقافية طمعا في الكتب و المراجع المجانية .

لم يصدر في حقي حكم بالسجن وطبعا بالاعدام و لو مرة واحدة ، و لكن صدر في حقي حكم بالحياة منذ الولادة و ها قد مرت أكثر من خمس وعشرين سنة على صدور الحكم لأكتشف أنه للأسف صدر في الزمان و المكان غير المناسبين .

و صحيح أنني لم أقاوم ضد الاستعمار ، فهو للأسف خرج قبل أن أولد ، و يا ليته بقي حتى نراه و نرجوه أن يبقى معنا أكثر حتى يكمل اصلاح و توسعة كل الطرق و المستشفيات و المدارس التي بناها و لم ترمم منذ ذهابه .

و صحيح أنني لم أكن منفيا خارج وطني ذات يوم و لم أتلق مساعدات خارجية من أية جهة و لكنني عشت طوال حياتي أشعر أنني منفي داخل وطني و المساعدات الوحيدة التي وصلتني هي دعوات أمي لي وكم باكيت حمرا كانت تدسهم لي أمي في شنطة السفر خفية عن أبي .

و صحيح أنني لم أخطط لأي انقلاب ضد أي أحد ، و لم احمل في حياتي سلاحا آخر غير الدعاء و الحذر ، لكنني انقلابي في مزاجي و معي دبلوم عالي في فن الرماية و حتى الآن رميت نصف أحلامي من شرفة المستقبل نظرا لكبرها .

و صحيح أنني لا أجيد البروتوكول و مفكرتي خالية من المواعيد الهامة و ليس لدي رقم هاتف أي مسؤول كبير في هذه البلاد ، و لكنني تلقيت تدريبا في مدرسة الحياة على الطريقة الانجع في مصافحة مسؤول دون أن نعاني من آلام مزمنة في الظهر، و مفكرتي مليئة بالمواعيد الغرامية التي أخرج منها بصداع في الرأس و ثقب كبير في الميزانية ، و لدي هواتف عشرات سائقي سيارات الأجرة ، فهم في آخر المطاف من يمكنك الاعتماد عليهم في ليل العاصمة أكثر من أي مسؤول .
سأستمر خلال الأيام القادمة أنام و أصحو ، ببذلتي الأنيقة ، يدي على قلبي و يدي الأخرى على هاتفي بانتظار التعيين .