آخر الأخبار

مارسيل غانم من أصل أثيوبي.اللبنانيون فينيقيون أم عرب؟

بعد عشرين عاما على انتهاء الحرب الاهلية وطي صفحة السجال في هوية لبنان العربية، لا يزال بعض اللبنانيين يجاهرون بأنهم "فينيقيون" وليسوا عربا، في موقف ينطلق من اقتناع سياسي اكثر منه علمي، وفي بلد يغلب الانتماء الديني على الولاء للوطن.

تؤكد ريبيكا، الطالبة الجامعية، انها "فينيقية" وتقول "بالتأكيد انا من اصل فينيقي قبل كل شيء. لا اعتقد ان اللبنانيين هم عرب"، مضيفة "نحن موجودون هنا منذ آلاف السنين".

وتعتمد ماريان (22 سنة)، صديقة ريبيكا، لهجة اكثر ديبلوماسية "لا يمكننا ان ننكر عروبتنا، لكننا لسنا عربا بالفعل، فنحن منفتحون اكثر من غيرنا".

اما شحادة (50 سنة) الموظف المتقاعد فيرى ان "اللبنانيين يتشابهون" مؤكدا "نحن عرب، ولا مجال للجدال في الامر ونحن نعيش في محيط عربي".

غير ان علماء الاجتماع والوراثة يعتبرون ان الاسس التي قام عليها هذا الجدل في الماضي، ولا يزال البعض يستند اليها، غير قائمة من المنظار العلمي والتاريخي.

ويقول عالم الاجتماع والمؤرخ بطرس لبكي "هناك مفهوم في عقول بعض اللبنانيين هو نتيجة رواسب الماضي وتركيب هويات متناقضة خلال القرنين الاخيرين لدعم مطالب سياسية وطائفية".

ويضيف: "كل طائفة ارادت اضفاء الشرعية التاريخية على خياراتها السياسية وعلى نفوذها من خلال الهوية. وراء كل اعلان عن الهوية كان يوجد مشروع سياسي".

ويشير لبكي الى جدل عقائدي بدأ مع القرن العشرين بين المسيحيين الموارنة، الذين شكلوا الطائفة الاكثر نفوذا في لبنان منذ الاستقلال وحتى اندلاع الحرب الاهلية (1975 - 1990)، والمسلمين في شكل عام.

وتباهى اللبنانيون عبر تاريخهم الحديث بأن استقلال بلدهم نتج من تنازل المسلمين عن فكرة ضم لبنان الى دولة عربية اكبر، وتخلي المسيحيين عن الوصاية الغربية التي كانت متمثلة بالانتداب الفرنسي.

غير ان ذلك لم يجعلهم يتفقون على هوية لبنان. وقد علق الصحافي اللبناني المعروف جورج نقاش في تلك الحقبة على هذا الموضوع بعبارة باتت شهيرة وفيها ان "سلبيتين لا تنشئان أمة" (deux négations ne font pas une nation).

ولعل هاتين السلبيتين هما اللتان انتجتا مادة في الدستور اللبناني تقول ان لبنان "ذو وجه عربي".
والغى اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الاهلية هذه المادة ليصبح لبنان بموجب مقدمة الدستور "عربي الهوية والانتماء". وهدأ السجال حول الموضوع، لكنه لم ينته.
وبلغ الجدل اوجه خلال الحرب، عندما ازداد رفض الشريحة الكبرى من المسيحيين الذين خاضوا حربا شرسة ضد الفلسطينيين السنة المدعومين من عدد كبير من الدول العربية الاقرار بـ"عروبتهم"، وارادوا بشتى الوسائل تأكيد اصالتهم في هذه البلاد، وانهم من احفاد الشعب الفينيقي القديم الذي عرف بمهارته في التجارة والملاحة البحرية.

واثبت العلم ان الانتماء الى العروبة لا يتناقض مع الاصل الفينيقي. ويقول الاختصاصي في علم الوراثة من الجامعة اللبنانية الاميركية الدكتور بيار زلوعة انه اجرى دراسة عن الجينات الوراثية للشعوب في سوريا و لبنان وفلسطين نشرت قبل اشهر واثبتت ان السكان الذين ينتشرون على هذا الساحل المشرقي يحملون تقريبا الجينات نفسها. ويضيف "ان نسبة تشابههم اكثر من نسبة اختلافهم".
وكان زلوعة نشر في 2008 دراسات عن اصول الشعوب في الشرق الاوسط بينت وجود آثار من جينات فينيقية "في الحمض الريبي النووي لـ 30% على الاقل من اللبنانيين". ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية: "دهشت لوجود هذه الكمية من الآثار الجينية بعد مرور آلاف السنين".

الا ان الباحث الذي نشر دراساته في مجلتي "اميركان جورنال اوف هيومن جينيتيكس" و"انالز اوف هيومن جينيتيكس" العلميتين، يؤكد ايضا ان هذه الجينات ليست حكرا على طائفة معينة. فقد يكون حامل الآثار الفينيقية مسيحيا او مسلما. ويوضح ان الفينيقيين "عاشوا قبل الديانات والانقسامات الجغرافية والسياسية".

