أعود لهذا الموضوع لسببين (تبارك الثلاثة)،
أولهما، أنني لا أمل من مديح أميرة: المديح يليق بها (المديح هو الذي يليق بهذه السيدة الجميلة).
و ثانيهما... لأني وعدت أن أتحدث عن مفكر عربي (سوري) يختلف (كثيرا، كثيرا جدا!) عن القصيمي ...
و أبدأ بالحديث عن إحدى أغاني الجميل مارسيل خليفة... حيث يركز فيها على كون المتحدث من الجنوب . هو لا يخبرنا إن كان المتحدث ماركسيا ثوريا أو إن كان كادحا بروليتاريا أو إن كان مناضلا لينينيا ...
ذلك أن كافة هذه الصفات قد تكون مفيدة و جيدة... لكن الأهم هو أن نعلم من يكون الإنسان! من هو؟ أهو لبناني من الجنوب؟ أهو لاجئ فلسطيني طرد من أرضه بقوة السلاح الصهيوني؟ أهو عربي يعاني من الهزيمة الأبدية للأمة العربية؟
أم أنه... يعني ما بعرف: فرنساوي إسرائيلي هندي أوغندي مدري شو؟
***
أول لقاءاتي بالمفكر السوري إلياس مرقص كان عبر كتاب قرأته عند زميلنا محمد صالح. الكتاب كان يتضمن نقدا لبرنامج الحزب الشيوعي اللبناني -و هو انفصل عن الحزب الشيوعي السوري في الستينات، على ما أعتقد. موجز الكلام (يعني إن كان يجوز لي إيجاز كتاب من مئات الصفحات بجملة واحدة! ) هو أن الياس مرقص رأى في (برنامج) الحزب الشيوعي اللبناني خطوة متقدمة -متقدمة جدا- بالقياس للحزب الشيوعي السوري المترهل، لكن كان لإلياس مرقص ملاحظات عديدة يمكن إيجازها بالقول أنه، و من وجهة نظر الياس مرقص، فالحزب الشيوعي اللبناني لم يتخلص كليا من جحشنة الحزب الشيوعي السوري.
لكن ليس هذا المهم...
المهم، و الذي صدمني -بالمعنى الإيجابي للصدمة- هو أسلوب الياس مرقص: ففي تلك الفترة التي كان اليسار العربي يمارس عادة الجعير ضد الإمبريالية و الكومبرادورية و الصهيونية و الأنظمة العربية، في تلك الفترة تحديدا كان الياس مرقص يستخدم عقله:
استخدام العقل، مقارعة الحجة بالحجة، كشف تهافت الصيحات التقدمية و الثورية...
الياس مرقص استخدم العقل في وسط أمة تمارس كراهية العقل -بما في ذلك يسارييها و اخونجيتها!
فيما بعد، و نتيجة إعجابي بالكتاب إياه، قرأت كتبا أخرى لإلياس مرقص... كان أحدها يتحدث عن المقاومة الفلسطينية و عن حكاية حرب التحرير الشعبية طويلة النفس (خدلك نفس!)... و اكتشفت، و يا لهول ما اكتشفت!
أميرة
حين كنت طفلا، في بداية السبعينات، كنت أغني كغيري من الأطفال العرب:
بإيدي رشاشي،
من جورج حباشي،
أرضي هالمحتلة،
ما بترجع بلاشي...
هذا لا يعني أنني كنت أعرف من يكون جورج حبش، لا و لم أكن أصلا أعرف ما هو الرشاش... لكن هذه الأغنية هي الأغنية التي كنا نغنيها:
وقتها كان سيدنا جورج حبش في قمة سيطرته، و كان اليسار العربي بأكمله يتبع نظرياته في حرب التحرير الشعبية (طويلة النفس، و لا تنسي أن تأخذي نفسا!)...
و في هذا الجو كتب الياس مرقص كتابه عن الثورة الفلسطينية و أوضح زيف كل معتقدات سيدنا جورج حبش... و قال الياس مرقص -هل يجب أن اذكر أنه كان شيوعيا؟- أن محاربة إسرائيل تتم عن طريق التحالف مع عبد الناصر -الزعيم البرجوازي الصغير كما يصفه اليسار العربي- و عن طريق التحالف بين سوريا و مصر، عن طريق إقامة جبهة غربية (مصر) و جبهة شرقية (سوريا و الأردن بتاعة حسين)... ماذا و إلا فالنتيجة هي انتصار إسرائيل و شرذمة الأمة العربية...
بمعنى، و على مبدأ مارسيل خليفة: يجوز للمرء أن يكون شيوعيا... لكننا أولا و أخيرا عرب، سوريون (أو: لبنانيون، أو: فلسطينيون) ، و عدونا هو إسرائيل، و حليفنا هو مصر، و عبد الناصر.
طبعا تحقق ما حذر منه الياس مرقص (الجزء ماذا و إلا )، لكن ليس هذا ما أرغب أن أتحدث عنه...
ما أرغب أن أتحدث عنه هو أن الياس مرقص -الشيوعي- و في عز دين سطوة اليسار العربي وجد في نفسه، في إيمانه بالفكر الشيوعي، في إيمانه بالحقيقة، وجد القوة كي يعارض الخرافات و الأوهام السائدة، و دفع ثمن ذلك أنه لطالما اتهم بأنه عميل للأمريكان -و هو الشيوعي!
و على الأخص: الياس مرقص لم يكن يطلق الكلام إطلاقا: هو كان يحلل كلام البشر جملة جملة و كلمة كلمة. و كان يرد عليهم بالمراجع: من لينين لأفلاطون دون أن ينسى... عمر بن الخطاب أو معاوية (أعظم قادة سوريا عبر التاريخ، هذا التقييم هو مني، أنا، عمرو)...
قلت أنني سأتحدث عن مفكر عربي (سوري) يختلف (كثيرا، كثيرا جدا!) عن القصيمي ... لا أعلم إن كان بإمكاني أن أعطي الياس مرقص حقه في مقال قصير كهذا... لكن أرجو أن تسمحي لي أن أروي قصة حقيقية ممتعة و ذات مغزى (قحمذم) ساهم فيها الياس مرقص...
حصل ذلك ذات مساء و كان هناك طفل يجلس بجوار الياس مرقص... فسأله الياس مرقص عن ترتيبه في الصف، يعني في المدرسة...
أجاب الطفل أنه الثاني في صفه...
تعليق الياس مرقص كان مذهلا، لقد قال للطفل:
أن تكون الثاني في الصف شيء جيد، و أفضل منه أن تكون الثالث!
ذلك أن الأول في الصف غالبا ما يكون أحمقا لا يمارس سوى دراسة المواد المقررة، أما الثاني فهو بالإضافة لدراسة المواد المقررة فهو يعيش الجوانب الأخرى من حياته، فهو إنسان طبيعي!
و الثالث في الغالب يكون أكثر إنسانية من الثاني!
لا أعلم إن كنت قد شرحت لم أشعر بالإعجاب تجاه الياس مرقص -يعني على عكس القصيمي-، و لا أعلم إن كنت سأعود للحديث عنه مجددا... لكني آمل أن أكون قد أوضحت لك -و لو جزئيا- صفات المفكر التي أرغب بها:
احترام عقل القارئ، احترام عقل المستمع... حتى و لو كان طفلا هو الثاني في الصف!
و لك و لربعك الكريم حبي و احترامي