ما زال الحلاق الدمشقي محمد السحّار يحلم برأس فيديل كاسترو، على رغم استسلام أهم الرؤوس له. إلا أن ذاك لم يكفه بعد. لرأس كاسترو طابعه الخاص في رأيه. يحلم كيف سيضع رأسه بين يديه... ينظر ببطء الى عينيه من خلال المرآة ليبتسم بفخر. السحّار الذي تدرب برأس العقيد السوري الراحل عدنان المالكي قبل 45 سنة، ما زال يتمنى لو يستطيع استلام رأس كاسترو، علّه يستطيع تشذيب لحيته قليلاً .
لسحّار يقص شعر الممثل السوري رفيق سبيعي المعروف بـ أبو صياح لم يصدق محمد عندما كان مجرد عامل في محل للحلاقة في نادي الضباط القديم الكائن في وسط العاصمة السورية، حين رأى العقيد عدنان المالكي يدخل المحل. ولِحظّ محمد الجيد أو حظ المالكي السيئ، لم يكن في المحل سوى الشاب محمد الذي تمالك أعصابه، وحاول النظر مباشرة الى عيني المالكي، وأخبره انه هو من سيحلق له. بعد أقل من نصف قرن على تلك الواقعة، لم يعد يتذكر السحار رد فعل المالكي بعد انتهاء الحلاقة، لكنه يصفه بأنه شخص متسامح جداً .
يعرف السحار نفسه، بأنه هو من أسس لفن الحلاقة الحديثة، لا في دمشق فقط بل في سورية. إذ كنت أذهب الى السينما ممسكاً ورقة وقلماً، لأرسم طريقة تصفيف شعر البطل. ثم أعود لأطبقها على أحد الزبائن . وفي العام 1977، سافر السحّار الى مدينة النور باريس، في دورة تدريبية في فن الحلاقة مدة ثلاثة أشهر. ثم عاد الى دمشق ليفتتح محله الخاص. ولم تكن باريس سبب شهرته، بل صداقته مع المطرب الراحل عبدالحليم حافظ هي السبب.
يبتسم السحّار بحنين وهو يتذكر حليم عندما جاء الى دمشق ليمثل في فيلم لحن الوفاء الى جانب شادية، فقصّ (عبدالحليم) شعره على يدي السحّار ليصبحا أصدقاء. يتذكر السحار حليم ويصفه بأنه شخص كريم جداً، على عكس ما كان يشاع عنه، ومرهف الإحساس وذكي . ولا يزال السحار يتذكر آلاف القصص عن العندليب الأسمر، يطفئ سيجارته متنهداً... ويتذكر عندما أحيا حليم حفلة بمشاركة أم كلثوم على مسرح الزهراء في ستينات القرن الماضي، بحضور الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس الجزائري أحمد بن بلة والعاهل المغربي محمد الخامس: كان يفترض أن تبدأ أم كلثوم ثم يليها حليم، لتعود أم كلثوم وتختتم الحفلة، لكن ذلك لم يحدث ، يكمل منفعلاً، كنت مع حليم في الكواليس مننتظراً دوره، لكن الست بقيت تغني إلى أن أبقت لحليم خمس دقائق فقط، صعد حليم على المسرح وقال للرئيس عبدالناصر: سيدي الرئيس لقد حيكت ضدي مؤامرة . حينها قرر عبد الناصر وضيوفه تمديد الحفلة من أجل حليم .
ويترحم السحّار على حليم ويكمل بشغف القصص: ظل حليم والست أم كلثوم سنة كاملة على خلاف بعد تلك الحفلة، لكن بعد سنة كان يفترض أن يحيي كبار الفنانين حفلة للقوات المسلحة وكانت أم كلثوم وحليم بينهم، لكن حليم ذهب الى الحفلة ليفاجأ بمنعه من الدخول، بناء على طلب أم كلثوم وأوامر المشير عبدالحكيم عامر. إلى الآن اسمع كلماته بأذني عندما أخبرني انه قابل الرئيس عبد الناصر وأخبره بأنه يريد التخلي عن الجنسية المصرية. فما كان من عبد الناصر إلا أن طلب من محمد حسنين هيكل، الذي كان حينها وزيراً للإعلام، إحياء حفلة لحليم فقط في مدينة الاسكندرية وبحضور الرئيس . فكان لهيكل الفضل في عودة المياه الى مجاريها بين كوكب الشرق و العندليب الأسمر مجدداً ، يقول السحّار.
حمد عبدالوهاب كان مهووساً بالنظافة، لذا كانت لدي عدة حلاقة خاصة بهكان للسحّار أيضاً دور العرّاب بين الممثلين المصريين نور الشريف وبوسي، فأنا من زوجتهما لبعضهما بعضاً ، يؤكد بفخر: كان نور من أعز أصدقائي. وكان ذات يوم في بيروت لتصوير فيلم، ولم أصدق عندما أخبرتني الممثلة نورا، شقيقة بوسي، أن هناك من تقدم لطلب يد بوسي ويجب علي أخبار نور الشريف بأسرع وقت. لم أعرف في البداية كيف يجب أن أتصرف، فلم يكن أمامي سوى الذهاب الى بيروت لأنبهه . يبتسم كمن يجد نهاية مميزة لأجمل قصة حب رومانسية: نعم، كان لي الفضل في زواجهما، كما انهما أمضيا شهر العسل في دمشق . كان السحّار ونور الشريف أصدقاء... الى درجة ان الأخير طلب الى السحار أن يمثل معه في فيلم دمي ودموعي وابتسامتي في دور زوج الممثلة نجلاء فتحي.
وامتدت صداقات السحار في الوسط الفني المصري الى الموسيقار محمد عبدالوهاب، بحكم إتقانه مهنة الحلاقة، ما جعل أهم الرؤوس تفد إليه. يقول: صحيح أن عبد الوهاب كان شبه أصلع، إلا أنه أيضاً كان صديقي ، ثم يحاول أن يجد بين مجموعة الصور التي يحتفظ بها صورته مع عبدالوهاب. كان يقصدني الى صالوني في فندق بلودان الكبير (في المصيف السوري الشهير)، كان مهووساً بالنظافة، لذا كانت لدي عدة حلاقة خاصة به .
وإلى اليوم، لا يستطيع غالبية الفنانين السوريين والوزراء وأعضاء مجلس الشعب التخلي عن يد السحّار. حتى انه حلق للملك فيصل عندما كان وزيراً للخارجية، ولرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري قبل ثلاث سنوات عندما كان في زيارة لدمشق وسأل عن أمهر الحلاقين، فطلبني لأحلق له في بيته . ولا يفضل السحّار الحديث مع السياسيين أثناء العمل. يصفهم بأنهم أشخاص حذرون وكتومون وغير مرحين إطلاقاً ، على عكس الفنانين، لكن يبقى التعامل مع السياسيين وإقناعهم بقصة شعر ملائمة أسهل من إقناع أشخاص عاديين ، يقول السحار واثقاً.