لا نختار أن نصبح ثوريين.. لكن الثورة هي التي تختارنا
الحلقة الأولى
الثوري, الإرهابي, المتطرف وصفات أخرى أطلقت على كارلوس الذي جاب العالم منطلقا من بلده فنزويلا ليستقر مع الثورة الفلسطينية ويعلن إسلامه على أيدي مقاتليها... من سجنه الفرنسي يكشف كارلوس في هذا الحوار العديد من الخفايا ويؤشر العوامل التي دفعته إلا الإبحار في هذا البحر الذي لا تعرف أمواجه الهدوء
حدثنا عن طفولتك وفي أي بيئة اجتماعية نشأت?
نشأت في بيئة اجتماعية متنقلة, أصل عائلتي من الريف الفنزويلي ثم انتقلت إلى العاصمة (كاراكاس), بعدما حققت ثروةكبيرة, والدتي (سيدة بيت) بالمعنى الأكمل لهذه الكلمة, وهي أم شديدة التفاني, أما والدي فهو مثقف, شاعر وخطيب سياسي ودكتور في القانون الدولي, كما أنه من أشد أنصار الانقلابات العسكرية, وأنا تربيت في وسط من البرجوازية الصغيرة التي يراودها الحماس للثورة.
هل تعتقد أن نشأتك في هذه البيئة البرجوازية التي تراودها الأحلام الثورية لعبت دورا في التأثير لاحقا في التزامك السياسي, ودفعك نحو مزيد من (الراديكالية الثورية)?
بكل تأكيد, لكننا لا نختار أن نصبح ثوريين بل الثورة هي التي تختارنا.
أقصد هل لعبت تلك البيئة التي نشأت فيها دورا في دفعك إلى اختيار حمل السلاح كوسيلة للتعبير عن التزامك السياسي في نوع من (التمرد), أو الرغبة في تجاوز ذلك الأثر العائلي الذي كانت الثورة بالنسبة له مجرد تطلعات حالمة?
لا أعتقد, فاختيار السلاح لم يكن قرارا شخصيا مني, بل الظروف السياسية هي التي أملته علينا, كردة فعل على عنف العدو الذي نواجهه, وأما عن الرغبة في تجاوز (الإرث الثوري) العائلي, فإنها بلا شك كانت أحد العوامل الرئيسية التي تحدد على ضوئها التزامي السياسي, ولقد كانت (رغبة التجاوز) تلك أسلوبا للتعبير عن (تمرد عائلي) يندرج ضمن صراع الأجيال.
ما هي الأحداث التي كانت الأكثر تأثيرا فيك خلال سنوات طفولتك وبداية شبابك?
هناك رحلاتي الأولى بالطائرة وميلاد أخت لي قبل اكتمال فترة الحمل ثم وفاتها بعد 3 اشهر فقط, وهناك أحداث الإضراب العام في فنزويلا سنة ,1952 بعد تدخل العسكر بالقوة لوقف انتخابات (المجلس التأسيسي). وهناك أحداث تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر, كما تأثرت أيضا بانفصال والدي, وبأحداث الثورة الشعبية التي أرغمت النظام العسكري في بلادي على أن يتخلى عن الحكم, يوم 23 يناير (كانون الثاني) ,1958 وهناك أيضا أحداث الثورة الكوبية, وحرب التحرير الجزائرية.
بماذا كنت تحلم وأنت صغير?
كنت أحلم بالثورة.
بمن كنت معجبا من الشخصيات أو الرموز السياسية آنذاك?
كنت معجبا بلينين وستالين (سيمون) بوليفار, غيتان (القائد الثوري لحزب تحرير كولومبيا), سيبريانو كاسترو (رئيس فنزويلا, ذو التوجه القومي, الذي تولى الحكم سنة 1899), ماوتسي تونغ, مورازان (موحد أمريكا اللاتينية) غوستافو ماشادو (الزعيم التاريخي للشيوعيين في فنزويلا), جمال عبد الناصر, فيدل كاسترو, وأيضا .. والدي.
وما هي السمة المشتركة بين كل تلك الشخصيات التي كنت تتخذ منها القدوة في شبابك?
أعتقد أن مسار تكويني وتشكل وعيي السياسي في تلك البيئة العائلية التي نشأت فيها, هو الذي قادني إلى تلك الشخصيات الإحدى عشرة التي كانت (مثلا ) لي في طفولتي. واليوم حين أعود إلى الوراء, أجد أن ما يجمع بين كل تلك الشخصيات كونها جميعا كانت لها نضالات وتطلعات تتجاوز حدود بلدانها الأصلية.
هل ما تزال تكن الإعجاب ذاته لتلك الشخصيات التي كانت بمثابة (المثل) لك في شبابك? أم هل تنظر إليها اليوم نظرة أكثر نقدية?
نظرتي إليها اليوم أقل مثالية لأنني أضعها في سياقها التاريخي, وكنت قد أصبحت - مثلا - من أشد المناوئين للناصرية, وحين توفي جمال عبد الناصر, في سبتمبر (أيلول) ,1970 كنت الوحيد الذي لم يبكه من بين كل الفدائيين الفلسطينيين في ما بعد فقط, فهمت بأثر رجعي مكمن قوة عبد الناصر الحقيقية, التي تتمثل في كونه نجح في أن يجعل من العرب موضوعا مركزيا في التاريخ الحديث.
يعد فيدل كاسترو الوحيد الذي ما يزال حيا من بين كل تلك الشخصيات التي كنت مولعا بها في شبابك, بأية نظرة ترى اليوم هذا (الثوري العجوز)?
