آخر الأخبار

شي متل الآخرة

شي متل الآخرة عرض مونودرامي
تجريبي بامتياز

العرض السادس والأخير :
" شي متل الآخرة " عرض مونودرامي قادم من لبنان , النص من تأليف بيتر توريني , وتمثيل أدي عازار , والإخراج كان للمخرج جهاد الأندري , وكان هذا العرض ختام مهرجان المونودراما الرابع .
الحكاية باختصار شاب من الجيل الجديد - جيل الإحباط - هذا الجيل الذي تسلم بأمانة راية الهزيمة ... الهزيمة بكل محتواها البنائي والسيكولوجي والمكاني , إذا شاب من الجيل الذي لا يعرف كيف يأخذ قرارا , فيقرر الانتحار , يراوغ نفسه , يداورها , ويتفق مع نفسه بأنه سيعد من الواحد وحتى الألف , وعندما يصل إلى الألف يعاهد نفسه بأنه سينتحر , ويبدأ باختلاق الأعذار ليتلكأ بالعد , ولأنه لا يمكن أن يأخذ قرار فهو حتما لا ينتحر . هذا هو النص الذي ينتمي إلى التجريب المسرحي عبر الكتابة وهذا النمط يمثل انعطافا كبيرا في مسار الحركة المسرحية والتي تبرز بقوة بعد النكبات البشرية وويلات الحروب , ودائما شخوص هكذا أعمال هم من الطبقات الدنيا اقتصاديا , فهم محرمون من أبسط الحقوق الإنسانية , لكن الممثل أدي عازار الذي جاهد وجد ليمسك بزمام النص ولكي يصل إلى المبتغى الذي رسم من خلال النص . كنا نراه أحيانا حقق المبتغى المطلوب والذي هو بالحقيقة أكبر بكثير من الملكات الفكرية والمعرفية للممثل الذي استطاع أن يؤدي كما وجهه المخرج بدون دراية علمية , فجاء تمثيله مرسوم رسما , ولكن بريشة غير ريشته وبألوان لا ينتمي إليها .
فالمخرج الأستاذ جهاد الأندري والذي استطاع أن يقبض على البنى النفسية لهذا النص المسرحي , وقد اتضح التناغم الذي شكل هارموني جميل بينه وبين كاتب النص الذي ينتمي أيضا بقوة إلى مفهوم التجريب الكتابي للمسرح والذي يتوافق مع التجريب المسرحي للعرض الذي اشتغل عليه المخرج بعناية وحرفية متوجة بالمعرفة المسرحية والتي تنتمي إلى مسرح الغضب , هذا المسرح الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية .
فقد استطاع المخرج أن يضع يده على المشكلة عبر أدواته المسرحية موضحا أن هذه الشخصية التي تؤدى على الخشبة هي شخصية محبطة مهزومة , ويلفها الاغتراب , والسبب الرئيسي في اغتراب هذه الشخصية هو فرط أنانيتها لأنها لاتنتمي إلى الآخرين , وفي نفس الوقت تعاني من رغبة جارفة لتتواصل مع الآخرين روحيا وإنسانيا , هي شخصية فصامية بامتياز , قلقة بشكل واضح , لا منتمية إلى شيء , وهذا التراتب الداخلي للإنسان لا يمكن تنظيمه إلا عبر مخرج متميز يعرف ما يسعى إليه بشكل دقيق , فهذه المسرحية ببنائها الخارجي تنتمي إلى التيار الواقعي سواء في شخصيتها أو أحداثها , لأنها تعطي صورة واضحة عن المجتمع الذي تنتمي إليه الشخصية , ومواقفها المتباينة والغير واضحة في وقت لا بد من اتخاذ موقف واضح , وباللحظة التي تدخل فيها الشخصية بتفاصيل الحياة اليومية , يدرك المشاهد أنه أمام عرض من نوع جديد ومختلف , يبحث في الواقع الحياتي بصيغ مختلفة , وهذا ما يميز المخرج والذي وظف كل الوسائل الدرامية المتواجدة في النص وطوعها لإبراز الحدث المسرحي الذي ينتقل بالمشاهد من مركز الاهتمام من كونه عرض اجتماعي يسلط الضوء على الأثر الذي تتركه الظروف الاجتماعية على الفرد , إلى دراسة شاملة للفرد الذي يستطيع لو أدرك نفسه أن يغير المجتمع , وهذا من أعقد المعالجات الإنسانية للعلاقة الجدلية بينه وبين الحياة من جهة , وبين الحياة والوجود الإنساني من جهة أخرى .
فالمخرج الذي عالج هذه الشخصية التي غرب مكانها , فهي لا تنتمي إلى بيئة ولا إلى جغرافيا , إنها تنتمي إلى الإنسان , الذي هو بالحقيقة أكبر من الكوكب , بل أن الكوكب ينتمي إليه , لكن القهر النابع من الداخل الإنساني يلغي الإنسان المنتمي إلى فطرته وعفويته , إذ نرى الممثل يبدأ عده من الواحد إلى .... وهو يمارس العادة السرية , وبلحظة ما قبل الذروة بثوان ... فيدرك أن ما فعله متعة لا تتكرر لو وصل إلى الألف .. فيتنفس الصعداء ويتريث بالعد , وعندما تشد الأذمة الحياتية عبر حواره وهو يتابع معه العد يداهمه الغائط , فيسعد بلحظة التغوط ويقف عن العد ... وهكذا حتى يدرك الممثل أن كل هذه الأشياء الصغيرة والتافهة والجميلة معا , هي الحياة عينها ... لكن ضيق المكان وضيق الحب وضيق الجنس وضيق الراحة وضيق السرير وضيق طبق الطعام , وصغر المنشفة , وضيق الماء , وتضيق العقل ... كل هؤلاء أختزلهم المخرج بالديكور المدروس بعناية ومعرفة ووظفه بعلمية ليكون أداة قهر تزيد الإنسان الحديث غربة ووحشة , لكنه يدرك بشكل أو بآخر أن الحياة رائعة وجميلة ويجب أن تعاش إذا توفرت أسباب المعرفة التي تجعل الإنسان يتعامل مع من حوله برقي .... وبدون ظلم .
شكرا لفريق العمل الذي أمتعنا لو أن الممثل الأستاذ أدي عازار استطاع أن يوصل ما أراد الكاتب والمخرج أن يوصلاه إلينا أكثر , لكان عرضا متكاملا أكثر أيضا .
فرحان الخليل
Masrah111@yahoo.com