ويشير زلوعة الى انه عثر ايضا في لبنان على آثار جينية كثيرة مصدرها شبه الجزيرة العربية، تعود الى تاريخ الفتح الاسلامي على الارجح، واخرى الى الحملات الصليبية. ويرى ان اختلاط المفاهيم في هذه المسألة ناتج من ان البعض يعتبر العرب اتنية متجانسة. ويقول ان "العرب لا يشكلون اتنية. يمكنني ان اكون من اصل كنعاني (فينيقي) وان اكون عربيا، لأن العروبة مرتبطة باللغة وبالثقافة"، لا بالدين والوراثة الجينية.

هل انا فينيقي؟ السوري ايضاً... والفلسطيني (النهار)

يقول الدكتور بيار زلوعة الاختصاصي في علم الوراثة: "تنقيباتنا الاولى قامت على الهجرة الى لبنان من شعوب غامضة كانت تتكنّى بشعوب البحر، نحو عام 1200 قبل الميلاد، تمازجت مع الكنعانيين اهل البلد وأدى ذلك الى ولادة الحضارة الفينيقية.

قد تكون شعوب البحر هذه متأصلة من بحر إيجيا، تحركت في اتجاه المدن الساحلية الشرقية بقصد الغزوات من نهب وحرق، غير انها عفت عن المدن الكنعانية، ربما بفضل معاهدة سلم بينها. والاسئلة كثيرة. هل كانت هجرة شعوب البحر كثيفة الى لبنان؟ وهل ساهمت في خلق مثال جيني فينيقي؟ نحن نملك أدوات تسمح لنا بالاجابة عن هذه الاسئلة، كالبحث عن دلائل في التغير الفجائي في الوراثة، ظهرت في العصر الفينيقي ولا تزال موجودة في الارث الجيني، اي الحمض النووي (DNA).

هذه الدلائل اذا ما ثبتت وبالطبع بشكل كتوم جداً، فان بضعة احرف من اصل ثلاثة مليارات من ابجديتنا الجينية، ستسمح لنا بالتحقق من النسل الفينيقي. هذه الدلائل قد تكون محددة في نقاط خاصة من صبغية نواة الخلية (كروموزوم)، تلك التي تحدد الجنس الذكوري. والفرادة في هذا الموضوع هي ان الكروموزوم Y ينتقل من الاب الى الابن من غير وساطة الأم.

انطلقت اختباراتنا من مدينة صور، من بحارتها أي من حيث انطلق الفينيقيون، يجوبون البحر الابيض المتوسط ناشرين الحضارة والثقافة والحرف والاكتشافات".

وعلى شرفة مقهى من مرفأ صور عمل زلوعة وزميله سبنسر ويلز على سحب عينات دم من متطوعين محليين.

"جاء البعض بحماسة رغبة منهم في ان يكونوا الأوائل في تحليل دمهم بعدما فهموا ان الموروثات الجينية لا بد ان تدل الى روابط نسبية بين بحارة اليوم وآخرين تركوا بصماتهم الوراثية في هذا الشرق منذ اكثر من 5000 سنة وانطلقوا من هذا الساحل الشرقي الى غرب المتوسط".

وبينت الدراسات وجود عامل وراثي مشترك يربط بين عدد كبير من اللبنانيين لا سيما من سكان المدن الساحلية كجبيل وصيدا وصور، ومن طوائف مختلفة، مع الفينيقيين الذين سكنوا هذه المدن.

وبعد نحو خمس سنوات من العمل يبدو ان زلوعة وجد العامل المشترك الذي يوحد اللبنانيين، بحسب ما نقلت عنه وكالة "رويترز". فالعلامة الوراثية التي تحدد سلالات الشعوب المشرقية وجدت بين لبنانيين من كل الطوائف، بحسب زلوعة "وهذه قصة يمكنها ان توحد لبنان اكثر من اي شيء آخر"، كما يقول. وهذه العلامة الوراثية المعروفة باسم "2 haplogroup" وجدت متشابهة وبنسب عالية جداً بين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين الذين اخضعهم زلوعة للاختبار من خلال احماضهم النووية "دي ان آي"، وقد بلغ عددهم الف سخص، وامكن قياس هذه العلامة من خلال عمليات حسابية تستند الى درجة حصول تغييرات او طفرات في الحمض النووي للصبغية التي تنتقل من الاب الى ابنه عبر الاجيال. وكلما كانت هذه الطفرات اقل كلما كان الحمض النووي يعود الى عهود قديمة.

لكن النتائج لم تتوقف عند هذا الحد. يقول زلوعة "كلما اتجهنا نحو الشمال (شمال المنطقة المشرقية) او الجنوب او الداخل، ندرت رؤية هذه العلامة، مما يعني انها خاصة بشعوب المشرق العربي". لكن العلامة نفسها وجدت بنسب عالية ايضاً في مناطق اخرى من سواحل البحر المتوسط، حيث انشأ الفينيقيون مستوطنات لهم مثل قرطاجة في تونس. يضيف: "هي موجودة بشكل كبير ايضا في شبه الجزيرة الايبيرية (اسبانيا والبرتغال حاليا) كما في مالطا... نحن نرى بذلك مخطط التوسع خارج منطقة المشرق على طول الطرق البحرية التي سلكها الفينيقيين".