لقد كان فيدل كاسترو نموذجا يحتذى بالنسبة لكل أبناء جيلي وأنا أعتبره آخر (عمالقة الثورة).
بماذا شعرت حين أصيب كاسترو بحالة إغماء, خلال إحدى خطبه السياسية المطولة?
لم أشعر بأي قلق فأنا كنت دوما أعرف أن فيدل كاسترو لن يكون خالدا , وابنه راؤول كاسترو سيحافظ على مسار الثورة من بعده.
والدي
ذكرت اسم والدك بين تلك الشخصيات التي كانت (مثلك) في شبابك, كيف كانت علاقتك بوالدك في ما بعد, خلال مختلف مراحل حياتك السياسية?
لم أر والدي منذ 27 سنة, وقبل ذلك, كانت علاقتي به تشوبها النزاعات المستمرة, فأنا كنت ألومه بسذاجة على عدم انخراطه بما فيه الكفاية في الثورة, وهو من جهته كان يحاول, من دون لباقة, أن يفتح عيني على الوجه الحقيقي للوقائع السياسية, بعيدا عن (رتوش) الماكياج الرومانسية, وفي ما بعد تبين لي أن تحليلاته كانت في عمومها صائبة, وبالرغم من أن علاقتنا أصبحت تقتصر على المراسلات, التي تتم إما بشكل مكتوب أو عن طريق وسطاء, إلا أنها ظلت دوما - وما تزال - علاقات تضامن ملؤها الحب وحرارة الأواصر العائلية.
بأية نظرة يرى والدك مسارك السياسي والثوري? وما هو تقييمه للأساليب التي اخترتها للتعبير عن أفكارك, التي تختلف جذريا عن أساليبه هو, رغم كونه يتبنى نفس المثل الثورية التي ناضلت من أجلها?
والدي فخور جدا بمساري السياسي, وبانخراطي الكامل في الثورة, رغم أن (العنف الثوري) بالنسبة له كان مجرد فكرة نظرية, وهو مولع أكثر بالانقلابات العسكرية.
حين اختار والدك اسمي (فلاديمير) و(لينين) لشقيقيك, ثم أسماك أنت (إليتش), في لفتة تمجيد لقائد الثورة البلشفية, فلاديمير إليتش لينين, كانت بلادك فنزويلا آنذاك تحت حكم الدكتاتورية العسكرية, فهل اعتبر ذلك في حينه نوعا من ا لاستفزاز السياسي? وهل تسبب في متاعب لوالدك مع الحكم العسكري?
أنا الذي كنت أكبر أشقائي, وحين و لد شقيقنا الأصغر, كنا أنا وأخي لينين من أسميناه فلاديمير, وكانت هذه الأسماء مجتمعة تمثل بالفعل استفزازا وتحديا سياسيا آنذاك, لكنها لم تكن لتعرض والدي لمخاطر حقيقية, كونه كان مقربا من العديد من وجوه الحكم الفنزويلي آنذاك, ممن كانوا من أقاربنا أو من رفاقه القدامى بحكم كونه مغرما جدا بالانقلابات العسكرية.
هل كنت تلميذا متفوقا في المدرسة? وأية مواد دراسية كانت تجتذبك?
أعتقد أنني كنت تلميذا نجيبا , وكانت تجتذبني بالأخص العلوم الإنسانية, التاريخ والجغرافيا وعلم النفس.
متى سافرت خارج فنزويلا لأول مرة?
كان عمري 3 أو 4 سنوات, وكان ذلك ضمن رحلة عائلية قمنا بها إلى العاصمة الكولومبية (بوغوتا) وعدنا إلى فنزويلا عن طريق البر, في عز الحرب الأهلية التي كانت مشتعلة آنذاك في كولومبيا.
لماذا سافرت عائلتك برا من (كاراكاس) إلى (بوغوتا) في عز الحرب الأهلية?
السفر بالبر كان في رحلة العودة فقط, وكنا قد سافرنا, في ما أذكر, بالطائرة باتجاه بوغوتا, كان والدي يريد اغتنام انهيار الأسعار هناك بسبب الحرب الأهلية, لشراء إحدى مزارع القهوة, وحظيرة لتربية المواشي, وكانت العودة برا باتجاه (كاراكاس) مخاطرة كبيرة, فقد كان والدي وسائق سيارة (الليموزين) التي كانت تنقلنا, هما الوحيدان اللذان كانا يحملان مسدسات, كانت والدتي حاملا في الشهر الخامس, ولم تكن ترافقنا سوى اثنتين من مربياتنا الوفيات.
أي تأثير تركته تلك المرحلة المحفوفة بالمخاطر في مخيلتك الطفولية?
كانت تلك أول مرة احتككت فيها عن قرب بالفقر والمعاناة الإنسانية, وأذكر أيضا أنني نجحت في إنقاذ أخي (لينين) من عملية اختطاف في مدينة (بامبيلونا), حيث لجأت إلى الصياح بأعلى صوتي للم الناس من حولنا, لإحباط تلك العملية, وتمكن والدي بعد إشهار مسدسه, من أن ينتزع (لينين) من أيدي الخاطفين الذين كانوا قد هموا بإدخاله إلى سيارة التاكسي.
بعد أن غادرت فنزويلا, أين أكملت دراستك?
حصلت على شهادة البكالوريا في اختصاص العلوم ب- (كاراكاس) في يوليو (تموز) ,1966 وفي شهر أغسطس من السنة ذاتها انتقلت إلى لندن, وأعدت البكالوريا وفق النظام الدراسي الإنجليزي, فنلت شهادة Ordinary levels من معهد London university board , في صيف عام ,1967 ثم نلت الـ Advance levels سنة .1968