ويشير موقع "ناشونال جيوغرافيك" ايضا الى ان النموذج الوراثي الاصلي الذي اعتمد عليه زلوعة كمرجع في دراسته يعود الى بقايا بشرية اكتشفت في تابوت حجري فينيقي في تركيا وهو محفوظ في المتحف الوطني التركي، والى فك بشري عمره اربعة آلاف سنة اكتشفه في كهف في منطقة راس كيفا اللبنانية. وقد لجأ زلوعة الى النموذج التركي بعدما رفض المتحف الوطني اللبناني تزويده عينات من الحمض النووي التي يحفظها.

يقول زلوعة "كلما استخدمت كلمة فينيقي يقول البعض انني احاول ان اقول اننا لسنا عربا". غير ان هذه المنطقة شهدت تمازجا كبيرا نتيجة الغزوات المتعاقبة عليها. وهذه الدراسة تثبت ان اللبنانيين، لا سيما سكان المدن الساحلية، وان كانوا ما زالوا يحملون علامات وراثية تعود الى الفينيقيين، الا ان هناك دلائل ايضا على وجود موجات وراثية كبرى اخرى اثرت على مخزونهم الوراثي وهي الغزوات العربية والصليبية والتركية او السلجوقية.

الفينيقيون يعودون الى السواحل الافريقية (كونا)

احتضن بهو "قصر مفدي زكريا للثقافة" في العاصمة الجزائرية معرضاً دولياً بعنوان "الفينيقيون في الجزائر... طرق التجارة بين البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا السوداء" في شباط الفائت.
وقالت مديرة متحف الآثار القديمة في الجزائر آمال سلطاني للصحافيين ان "المعرض يضم 250 قطعة أثرية متنوعة يعود تاريخها الى العهد الفينيقي فضلا عن عرض صور وخرائط وبيانات تفصيلية عن تلك المرحلة".

وأضافت ان "العهد الفينيقي في الجزائر أطلق عليه تسمية "نوميديا قديماً" في القرن السابع قبل الميلاد، الى القرن الأول من السنة الغريغورية، ويسمى هذا التقوي في معظم الدول العربية التقويم الميلادي نسبة لما يعتقد أنه مولد السيد المسيح".

وأوضحت ان "المعرض يتحدث عن منشآت الفينيقيين التجارية وأهم السلع التي كانوا يتاجرون بها، وكذلك أهم طرقهم التجارية البحرية والبرية ونمط عيشهم وطقوسهم الجنائزية وأضرحتهم ومعتقداتهم وحرفهم اليدوية".

ويولي المعرض أهمية بالغة للحياة التجارية للفينيقيين نظراً الى شهرتهم فيها في ذلك العهد، حيث تمثل الحركة التوسعية الفينيقية التي بدأت نحو القرن التاسع قبل الميلاد بهدف الحصول على مواد أولية لمنتجاتهم الحرفية.

كما يشرح المعرض كيف أقام الفينيقيون منشآت تجارية في المدن الساحلية لشمال افريقيا من قرطاجة في تونس التي اتخذوها نقطة انطلاق ومرجع للوجود الفينيقي بالمنطقة حتى أصبحت في القرن السادس المدينة الأكثر أهمية فيها، اضافة الى مدن جزائرية، ولاسيما منها الساحلية، فضلا عن مدن داخلية لربطها بالتجارة مع افريقيا السوداء.

ومن الشهادات التي يظهرها المعرض صور تتعلق بالتبادلات التجارية بين الفينيقيين والأفارقة في تجارة الخزف والسمك المجفف والجوز، يتم بيعها للأفارقة ويشترون منهم سلعاً افريقية مثل التوابل وعاج الفيلة والجلود وبيض النعام الذي يحظى بأهمية رمزية كبيرة في الطقوس الجنائزية الفينيقية.

مارسيل غانم من أصل أثيوبي

كان الشاعر سعيد عقل يؤكد فينيقية اللبنانيين وخصوصاً المسيحيين الذين اعتقدوا بهذا الأمر لتمايزهم عن الآخرين في عز تحدي اثبات الهوية وجبه الخوف على المصير، وربما الزوال.
لكن المؤكد لدى سعيد عقل لم يصبح أكيدا، ولم تثبته الدراسات العلمية، اذ ان الحلقة التي تناولت الموضوع عبر شاشة الـ LBC مع الاعلامي مارسيل غانم، دلت على ان غانم، كما الكثيرين من اللبنانيين، يعودون الى أصول مختلفة نتيجة تمازج الحضارات والأعراق، وتبين ان مارسيل غانم يعود الى أصول اثيوبية.

وبينت الدراسات ان خمس اللبنانيين الحاليين فقط هم من أصل فينيقي.
(النهار)